الفاكِهة / الفَكاهة
**ما انفَتَحَ عن لُبٍّ مَستورٍ فأُخِذَ عن سَعةٍ لا عن حاجة**. لَيسَتِ الفاكِهةُ صِنفاً من الطَّعامِ يُقابِلُ صِنفاً، بَل كُلَّ ما يُتَناوَلُ بَعدَ أن سَقَطَ الاضطِرارُ إليه. ولِذلك سُمِّيَت **الفُكاهةُ** من الجَذرِ نَفسِه: كَلامٌ يُتَنَعَّمُ بِه ولا يُحتاجُ إليه.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
ثلاثةُ حُروف:
- ف: استِنادُ الشَّفةِ السُّفلى إلى أطرافِ الثَّنايا يَشُقُّ مَجرىً
ضَيِّقاً يَنفُذُ منه النَّفَسُ ثُمَّ يَخرُجُ مُتَفَرِّقاً مُبعَداً. شِحنَتُه: شَقٌّ يَنفُذُ ثُمَّ يُفَرِّق.
- ك: التِقاءٌ غائِرٌ وتَداخُل، ثُمَّ كَتمٌ واحتِباسٌ وامتِساك، ثُمَّ
قَطعٌ وانفِلاتٌ وخُروج. شِحنَتُه: احتِباسٌ في العُمقِ يَنفَلِتُ عنه.
- هـ: انفِتاحُ المَجرى خالِياً بِلا انطِباق، وإفراغُ الجَوفِ، ثُمَّ
رِقّةٌ وخُفوتٌ وتَلاشٍ. شِحنَتُه: إفراغٌ يَخِفُّ حتّى يَتَلاشى.
النَّواةُ فَك (ف + ك) = شَقٌّ يُفَرِّقُ ما كانَ مُحتَبِساً في العُمق: يُفتَحُ الغِلافُ فيَنفَلِتُ ما تَحتَه، ومنه فَكَّ إذا حَلَّ ما كانَ مُشتَبِكاً. والإغلاقُ بِـهـ يُفرِغُ هذا المُنفَلِتَ ويُخَفِّفُه حتّى لا يَبقى فيه ثِقَلٌ، فيَصيرُ الجَذرُ كُلُّه: انشِقاقٌ عن مَكنونٍ يُؤخَذُ خَفيفاً بِلا كُلفة.
ومنه في كلامِ العَرَب:
- الفاكِهة: ما يُؤكَلُ تَلَذُّذاً لا تَقَوُّتاً. وأهلُ اللُّغةِ
يُفَرِّقونَ بَينَها وبَينَ القوت: هذا لِإقامةِ البِنيَةِ وتِلكَ لِما وَراءَها.
- الفَكِه والفاكِه: الطَّيِّبُ النَّفسِ المُتَنَعِّم.
- الفُكاهة: المُزاحُ ومُلَحُ الكَلام، وهي من هذا الأصلِ لا من غَيرِه:
كَلامٌ يُتَنَعَّمُ بِه.
- تَفَكَّهَ: تَنَعَّمَ، ويُقالُ أيضاً في التَّنَدُّمِ على وَجهِ
التَّهَكُّم، فالجَذرُ يَحتَمِلُ الوَجهَين.
الشِّحنةُ الجامعةُ لِلجَذرِ ف-ك-ه: ما أُخِذَ عن سَعةٍ بَعدَ انفِتاحِ غِلافِه. وهذا يَضبِطُ قِراءةَ الكَلِمةِ في القرآن: الفاكِهةُ لا تُذكَرُ في المُسَجَّلِ في مَقامِ سَدِّ حاجةٍ قَطُّ، بَل بَعدَ أن يَستَقِرَّ أهلُها ويَتَّكِئوا. فهي عَلامةُ ما بَعدَ الكِفاية، ولِذلك جاءَت في سورةٍ واحِدةٍ في مَوضِعَينِ مُتَقارِبَينِ لا يَفصِلُ بَينَهُما إلّا آيةُ الاتِّكاء.
الصِّيَغ: كيف تَردُ في القرآن
- فاكِهون (اسمُ الفاعِلِ جَمعاً): مَوضِعٌ واحِد، ووَصفٌ لِأصحابِ
الجَنّةِ أنفُسِهِم لا لِما يُعطَونَه. فالجَذرُ يُوصَفُ بِه الآخِذُ قَبلَ أن يُسَمّى بِه المَأخوذ.
- فاكِهة (اسماً نَكِرةً): مَوضِعٌ واحِد، وهو العَينُ التي تُتَناوَل.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: يَبدَأُ في المُسَجَّلِ وَصفاً لِلنَّفس ثُمَّ
يَصيرُ اسماً لِلعَين، وبَينَهُما آيةُ الاتِّكاءِ في الظِّلال.
فالتَّرتيبُ نَفسُه حُجّة: تَطيبُ النَّفسُ أوَّلاً ثُمَّ يُذكَرُ ما
تَتَنَعَّمُ بِه، لا العَكس.
الفُروق المَعنويّة: مَفاهيمُ مُجاوِرةٌ من جُذورٍ أُخرى
rizq(الرِّزق، ر-ز-ق): ما يُساقُ إلى المَخلوقِ لِيَنتَفِعَ بِه،
وفيه سَدُّ الحاجة. والفاكِهةُ ما زادَ عليها. فالرِّزقُ يُقيمُ والفاكِهةُ تُطَيِّب.
- الطَّعام (ط-ع-م): ما يُتَناوَلُ لِلقوت. والفَرقُ في المَقصِدِ لا
في الجِنس: قد تُؤكَلُ الفاكِهةُ طَعاماً فتَخرُجُ عن كَونِها فاكِهةً في هذا المُعجَم.
farah(الفَرَح، ف-ر-ح): انطِلاقُ ما في الجَوفِ بِلا إمساك.
ويَشتَرِكانِ في ف وفي الانشِقاق، ويَفتَرِقانِ في المَحَلّ: الفَرَحُ يَنشَقُّ عنه صاحِبُه، والفاكِهةُ يَنشَقُّ عنها غِلافُها. فذاكَ في النَّفسِ وهذه في المَأخوذ.
sirr(السُّرور، س-ر-ر): انبِساطٌ يَستَقِرُّ في حَيِّزِه. وهو
أقرَبُ إلى «فاكِهون» من الفَرَح، لِأنَّ المَوضِعَ مَوضِعُ استِقرارٍ واتِّكاءٍ لا مَوضِعُ انفِلات.
المَواضع: مَواقعُ الفاكِهة في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٣٦:٥٥ ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. الجَديدُ: الجَذرُ يَدخُلُ القرآنَ وَصفاً لِلنّاسِ لا اسماً لِلثَّمَر، فيُقرَأُ من أوَّلِ مَوضِعٍ حالاً في النَّفسِ قَبلَ أن يُقرَأَ عَيناً تُؤكَل. ويُقرَنُ بِـ«في شُغُل»، وهو شُغلٌ لا يَنقُصُ التَّنَعُّمَ بَل يُصاحِبُه، فيَنتَفي أن يَكونَ التَّفَكُّهُ فَراغاً. و«اليَومَ» تُثَبِّتُ الحالَ في وَقتٍ بِعَينِه بَعدَ أن كانَ ما قَبلَه فَصلاً وحِساباً. انظُر الجَنَّة.
- ٣٦:٥٧ ﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ﴾: الجَذرُ يَنتَقِلُ إلى العَين. الجَديدُ: تُذكَرُ الفاكِهةُ نَكِرةً غَيرَ مَحدودةٍ بِصِنف، ويُعطَفُ عليها «ما يَدَّعون» أي ما يَطلُبونَه مِمّا لم يُسَمَّ. فيُجعَلُ المُسَمّى أدنى من غَيرِ المُسَمّى: ذُكِرَتِ الفاكِهةُ لِتُعرَفَ الجِهةُ ثُمَّ أُطلِقَ ما وَراءَها. ويَفصِلُ بَينَه وبَينَ ٣٦:٥٥ آيةُ الاتِّكاءِ في الظِّلال، فيَتِمُّ التَّرتيب: طيبُ نَفسٍ، ثُمَّ استِقرارٌ في ظِلّ، ثُمَّ ما يُتَناوَل. انظُر الرِّزق.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
- مَعَ الجَنَّة في ٣٦:٥٥ و٣٦:٥٧: المَوضِعانِ في وَصفٍ واحِدٍ
مُتَّصِلٍ لِأصحابِ الجَنّة، فيُقرَأُ الجَذرُ جُزءاً من صورةِ الدّارِ لا وَصفاً مُستَقِلاًّ.
- مَعَ السِّرّ / السُّرور في ٨٨:١٣: تِلكَ الآيةُ تَذكُرُ السُّرُرَ
المَرفوعة، وهذه تَذكُرُ الاتِّكاءَ والفاكِهة، فيَجتَمِعُ المَجلِسُ والمَأخوذُ في صورةٍ واحِدةٍ من سورَتَين.
- مَعَ الرِّزق: الفَرقُ بَينَ ما يُقيمُ البِنيَةَ وما يَزيدُ
عليها هو ما يَجعَلُ الفاكِهةَ عَلامةَ ما بَعدَ الكِفاية، وهو أهَمُّ ما في هذا المَفهوم.
- مَعَ العَمَل في ٣٦:٥٤: تَسبِقُ المَوضِعَ الأوَّلَ آيةُ «ولا
تُجزَونَ إلّا ما كُنتُم تَعمَلون»، فيَقَعُ التَّفَكُّهُ بَعدَ الجَزاءِ بِالعَمَلِ لا قَبلَه.
الإشكالات المَفتوحة
- **«في شُغُلٍ فاكِهون»: أالشُّغلُ ما يُشغَلونَ بِه من النَّعيم، أم
شُغلٌ عن أهلِ النّار؟** الوَجهانِ مَرويّان، وقِراءةُ الجَذرِ لا تُرَجِّحُ أحَدَهُما لِأنَّ الشِّحنةَ في المَأخوذِ لا في المَشغولِ عنه. مَفتوح.
- هل الفُكاهةُ (المُزاح) من هذا الأصلِ حَقّاً؟ المُعجَمُ يَجمَعُهُما،
والقِراءةُ هُنا تُوَحِّدُهُما بِأنَّ كِلَيهِما مَأخوذٌ عن سَعةٍ لا عن حاجة. ولَو فُصِلا لَبَقِيَ لِلفاكِهةِ مَوضِعاها ولم تَنتَقِضِ القِراءة. مَفتوح.
- مَوضِعانِ فَقَط في المُسَجَّل: والجَذرُ في القرآنِ أوسَعُ من ذلك
(فاكِهةٌ وأبّاً، فَواكِه، تَفَكَّهون). فما هُنا حالُ المُعجَمِ لا حالُ الجَذر، ويُنتَظَرُ نَشرُ سُوَرٍ أُخرى.