آل عمران · الآية 8

﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ

«رَبَّنَا»: مِن قَولِ العِلمِ إلى دُعاءِ القَلب

بَعدَ أن ذَكَرَت الآيةُ السابقةُ قولَ الراسخينَ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾ يأتي هذا الدُّعاءُ مُباشَرةً: «ربَّنا»، والصِّلةُ في اللَّفظِ نَفسِه، فالرَّبُّ الذي نُسِبَ إليه الكتابُ هو الذي يُطلَبُ منه ثَباتُ القَلب. والعِلمُ يَعرِفُ أنَّ رسوخَه ليس مِلكاً يَضمَنُه لِنَفسِه، ولا يَكتفي بأن يَصِفَ مَوقِفَه، والجِذرُ حينَ يَشتَدُّ في الأرضِ لا يَستَغني عن الماء.

«لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا»: طَلَبُ الحِفظِ من مَيلٍ داخِلي

و«لا تُزِغ» طَلبٌ صَريحٌ أن لا يَقَعَ الإزاغ. والجِذرُ ز-ي-غ هو الجِذرُ نَفسُه الذي وَصَفَ المَيلَ في القُلوبِ قَبلَها، إلّا أنَّ الصيغةَ هنا تَنقُلُه إلى سُؤالِ السَّبب: لا تَجعَل قُلوبَنا تَميل. والدُّعاءُ يَضعُ إمكانَ الزَّيغِ داخِلَ «نا»، ولا يَرميه على الآخرين، وأوّلُ الحِفظِ أن لا يَستَثنيَ القَلبُ نَفسَه من الخَطَر.

والقَلبُ من ق-ل-ب مَركزٌ عَميقٌ تَمتَدُّ منه جِهاتُ التَّعَلُّق، وقد جُمِعَت القُلوبُ وأُضيفَت إلى الداعين: «قلوبَنا»، فالمطلوبُ ثَباتُ مَحلٍّ سريعِ الانتقالِ بينَ الجهات، وليس ثَباتَ فِكرةٍ مُجَرَّدة، وما يَميلُ في الباطِن يَقودُ الخُطوةَ ولو بَقِيَ اللسانُ في مَكانِه.

«بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا»: الهِدايةُ واقِعةٌ لا ذِكرى مُحتَمَلة

و«بَعدَ إذ» تُثبِتُ تَرتيباً، هو هِدايةٌ حَصَلَت، ثُمَّ خَوفٌ من مَيلٍ يَلحَقُها. والهُدى من ه-د-ي إشارةٌ هادئةٌ ثابِتةٌ تَمتَدُّ في مَجراها، والدُّعاءُ يَطلُبُ أن لا يَضيعَ المَجرى بَعدَ أن وُضِعَت العلامة، ولا يَطلُبُ علامةً أُولى، ومَن عَرَفَ الطَّريقَ ما زالَ يَحتاجُ أن يَحفَظَ وجهَتَه.

«وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً»: عَطاءٌ يَأتي من قُرب

و«هَب» من و-ه-ب، وهو وَصلٌ يَنفتِحُ فيُفضي بما في داخِلِه إلى الخارِج، والهِبةُ عَطاءٌ لا تَذكُرُ الجُملةُ له عِوَضاً، ولذلك جاءَت بَعدَ طَلبِ الحِفظِ، فيُطلَبُ ما يَملأُ مَكانَ المَيل، ولا يَقِفُ الطَّلَبُ عندَ مَنعِه. و«من لدنك» تَجعَلُ المَنبَعَ قَريباً مُضافاً إلى المُخاطَب، لا خَيراً مُرسَلاً لا يُعرَفُ مَصدَرُه.

والمَوهوبُ «رحمة»، ومادّتُها ر-ح-م: جَريانٌ في احتواءٍ باطِنٍ يَضُمُّ ويَحمِل، وكأنَّ القَلبَ الذي يَخشى المَيلَ يَطلُبُ حَيِّزاً يَحمِله من داخِل، ولا يَطلُبُ قَيْداً من خارِج. ثُمَّ تُؤَكِّدُ الخاتمةُ المَنبَعَ بثلاثةِ مَواضِع للتَّوكيد: «إنَّك أنتَ الوهّاب»، والعَطاءُ فيها اسمٌ مُبالَغٌ في ثَباتِه، وليس فِعلاً عابِراً.


حَصيلة

يَجيءُ «ربّنا» بَعدَ ذِكرِ الراسخين، فيَنكَشِفُ أنَّ الرُّسوخَ لا يُغني القَلبَ عن رَبٍّ يُنَمّيه. ويَضَعُ الدُّعاءُ الزَّيغَ في إمكانِ قُلوبِ المُخاطَبين، ويَذكُرُ الهُدى نِعمةً واقِعةً لا مِلكاً مَضموناً، ثُمَّ يَطلُبُ رَحمةً من «لدنك» تَحمِلُ القَلبَ من داخِل. وبينَ «هديتنا» و«هَب لنا» يَبقى الثَّباتُ عَطاءً مُتَجَدِّداً، والقَلبُ يَستَقيمُ لأنَّه كُلَّما خافَ المَيلَ عادَ إلى الواهِب، وليس لأنَّه لا يَميل.