آل عمران · الآية 119

﴿هَا أَنتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ ۚ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

هَا أَنتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ ۚ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ

«هَا أَنتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ»: التَّنبيهُ يَكشِفُ اختِلالَ الوَصل

تَجمَعُ «ها» التَّنبيهَ و«أنتم» واسمَ الإشارةِ فتَعرِضُ المخاطَبينَ أمامَ حالِهم. والحُبُّ من ح-ب-ب تضييقٌ يَحتَوي في الباطنِ ثمّ يَتَّصِلُ ويتمسَّك، ويُكثِّفُ تَكرارُ الباءِ هذا الاتِّصال. والمضارعُ يُثبِتُ أنَّهم يَمنَحونَه، ثمّ تَعطِفُ «لا» نَفيَ الحُبِّ من الطَّرفِ الآخر، وتَبادُلُ الضميرَينِ يَجعَلُ الاختِلالَ ظاهراً: أنتم تُحبّونهم، وهم لا يُحبّونكم. والحُكمُ على أصحابِ الصِّفاتِ السابقةِ لا على كلِّ مختلِف.

«وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ»: الكُلِّيّةُ تَصِفُ مَحلَّ الثِّقة

وتَعطفُ الواوُ فعلَ الإيمانِ على الحبّ، والباءُ تَصلُه بالكتاب. ثمّ يأتي «كلّه» توكيداً يَمنعُ تجزئةَ محلِّ الثقة، والضميرُ يعودُ إلى الكتابِ المفردِ المذكور، والمضارعُ يَحملُ الثقةَ جاريةً عندَ المخاطبين. وبذلك تَزدادُ المفارقة: وصلُهم العاطفيُّ يَبقى من طرفٍ واحد، وثقتُهم بالكتابِ كاملةٌ بينما يَكشفُ الآتي انقسامَ القولِ والحالِ عندَ الآخرين.

«وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا»: اللِّقاءُ يَفتَحُ قولَ الثِّقة

و«إذا» تَفتحُ ظرفاً يتكرَّرُ مع وقوعِ اللِّقاء، واللِّقاءُ من ل-ق-ي تَعَلُّقٌ يَنعَقِدُ في العُمقِ ثمّ يَمتَدُّ في سَريانٍ حتى يَلتَقي الطَّرفان. وعندَ هذا الوُصولِ يقولون «آمنا»، فيُسنِدونَ إلى أنفسِهم فِعلَ الثِّقةِ بالماضي. والنَّظمُ يَضَعُ هذا القولَ في مُقابَلةٍ مع «إذا خلوا» التالية، ولا يَحكُمُ عليه وحدَه في فَراغ. فالمِيزانُ اختلافُ فِعلَينِ نَصَّت عليهما الآيةُ في حالَين، وليس ادِّعاءَ عِلمِ الغيب.

«وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ»: الخَلوةُ تُظهِرُ حَرَكةَ الغَيظ

و«إذا خلوا» تُقابلُ حالَ اللقاء، والخلوُّ من خ-ل-و تخلخلٌ يمتدُّ في تعلّقٍ ثمّ ينفرج، فيَبقى أصحابُه بعيدينَ عن المخاطبين. وعندها «عضّوا»، والعضُّ من ع-ض-ض ظهورٌ يجتمعُ بثقلٍ ثمّ يُكثّفُ تكرارُ الضادِ الضغطَ والإطباق. والمفعولُ الأناملُ، و«عليكم» تَصلُ الحركةَ بوجهتها، و«من الغيظ» يَذكرُ مصدرَها، فتُقابلُ الصورةُ لينَ القولِ عندَ اللقاءِ بضغطِ الغيظِ في الخلوة.

«قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ... عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ»: الأمرُ يَرُدُّ المَستورَ إلى العِلم

ويُؤمَرُ المخاطَبُ المفردُ أن يقولَ: موتوا بغيظكم. والباءُ تَصِلُ الموتَ بالغَيظِ المضافِ إليهم، فتَحمِلُه معهم إلى حدِّهم، ولا تُنشئُ فِعلاً من المخاطَبينَ عليهم. ثمّ تُعلِّلُ «إنّ» باسمِ الله و«عليم» ذاتِ السَّعةِ والثَّبات، و«ذات الصدور» ما تَحمِلُه الصُّدورُ في داخِلِها، والصَّدرُ من ص-د-ر إمساكٌ صُلبٌ يَثبُتُ ثمّ يَجري إلى ظُهور. فالعِلمُ الإلهيُّ يَبلُغُ ما خَفِيَ وراءَ اختلافِ اللِّقاءِ والخَلوة.


حَصيلة

تَعرِضُ الآيةُ اختِلالاً مَشدوداً إلى ضمائرِ أصحابِه: المخاطَبونَ يُحبّونَ ولا يُحَبّون، ويؤمنونَ بالكتابِ كلِّه، بينما يَسمَعونَ قولَ «آمنا» في اللِّقاءِ ويَرَونَ في الخَلوةِ صُورةَ الأناملِ المعضوضةِ من الغَيظ. ثمّ يَحمِلُ الأمرُ غَيظَهم إليهم، وتُختَمُ الآيةُ بعِلمِ الله بذاتِ الصُّدور. والحَذَرُ هنا مَبنيٌّ على التَّفاوتِ الملفوظِ بينَ الوَصلِ والقولِ والحال، وليس مَبنيّاً على هُويّةٍ عامّة.