الفَضل
الفائِضُ الذي يَزيدُ على الكِفايةِ. ما أُعطيَ لِيَمُرَّ لا لِيُحتَجَز. التَّفضيلُ: وَضعُ فائِضٍ في يَدِ جَماعةٍ لِتُمَرِّرَه لِمَن حَولَها في زَمَنِها، لا اصطِفاءٌ ذاتيٌّ يُقصي الآخَر.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
ثَلاثةُ حُروف:
- ف: تَفريقٌ ونَفاذ، فَصلٌ يَخترِقُ إلى الغايَة.
- ض: ضَمٌّ وثِقَل، ضَغطٌ وكَثافة.
- ل: تَعَلُّقٌ وامتِداد.
النَّواةُ فض = فَصلٌ بِضَغط: فَرزٌ قَويٌّ يُمَيِّزُ الخاصَّ من العامّ. الإغلاقُ بـل يَجعَلُ هذا الفَرزَ يَتَعَلَّقُ ويَمتَدُّ بِصاحِبِه، فيَصيرُ الجَذرُ: فَرزٌ ضاغِطٌ يَتَعَلَّقُ بِصاحِبِه ويَمتَدُّ بِه فَوقَ غَيرِه.
المِفتاحُ البِنيَويُّ، الفَضلُ كَنَتيجَةِ قَوانينِ المُضاعَفة: الفَضلُ ليسَ قانوناً بَل النَّتيجَةُ التَّراكُميَّةُ لِقَوانينِ المُضاعَفةِ حينَ تَجري في الزَّمَن. ما يَخرُجُ من قانونِ شُكر، الفَيضُ المُضاعَفُ، يَتَجَمَّعُ في الزَّمَنِ فَيَصيرُ فائِضاً مَلموساً. الفَضلُ هو هذا الفائِض.
ولِذلكَ يَنزِلُ على الإنسانِ بِأَوجُهٍ ثَلاثة في القُرآن: 1. فَضلٌ مُلازِمٌ في الاسمِ الإلَهيِّ: ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (٢:١٠٥)، الفائِضُ صِفةٌ راسِخةٌ في الاسم، لا حَدَثٌ طارِئ. 2. فَضلٌ يُوضَعُ في يَدٍ بَشَريَّة: ﴿أَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (٢:٤٧، ٢:١٢٢)، الفائِضُ يُؤتَمَنُ على جَماعةٍ في زَمَن، مَشروطاً بِأن يَمُرَّ إلى غَيرِها. 3. فَضلٌ يُوزَّعُ بَين الرُّسُلِ بِالتَّدريج: ﴿فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ (٢:٢٥٣)، التَّفاضُلُ في الكَيفِيَّة، لا في الجَوهَر.
التَّمييزُ مَع ni3ma: النِّعمَةُ ما يَستَقِرّ على المُتَلَقّي ويُلامِسُه، الفَضلُ ما يَفيضُ زائِداً عَن حاجَتِه ويَطلُبُ المُرورَ إلى آخَرين. النِّعمَةُ تَحُلُّ في مَوضِعِها، الفَضلُ يَتَجاوَزُ مَوضِعَه. مَن احتَبَسَ الفَضلَ مَوضِعَه حَوَّلَه إلى احتِكارٍ ولَيسَ نِعمَةً، لِأَنَّ النِّعمَةَ تَتَمَوضَعُ والفَضلَ يُمَرَّر. انظُر النِّعمة.
ومنه في كَلامِ العَرَب:
- فَضَلَ: زادَ وبَقيَ عَن الحاجَة.
- فَضلُ الطَّعامِ: ما بَقيَ بَعدَ الشِّبَع.
- الفَضَّة: المَعدَنُ المُفصولُ عَن الشَّوائِبِ بِضَغط.
- الفَضلُ لَيسَ الاصطِفاءَ في الأَصلِ بَل الزِّيادةَ البَقيَّة.
الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن
- فَضَّلتُكُم عَلى العالَمين (ماضٍ بِصيغةِ التَّفعيل، مَع جَمع مُتَكَلِّم): في ٢:٤٧. التَّفعيلُ يُفيدُ الإيقاعَ المَقصودَ المُتَكَرِّر: وَضعتُ فيكُم الفائِضَ بِتَعَمُّد.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: الفائِضُ المُتَعَلِّقُ من الجَذر. التَّفعيلُ يُضيفُ القَصدَ والإيقاعَ الخاصّ.
الفُروق المَعنويّة
لا فُروعَ مُتَمَيِّزةٌ بِجَذرٍ مُنفَصِل.
المَواضع: مَواقعُ الفَضلِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:٤٧ ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. الفَضلُ يَدخُلُ القُرآنَ هُنا في خِطابِ بَني إسرائيل. التَّفضيلُ ليسَ إعلانَ اصطِفاءٍ مُطلَق: الجَذرُ يُقَرِّرُ فائِضاً وُضِعَ في يَدٍ لِيَمُرَّ. «العالَمين» في هذا السِّياقِ أَقرانُ الزَّمَنِ المُحَدَّدِ لا كُلُّ البَشَرِ عَبرَ التّاريخ. الفَضلُ مَوقوتٌ بِزَمَنِه ومَشروطٌ بِتَمريرِه. مَن احتَبَسَه حَوَّلَ الأَمانةَ إلى احتِكار، ومَن احتَكَرَ فَقَدَ شَرعِيَّةَ الحَمل.
- ٢:١٠٥ ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾: «ذو الفَضلِ العَظيم»، الفَضلُ وَصفٌ قائِمٌ باللهِ لا بِمَن أُعطيَ. الصِّيغةُ «ذو» تُفيدُ المُلازَمة: الفَضلُ صِفةٌ مُلازِمةٌ لَه لا مَوقوفةٌ على فِعلٍ واحِد. الجَديدُ: الفَضلُ مَوصوفٌ بِـ«العَظيم» ومَسبوقٌ بِتَخصيصِ الرَّحمة: الاختِصاصُ بِالرَّحمةِ هو وَجهٌ من وُجوهِ الفَضلِ العَظيم.
- ٢:١٢٢ ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾: تَكرارُ صِيغةِ ٢:٤٧ حَرفيّاً. التَّكرارُ بَعدَ الآياتِ التي وَضَّحَت حالَهم (ادِّعاءُ الجَنَّة، شُرُوطُ البِرّ...) يُعيدُ تَأطيرَ التَّفضيلِ كَتذكيرٍ لا مَدحاً: مَن فُضِّلَ ثُمَّ ادَّعى أَكثَرَ مِمّا أُعطيَ يَحتاجُ إلى تَذكيرٍ بِحُدودِ الفَضل.
- ٢:٢٥٣ ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾: الفَضلُ في صِيغَتِه التَّفضيليَّةِ بَين الرُّسُل. الجَديدُ: التَّفضيلُ لا يَنفي الاشتِراكَ في الرِّسالَة، يُحَدِّدُ مَراتِبَ داخِلَ النَّوع. كُلُّ الرُّسُلِ مُكرَّمون، وَبَعضُهُم على بَعضٍ فَضلٌ مَخصوصٌ في تَجَلٍّ أو خِطابٍ أو حَدَث. الفَضلُ هُنا تَوزيعٌ مُتَدَرِّجٌ لا اصطِفاءٌ مُغلَق. انظُر الرَّسول.
- ٢:٢٦١ ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾: الفَضلُ في صورَةِ المُضاعَفَة. لا يَردُ بِلَفظِه، لكنَّ المَثَلَ بِسَبعِ سَنابِلَ في كُلٍّ مِئَةٌ هو الفَضلُ في نَتاجِه. الجَديدُ: الفَضلُ هُنا مُتَدَرِّجٌ في المُضاعَفَة، سَبعُمِئَةٍ وأَضعافٌ بَعدَها. «واسِعٌ عَليم» يُحَدِّدُ أَنَّ الفَضلَ لا يَنتَهي بِحَدٍّ بَل بِسَعَةٍ تَستَوعِبُ كُلَّ مُنفِق. انظُر الإنفاق.
- ٢:٢٦٨ ﴿وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا﴾: الفَضلُ في الوَعدِ الإلَهيِّ المُقابِلِ لِوَعدِ الشَّيطانِ بِالفَقر. الجَديدُ: الفَضلُ مُقتَرِنٌ بِالمَغفِرَةِ كَزَوجٍ إلَهيٍّ، الغِطاءُ على الخَطيئَةِ + الفائِضُ في العَطاء. التَّقابُلُ مَع وَعدِ الشَّيطانِ يَكشِفُ بِنيَةَ الوَعد: مَن آمَنَ بِوَعدِ اللهِ أَنفَقَ، ومَن آمَنَ بِوَعدِ الشَّيطانِ أَمسَك. انظُر الغُفران والشَّيطان.
- ٣:٧٤ ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾: الجَديدُ: يُقرَنُ الفَضلُ بِالاختِصاص، فيُقرَأُ عَطاءً لا يَلزَمُ فيه التَّسوية. وسِياقُه رَدٌّ على مَن ضاقَ بِأن يُؤتى غَيرُه مِثلَ ما أوتي، فالفَضلُ يُذكَرُ حَيثُ يُنازَعُ في تَوزيعِه. انظُر الرَّحيم.
- ٣:١٧٠ ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم﴾: الجَديدُ: يُذكَرُ الفَضلُ مَقبوضاً بَعدَ المَوتِ لا مَرجُوّاً في الحَياة، ويُعطَفُ على الفَرَحِ بِه استِبشارٌ بِمَن لم يَلحَقْ بَعد. فيَمتَدُّ أثَرُ الفَضلِ من قابِضِه إلى مَن وَراءَه. انظُر المَوت.
- ١٧:١٢ ﴿لِّتَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ﴾: الجَديدُ: يُجعَلُ الفَضلُ مَطلوباً بِالسَّعي: «لِتَبتَغوا فَضلاً مِن رَبِّكُم»، وكانَ في المُدَوَّنِ مَوهوباً أو مَوصوفاً أو مَوعوداً بِه. ويُعَلَّقُ الابتِغاءُ بِوَقتٍ مَجعولٍ لَه، فيُقرَأُ الفائِضُ مَقسوماً على زَمَنٍ يُمَكِّنُ من طَلَبِه: آيةُ النَّهارِ جُعِلَت مُبصِرةً لِيُبتَغى فيها.
- ١٧:٢١ ﴿انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ … وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾: الجَديدُ: يُقاسُ التَّفضيلُ بِتَفضيلٍ آخَر: «ولَلآخِرةُ أكبَرُ دَرَجاتٍ وأكبَرُ تَفضيلاً». فما كانَ في ٢:٢٥٣ تَوزيعاً مُتَدَرِّجاً داخِلَ النَّوع، يُوضَعُ هُنا في مَرتَبةٍ دُنيا بِإزاءِ تَوزيعٍ أوسَعَ مِنه. والأمرُ بِالنَّظَرِ «انظُرْ كَيفَ» يَجعَلُ التَّفاوُتَ في الأرزاقِ مَوضِعَ اعتِبارٍ لا مَوضِعَ فَخر.
- ١٧:٧٠ ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ … وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾: الجَديدُ: يُقَيَّدُ المُفَضَّلُ عَلَيهِ بِـ«كَثيرٍ مِمَّن خَلَقنا» لا بِالخَلقِ كُلِّه، وهو أصرَحُ ما في المُدَوَّنِ على ما يَقولُه صَدرُ الصَّفحة: التَّفضيلُ لَيسَ اصطِفاءً مُغلَقاً يُقصي. والمُفَضَّلُ هُنا «بَنو آدَم» لا أُمّةٌ بِعَينِها، فيَتَّسِعُ المَفهومُ من جَماعةٍ في زَمَنٍ إلى نَوعٍ في خَلق. ويَسبِقُه تَكريمٌ وحَملٌ ورِزق، فالفَضلُ آخِرُ أربَعةٍ لا أوَّلُها.
- ١٧:٨٧ ﴿إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾: الجَديدُ: يُوصَفُ الفَضلُ بِالكِبَرِ مُتَعَلِّقاً بِمُخاطَبٍ بِعَينِه: «كانَ عَلَيكَ كَبيراً»، وكانَ الوَصفُ في ٢:١٠٥ و٣:٧٤ لِلفَضلِ في نَفسِه («ذو الفَضلِ العَظيم»). فيُقاسُ المِقدارُ هُنا بِما وَقَعَ على واحِد. ومَوضِعُه استِثناءٌ من ذَهابٍ بِما أُوحِيَ، فالفائِضُ المَقيسُ هو بَقاءُ ما أُعطي.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
ni3ma: الفَضلُ في ٢:٤٧ يَأتي بَعدَ ذِكرِ النِّعمةِ: النِّعمةُ تَليينُ الطَّريق، والفَضلُ الفائِضُ الذي يُوضَعُ فيهِ.bani-israel: الفَضلُ مُوَجَّهٌ لِبَني إسرائيلَ دَوراً لا نَسَباً.aalamin: «العالَمين» الأَقرانُ في الزَّمَن، انظُر العالَمين.
الإشكالات المَفتوحة
- هَل التَّفضيلُ في ٢:٤٧ دائِمٌ أم مُنقَضٍ بِزَوالِ الأَداء؟ مَوقِفُنا: الفَضلُ أَمانةٌ تَنتَقِلُ بِالدَّور. مَن أَدّى الدَّورَ حَمَلَ الفَضل، ومَن تَخَلّى عَنه انتَقَلَ الفَضلُ إلى الفاعِل.