الهِبة / الوَهّاب

wahb جذر · و-هـ-ب مَوضعانِ في القرآن
التَّعريف الجَذريّ
**وَصلٌ يَخرُجُ من الباطِنِ فيَلتَصِقُ بِمَن أُعطِيَه بِلا عِوَض**. لَيسَتِ الهِبةُ عَطاءً مُقابَلاً بِعَمَل، ولا رِزقاً يَجري بِأسباب، بَل إخراجَ شَيءٍ من عِندِ المُعطي يَثبُتُ عِندَ الآخِذ. ولِذلك جاءَ في المَوضِعَينِ مَعاً **«مِن لَدُنكَ»**: من عِندِه لا من طَريق.

تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر

ثلاثةُ حُروف:

  • و: تَستَديرُ الشَّفَتانِ حَلقةً تَشتَمِلُ على مَجرى النَّفَس،

فيَجري فيها الصَّوتُ وَصلاً مَمدوداً يَربِطُ ما قَبلَه بِما بَعدَه. شِحنَتُه: عَقدٌ يُحيطُ ووَصلٌ يَربِط.

  • هـ: هَمسٌ خالِصٌ يَخرُجُ من أقصى الحَلقِ بِلا حَبسٍ ولا احتِكاكٍ

يُذكَر، فيَنبَعِثُ النَّفَسُ من الجَوفِ كَما هو. شِحنَتُه: انبِعاثٌ من الجَوفِ بِلا كُلفة.

  • ب: انطِباقُ الشَّفَتَينِ يَحبِسُ ثُمَّ يَنفَتِحُ عنه بِرَخاوةٍ

وتَشَبُّث. شِحنَتُه: التِصاقٌ وتَشَبُّثٌ بَعدَ حَبس.

النَّواةُ وَهـ (و + هـ) = وَصلٌ يَنبَعِثُ من الجَوفِ بِلا كُلفة: ما خَرَجَ من الباطِنِ مَوصولاً بِصاحِبِه لا مُنقَطِعاً عنه. والإغلاقُ بِـب يُلصِقُ هذا المُنبَعِثَ بِمَن وَقَعَ عليه، فيَصيرُ الجَذرُ كُلُّه: ما خَرَجَ من عِندِ المُعطي بِلا كُلفةٍ فالتَصَقَ بِالمُعطى.

ومنه في كلامِ العَرَب:

  • وَهَبَ لَه: أعطاه بِلا عِوَض. واللّامُ لازِمةٌ لَه، وهي لامُ

التَّملِيك: ما وُهِبَ صارَ لِلمَوهوبِ لَه.

  • المَوهِبة: ما يُوهَب، ثُمَّ سُمِّيَت بِه القُدرةُ التي يُولَدُ بِها

الإنسانُ ولم يَكتَسِبْها.

  • الوَهّاب: كَثيرُ الهِبةِ لا يَنقَطِع، والصّيغةُ (فَعّال) لِلمُبالَغةِ

في الفِعلِ لا في المِقدار.

  • اتَّهَبَ: قَبِلَ الهِبة. فالجَذرُ يَقتَضي طَرَفَينِ ولا يَتِمُّ

بِواحِد.

الشِّحنةُ الجامعةُ لِلجَذرِ و-هـ-ب: خُروجٌ بِلا كُلفةٍ يَلتَصِقُ بِآخِذِه. وهذا يَضبِطُ قِراءةَ الكَلِمةِ في القرآن، ويُفَسِّرُ مُلازَمةَ «مِن لَدُنكَ» لَها في المَوضِعَينِ كِلَيهِما: «لَدُن» أخَصُّ من «عِند»، وهي لِما لا واسِطةَ فيه. فالهِبةُ في هذا المُعجَمِ لا تَجري على سَبَب، ولِذلك طُلِبَت فيما لا سَبيلَ إليه بِعَمَل: ثَباتُ قَلبٍ بَعدَ هُدى، ووَلَدٌ من عاقِر.

الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن

  • وَهَبْ / هَبْ (فِعلُ أمرٍ في الدُّعاء): مَوضِعان، وكِلاهُما طَلَبٌ

من العَبدِ لا خَبَرٌ عن عَطاء. ولا يَرِدُ الجَذرُ في المُسَجَّلِ فِعلاً ماضِياً ولا مُضارِعاً.

  • الوَهّاب (صيغةُ المُبالَغةِ اسماً): مَوضِعٌ واحِد، ويَقَعُ خَبَراً

مُؤَكَّداً بِـ«إنَّكَ أنتَ» في خِتامِ الدُّعاءِ نَفسِه.

الجَذرُ قَبلَ الوَزن: لا يَرِدُ في المُسَجَّلِ إلّا في مَقامِ

الدُّعاء، أمراً من العَبدِ ثُمَّ وَصفاً لِلمَدعوّ. فالمَفهومُ

مَبنيٌّ من جِهَةِ الطّالِبِ لا من جِهَةِ المُعطي، وهذا مُوافِقٌ

لِلشِّحنة: ما لا يُنالُ بِكُلفةٍ لا يُطلَبُ إلّا سُؤالاً.

الفُروق المَعنويّة: مَفاهيمُ مُجاوِرةٌ من جُذورٍ أُخرى

  • rizq (الرِّزق، ر-ز-ق): ما يُساقُ إلى المَخلوقِ لِيَنتَفِعَ بِه.

والفَرقُ أنَّ الرِّزقَ يَجري على أسبابٍ ومَجارٍ، والهِبةَ تَخرُجُ من لَدُنِ المُعطي بِلا واسِطة.

  • ajr (الأجر، أ-ج-ر): مَحبوسٌ يُطلَقُ إلى صاحِبِ العَمَل. والهِبةُ

لا عَمَلَ قَبلَها. فالأجرُ مُستَحَقٌّ والهِبةُ ابتِداء.

  • fadl (الفَضل، ف-ض-ل): زيادةٌ عن الحاجةِ بِلا مُقابَلة. وهو

أقرَبُ المَفاهيمِ إليها، والفَرقُ أنَّ الفَضلَ يُنظَرُ فيه إلى الزّيادةِ على قَدرٍ سابِق، والهِبةَ إلى الخُروجِ من عِندِ المُعطي.

  • الإيتاء (أ-ت-ي): إعطاءٌ مُطلَقٌ لا يُقَيَّدُ بِعِوَضٍ ولا بِعَدَمِه.

والهِبةُ أخَصُّ منه بِنَفيِ العِوَض.

المَواضع: مَواقعُ الهِبة في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)

  • ٣:٨ ﴿وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. الجَديدُ: الكَلِمةُ تَدخُلُ القرآنَ في دُعاءٍ جَماعيٍّ لِلرّاسِخينَ في العِلم، ومَوهوبُها رَحمة لا عَينٌ تُملَك. وتَرِدُ الصّيغتانِ في آيةٍ واحِدة: أمرٌ من العَبدِ ثُمَّ وَصفٌ لِلمَسؤولِ بِصيغةِ المُبالَغة، فيُخَتَمُ الطَّلَبُ بِما يُصَحِّحُه. ومَوقِعُها بَعدَ «لا تُزِغْ قُلوبَنا» يَجعَلُ الهِبةَ الجَوابَ الإيجابيَّ لِطَلَبٍ سَلبِيٍّ قَبلَها: يُسأَلُ المَنعُ من المَيلِ ثُمَّ يُسأَلُ ما يُثَبِّت. انظُر الزَّيغ.
  • ٣:٣٨ ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾: الطَّلَبُ يَنتَقِلُ إلى الفَرد. الجَديدُ: تَسقُطُ الواوُ من الفِعلِ في الأمرِ («هَبْ» لا «وَهَبْ» مَعَ الواوِ العاطِفة)، ويَنتَقِلُ الضَّميرُ من الجَماعةِ إلى المُفرَد، ومَحَلُّ الهِبةِ من مَعنىً في القَلبِ إلى ذُرِّيّة. فيَتَّسِعُ المَفهومُ من المَعاني إلى الأعيان. ويَتَكَرَّرُ «مِن لَدُنكَ» بِنَصِّه، فيَثبُتُ اللُّزوم: ما طُلِبَ هِبةً طُلِبَ من غَيرِ طَريق. ومَوقِعُه بَعدَ رُؤيَةِ زَكَرِيّا رِزقَ مَريَمَ عِندَها يَجعَلُ الطَّلَبَ ناشِئاً عن مُشاهَدةِ ما لا سَبَبَ لَه. انظُر الدُّعاء.

التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى

  • مَعَ الزَّيغ في ٣:٨: اقتِرانُ طَلَبِ الهِبةِ بِطَلَبِ المَنعِ

من الزَّيغِ في آيةٍ واحِدةٍ يَجعَلُ الرَّحمةَ المَوهوبةَ ما يَسُدُّ مَوضِعَ المَيل.

  • مَعَ الدُّعاء في المَوضِعَين: انحِصارُ الجَذرِ في مَقامِ

الدُّعاءِ في المُسَجَّلِ كُلِّه يَجعَلُه من ألفاظِ الطَّلَبِ لا من ألفاظِ الخَبَر.

  • مَعَ الرِّزق في ٣:٣٨: ما رَآهُ زَكَرِيّا عِندَ مَريَمَ سُمِّيَ

رِزقاً، وما سَأَلَه لِنَفسِه سُمِّيَ هِبة. فالتَّجاوُرُ في السّياقِ نَفسِه يُبرِزُ الفَرقَ بَينَ اللَّفظَين.

الإشكالات المَفتوحة

  • «مِن لَدُنك»: أهي لِبَيانِ المَصدَرِ أم لِنَفيِ الواسِطة؟

مُلازَمَتُها لِلجَذرِ في المَوضِعَينِ تُرَجِّحُ الثّاني، لكنَّ المَوضِعَينِ لا يَكفِيانِ لِلحُكم. مَفتوح.

  • هل يَخُصُّ الجَذرُ ما لا يُنالُ بِسَبَب؟ المَوهوبُ في المُسَجَّلِ

رَحمةٌ وذُرِّيّةٌ من عاقِر، وكِلاهُما كَذلك. يُختَبَرُ عِندَ نَشرِ سُوَرٍ فيها «وَهَبنا لَه» في غَيرِ هذا المَقام.

  • انحِصارُ الجَذرِ في الدُّعاءِ في المُسَجَّل: أهو أثَرُ ما نُشِرَ

أم اطِّرادٌ في القرآن؟ القرآنُ فيه «ووَهَبنا لَه» خَبَراً في سُوَرٍ لم تُنشَر، فالمَسأَلةُ مَحسومةٌ سَلفاً وإنَّما تُسَجَّلُ هُنا حالُ المُعجَمِ الآن. مَوقوف.

مَواضِعُ هذا المَفهومِ في القرآن