آل عمران · الآية 134

﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ

«الَّذِينَ يُنفِقُونَ»: الوِقايةُ تَفتَحُ اليَدَ إلى البَذل

يَعودُ الموصولُ على المتّقينَ ويَشرَعُ في بيانِ حركتِهم. الإنفاقُ من ن-ف-ق احتِواءٌ في الجوفِ يَنفتِحُ منه شَقٌّ ضيّقٌ ثمّ يَنعَقِدُ في العُمق، فيَرسُمُ إخراجاً من مَخزون. المضارعُ يَجعلُ البذلَ متجدّداً، والجمعُ يَحمِلُه طبيعةً مشتركةً في أصحابِ الوِقاية. وقد جاءَ الفِعلُ مُطلَقاً بلا مفعولٍ مَنصوبٍ يَحُدُّه، فوَسِعَ كلَّ ما يُخرَجُ من مَخزونٍ إلى مَن يَنفَتِحُ له ذلك الشَّقّ؛ وسَعةُ اللفظِ هي التي تَحمِلُ سَعةَ الوَصف.

«فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ»: السَّعةُ والضِّيقُ لا يُوقِفانِ البَذل

تَجعلُ «في» الإنفاقَ جارياً داخلَ حالتينِ: السَّراءِ والضَّراء. السَّراءُ من س-ر-ر حَصرٌ يَجري ثمّ يُكثِّفُ تَكرارُ الراءِ استرسالَه، فتَحمِلُ اليُسر. والضَّراءُ من ض-ر-ر ضمٌّ ثقيلٌ يَتَّصلُ بجريانٍ ويُضاعِفُه التَّكرار، فتَحمِلُ الضِّيق. والعطفُ لا يَتركُ فراغاً بينَ الرَّخاءِ والشِّدّة، فالحالانِ يَستَغرِقانِ ما يَمُرُّ به صاحِبُهما؛ وفي كِلتَيهما يَبقى «ينفقون» عاملاً، فالوَصفُ مُعَلَّقٌ بدَوامِ الفِعلِ عبرَ الحالَينِ لا بمِقدارِ ما يُخرَجُ في واحدةٍ منهما.

«وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ»: احتِواءُ الغَيظِ قُوّةٌ لا خُمود

تَعطِفُ الواوُ صفةً ثانيةً: الكاظمينَ الغيظ. الكَظمُ من ك-ظ-م كَتمٌ يَدخُلُ حَجباً مُطبِقاً ثمّ يَضُمُّه في احتواءٍ باطن، فيَرسُمُ حَبساً لما يَضغطُ للخروج. والغيظُ من غ-ي-ظ غَورٌ يَمتَدُّ إلى حَجبٍ غاشٍ، وهو مفعولُ الكظم. وأتى الوَصفُ اسماً لا فِعلاً، فالكَظمُ عندَهم هَيئةٌ قائمةٌ لا حادِثةٌ عارِضة. وإذ كانَ للكَظمِ مَفعولٌ يُكظَم، فالغَيظُ حاضِرٌ في الصُّدورِ لم يَزُلْ، والوَصفُ واقِعٌ على ضَبطِ حَرَكتِه: قُوّةٌ مَحبوسةٌ لا قُوّةٌ خامِدة.

«وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ»: التَّجاوزُ يَعبُرُ عن المُتعلَّق

تَضيفُ الواوُ صفةً ثالثةً: العافينَ عن الناس. العفوُ من ع-ف-و ظُهورٌ من العُمقِ يَفتَحُ شَقّاً ثمّ يُفضي إلى انفراج، فيَحمِلُ تَجاوزاً يُخلّي المَجرى. و«عن» تُبعِدُ فعلَ العفوِ عن مُتعلَّقه، فتَجعَلُ التَّجاوزَ مُفارَقةً للمَوضِعِ لا مُقاماً فيه. ومُتعلَّقُه «الناس» على عُمومِه، فالعافي يُخلّي مَجراهُ لكلِّ مَن دَخَلَ في هذا اللفظِ الواسِع. وهكذا يَنتقلُ المسارُ من حَبسِ الداخلِ إلى تَخليةِ الخارج: قُوّةٌ تُمسَكُ في الصَّدر، ثمّ صِلةٌ تُطلَقُ من عُقدَتِها.

«وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ»: الإحسانُ يَفتَحُ المَحبّة

ثمّ تَجيءُ الواوُ بجُملةٍ اسميّةٍ صَدرُها اسمُ الله وخَبَرُها فِعلٌ مُتَجَدِّد: يُحِبّ. الحُسنُ من ح-س-ن تضييقٌ يَحتوي في الباطنِ ثمّ يَجري في مَجرىً دقيقٍ ويَنبعِثُ إلى الخارج، فتَظهَرُ جودةُ الفعلِ من داخلِه. وجاءَ المَحبوبونَ باسمٍ يَصِفُ قائماً بالفِعلِ لا حادِثةً وَقَعَت مرّةً، فالإحسانُ فيهم صِفةٌ تُعرَفُ بها ذَواتُهم. ولم تُعَلَّقِ المَحبّةُ بخَصلةٍ من الثلاثِ وحدَها، بل جُمِعَت كلُّها تحتَ اسمٍ رابعٍ يَستَوعِبُها: المُحسِنون. لا تقولُ إنّ كلَّ خصلةٍ منفردةٍ اسمٌ كاملٌ للإحسان؛ إنّما تَجمعُ المسارَ السابقَ تحتَ هذه الخاتمة.


حَصيلة

تَشرحُ الآيةُ المتّقينَ بأفعالٍ لا بألقاب. إنفاقُهم يَستمرُّ في السَّراءِ والضَّراء، فلا يَحكمُه تبدّلُ الحال. ثمّ يَكظِمونَ الغيظَ فيَحبِسونَ القوّةَ من الانفلات، ويَعفونَ عن الناسِ فيَنقُلونَ الضبطَ الداخليَّ إلى تَجاوزٍ في العلاقة. والأوصافُ الثلاثةُ جاءَت أسماءً تَصِفُ أصحابَها بالقيامِ على فِعلِها، وتَختِمُ الجملةُ بأنّ الله يحبُّ المحسنين. هكذا يَسري الإحسانُ من البذلِ في الحالينِ إلى صَونِ الداخلِ وتَخليةِ الخارج.