آل عمران · الآية 38

﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ ۖ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ۖ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ ۖ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ۖ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ

«هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ»: المَشهَدُ يَفتَحُ دُعاءً

تَربِطُ «هنالك» الدُّعاءَ بالمَشهدِ السابق، فعندَ مريمَ ورِزقِها سألَ زكريّا ربَّه. والدُّعاءُ من د-ع-و نِداءٌ يَظهَرُ من عُمقٍ ثمَّ يَصِلُ مَن يُدعى. وما رآه أَخرَجَ طَلَبَه الكامِن، ولم يَبقَ خَبراً عن رِزقِ غيرِه.

«رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ»: العَطاءُ يُطلَبُ من القُرب

والهِبةُ من و-ه-ب وَصلٌ يَفتَحُ نَفَساً ثمَّ يُثَبِّتُ العَطاءَ في مُتَلَقّيه، أي مَنحٌ لا يَقومُ على مُعاوَضة. و«من لدنك» تَطلُبُ العَطاءَ من حَضرةِ الرَّبِّ القريبة، وصاحبُ الدُّعاءِ يُعيِّنُ مَصدَرَ الهِبة، ولا يُملي طَريقَها.

«ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً»: الامتِدادُ يُطلَبُ سَليماً

وطَلَبَ زكريّا ذُرّيّةً «طيبة»، فضَمَّ إلى طَلَبِ الامتِدادِ وَصفَه. والطِّيبُ سَلامةٌ يَنتَشِرُ أَثَرُها بلا كَدَر، وبهذا يَضبِطُ الوَصفُ طَلَبَ العدد، فالقِيمةُ في نَوعِ الامتِدادِ ووِجهتِه، لا في حُدوثِه وحدَه.

«إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ»: خاتِمةُ الطَّلَبِ ثِقةٌ بالتَّلَقّي

والسَّمعُ من س-م-ع سَريانٌ يَتَجَمَّعُ ثمَّ يَنفُذُ إلى العُمق، و«سميع» طبيعةٌ مُكثَّفةٌ دائمة. ويَختِمُ الداعي بعِلمِه أنَّ الدُّعاءَ بَلَغَ سَمعاً لا يَضيعُ فيه، ولا يَختِمُ بامتِلاكِ صورةِ الجَواب.

رِزقُ الآخَرِ يَفتَحُ بابَ الرَّجاء

وتَجعَلُ «هنالك» ما رآه زكريّا شاهِداً على سَعةِ المَنبَع، ولا تَجعَلُه مَوضِعَ مُنافَسةٍ معَ مريم. فالرِّزقُ الذي حَضَرَ عندَ غَيرِه أَيقَظَ طَلَباً كانَ في عُمقِه، ولم يُغلِقْه في مُقارَنة، وبهذا يَعبُرُ العَطاءُ حَدَّ مُتَلَقّيه، فالشيءُ نفسُه لا يَنتَقِل، غيرَ أنَّ دَلالتَه على الواهِبِ تَفتَحُ لِلنّاظِرِ إمكانَ الدُّعاء.

ويَضبِطُ الدُّعاءُ جِهتَه وصِفَتَه من غيرِ أن يَرسُمَ للجَوابِ شَكلَه، فـ«من لدنك» تُحدِّدُ المَصدَر، و«طيّبة» تُحدِّدُ ما يَرجوه في الامتِداد، أمّا الكَيفُ والوَقتُ فيَبقَيانِ خارِجَ مِلكِه. ثمَّ يَعودُ إلى «سميع الدعاء»، فيُسلِّمُ الطَّلَبَ بعدَ أن نَطَقَ به، والسَّمعُ هنا مَأمَنُ النِّداء، لا وَعدٌ للداعي بأنَّ صُورتَه الخاصّةَ ستَملِكُ الجَواب. وبينَ الهِبةِ والسَّمعِ يَبقى الرَّجاءُ مَفتوحاً، واضِحَ الوِجهةِ صادِقَ الحاجةِ خالياً من فَرضِ الطَّريق.


حَصيلة

يَتحَوَّلُ مَشهدُ الرِّزقِ إلى دُعاء، فالرُّؤيةُ تُخرِجُ الطَّلَبَ، والطَّلَبُ يُسمّي المَصدَرَ «من لدنك» والصِّفةَ «طيبة»، ثمَّ يَستَقِرُّ في السَّمعِ الإلهيّ. والثِّقةُ الأُولى عِلمٌ بأنَّ النِّداءَ قد وَصَل، وليست امتِلاكاً للجَواب.