الغَيظ

ghayz جذر · غ-ي-ظ مَوضعانِ في القرآن
التَّعريف الجَذريّ
**حَرارةٌ تَغورُ في الباطِنِ فتَمتَلِئُ ولا تَجِدُ مَخرَجاً**. لَيسَ الغَيظُ الغَضَبَ الظّاهِر، بَل امتِلاءَ الجَوفِ بِما يَحبِسُه صاحِبُه أو يَحبِسُه العَجزُ عن إنفاذِه. ولِذلك جاءَ في المَوضِعِ الأوَّلِ مَعَ **عَضِّ الأنامِل**: أثَرٌ يَظهَرُ على الجَوارِحِ لِأنَّ المَخرَجَ مَسدود.

تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر

ثلاثةُ حُروف:

  • غ: غَؤورٌ في الباطِن، وسَترٌ وتَغطِيَةٌ بِكَثافة، ثُمَّ نَفاذٌ جارٍ

من الغَور. شِحنَتُه: غُؤورٌ مَستورٌ يَنفُذُ من عُمقِه.

  • ي: يَقتَرِبُ وَسَطُ اللِّسانِ من الغارِ اقتِراباً لَيِّناً لا حَبسَ

فيه، فيَسري الصَّوتُ مُمتَدّاً. شِحنَتُه: سَرَيانٌ لَيِّنٌ مُمتَدّ.

  • ظ: حَجبٌ وإطباقٌ غاشٍ. شِحنَتُه: إطباقٌ يُغَطّي فيَحجُب.

النَّواةُ غَي (غ + ي) = غُؤورٌ مَستورٌ يَسري في الباطِنِ ويَمتَدّ: ما نَزَلَ إلى العُمقِ ثُمَّ انتَشَرَ فيه بِلا صَوت. والإغلاقُ بِـظ يُطبِقُ على هذا السّاري ويَحجُبُه، فلا يَجِدُ مَنفَذاً. فيَصيرُ الجَذرُ كُلُّه: ما سَرى في الباطِنِ ثُمَّ أُطبِقَ عليه فامتَلَأَ ولم يَخرُج.

ومنه في كلامِ العَرَب:

  • غاظَه الأمرُ: بَلَغَ منه في الباطِنِ لا في الظّاهِر.
  • الغَيظ: أشَدُّ الغَضَبِ وأحَرُّه، ولِذلك قيلَ فيه إنَّه الغَضَبُ

المَحبوس.

  • تَغَيَّظَتِ القِدرُ: اشتَدَّ غَلَيانُها في جَوفِها. وهي أصلُ

الصّورةِ في المَحسوس: حَرارةٌ في مُغلَق.

  • الكَظم: سَدُّ مَجرى النَّفَس، ومنه «كَظَمَ غَيظَه» أي أمسَكَ ما

كانَ يُريدُ إخراجَه.

الشِّحنةُ الجامعةُ لِلجَذرِ غ-ي-ظ: امتِلاءٌ حارٌّ مَحجوبٌ عن المَخرَج. وهذا يَضبِطُ قِراءةَ الكَلِمةِ في القرآن: الغَيظُ يُوصَفُ بِه ما لم يَنفُذْ بَعد، ولِذلك جاءَ في المَوضِعَينِ مَقروناً بِما يَحبِسُه: عَضُّ الأنامِلِ في الأوَّل، والكَظمُ في الثّاني. والفَرقُ بَينَهُما أنَّ الأوَّلَ حَبسٌ بِالعَجزِ والثّانيَ حَبسٌ بِالاختِيار.

الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن

  • الغَيظِ / الغَيظَ (الاسمُ مُعَرَّفاً): يَقَعُ مَجروراً بِـ«مِن»

لِبَيانِ سَبَبِ الأثَرِ الظّاهِر، ومَنصوباً مَفعولاً لِلكَظم.

  • بِغَيظِكُم (مُضافاً مَجروراً بِالباء): مَوضِعٌ واحِد، والباءُ

لِلمُصاحَبة: يَموتُ صاحِبُه وهو مَعَه، فلا يُفارِقُه ولا يَنفُذ.

الجَذرُ قَبلَ الوَزن: الاسمُ وَحدَه هو الوارِدُ في المُسَجَّل، ولا

يَرِدُ الجَذرُ فِعلاً. وهذا مُوافِقٌ لِشِحنَتِه: ما لا يَجِدُ مَخرَجاً

يُوصَفُ ولا يُشتَقُّ منه فِعلٌ يَقَع.

الفُروق المَعنويّة: مَفاهيمُ مُجاوِرةٌ من جُذورٍ أُخرى

  • الغَضَب (غ-ض-ب): ثَوَرانٌ يَظهَرُ أثَرُه. والغَيظُ ما لم يَظهَرْ

بَعد. فالغَضَبُ يُرى والغَيظُ يُكتَم، وقد يَجتَمِعان.

  • الحِقد (ح-ق-د): إمساكُ العَداوةِ مَعَ طولِ الزَّمَن. والغَيظُ حارٌّ

آنيٌّ والحِقدُ بارِدٌ مُستَقِرّ.

  • sabr (الصَّبر، ص-ب-ر): حَبسُ النَّفسِ على المَكروه. والكَظمُ في

٣:١٣٤ صورةٌ منه خاصّةٌ بِهذا المَحَلّ: صَبرٌ على ما في الجَوفِ لا على ما يَقَعُ من خارِج.

  • hubb (الحُبّ، ح-ب-ب): تَعَلُّقٌ يَميلُ بِصاحِبِه. وقد جُمِعَ

مَعَ الغَيظِ في ٣:١١٩ في طَرَفَينِ مُتَقابِلَين: «تُحِبّونَهُم ولا يُحِبّونَكُم»، فيُقابَلُ تَعَلُّقٌ مَبذولٌ بِامتِلاءٍ مَحبوس.

المَواضع: مَواقعُ الغَيظ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)

  • ٣:١١٩ ﴿وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ ۚ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. الجَديدُ: الكَلِمةُ تَدخُلُ القرآنَ مَرَّتَينِ في آيةٍ واحِدة، مَجرورةً بِـ«مِن» لِبَيانِ سَبَبِ أثَرٍ على الجَوارِح، ثُمَّ بِالباءِ لِلمُصاحَبةِ في الأمرِ بِالمَوتِ بِه. ويُذكَرُ ظَرفُ وُقوعِه «إذا خَلَوا»، فيُجعَلُ الغَيظُ ما يَظهَرُ حَيثُ لا يُرى: عَضُّ الأنامِلِ في الخَلوةِ أثَرٌ لِما لا مَخرَجَ لَه. و«موتوا بِغَيظِكُم» تَقطَعُ الرَّجاءَ في إنفاذِه: يُصاحِبُهُم إلى المَوتِ ولا يَنفُذ. وخِتامُ الآيةِ بِـ«عَليمٌ بِذاتِ الصُّدور» يَرُدُّ المَحبوسَ إلى حَيِّزِه المَعلوم. انظُر الصَّدر.
  • ٣:١٣٤ ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾: الجَذرُ يَنتَقِلُ إلى مَقامِ المَدح. الجَديدُ: يُذكَرُ الغَيظُ مَفعولاً لِلكَظمِ لا حالاً في صاحِبِه، فيُثبَتُ وُقوعُه في المُؤمِنِ ولا يُذَمُّ بِه: المَذمومُ إنفاذُه لا وُجودُه. ويُعطَفُ الكَظمُ على الإنفاقِ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ ويُتبَعُ بِالعَفوِ، فيُجعَلُ في سِلسِلةِ بَذلٍ لا في سِلسِلةِ تَرك: كَظمُ الغَيظِ إعطاءٌ من جِنسِ الإنفاق. والفَرقُ عن ٣:١١٩ أنَّ الحابِسَ هُناكَ العَجزُ وهُنا الاختِيار. انظُر الإِحسان.

التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى

  • مَعَ الصَّدر في ٣:١١٩: خِتامُ الآيةِ بِـ«عَليمٌ بِذاتِ الصُّدور»

بَعدَ ذِكرِ الغَيظِ مَرَّتَينِ يَجعَلُ الغَيظَ نَموذَجاً لِما يُحبَسُ في الحَيِّزِ ولا يُبدى، وهو ما بُنِيَ عليه مَفهومُ الصَّدرِ نَفسُه.

ثُمَّ خِتامُ الآيةِ بِـ«واللهُ يُحِبُّ المُحسِنين» يَجعَلُ حَبسَ الغَيظِ داخِلاً في الإحسانِ لا في مُجَرَّدِ كَفِّ الأذى.

  • مَعَ النِّفاق في ٣:١١٩: وُقوعُ الغَيظِ «إذا خَلَوا» بَعدَ قَولِهِم

«آمَنّا» عِندَ اللِّقاءِ يَجعَلُه العَلامةَ الباطِنةَ لِما أُظهِرَ خِلافُه.

الإشكالات المَفتوحة

  • «موتوا بِغَيظِكُم»: أدُعاءٌ عليهِم أم خَبَرٌ عن حالِهِم؟ صيغةُ

الأمرِ تَحتَمِلُ الدُّعاءَ وتَحتَمِلُ التَّعجيزَ والإخبار، والمَوضِعُ وَحدَه لا يَحسِم.

  • هل الكَظمُ في ٣:١٣٤ حَبسٌ لِلغَيظِ أم إذهابٌ لَه؟ لَفظُ الكَظمِ

صَريحٌ في الحَبسِ لا في الإزالة، وقِراءةُ الجَذرِ تُوافِقُه. لكنَّ عَطفَ العَفوِ بَعدَه يَحتَمِلُ أن يَكونَ الحَبسُ أوَّلَ دَرَجةٍ والعَفوَ تَمامَها. مَفتوح.

مَواضِعُ هذا المَفهومِ في القرآن