العِجل
التَّعريف الجَذريّ
الكَيانُ الذي يَسبِقُ زَمَنَ نُضجِه. العَجَلُ في الزَّمَن، والعِجلُ في الحيوان: كِلاهُما ما استَعجَلَ المَصيرَ ولَم يَكتَمِل. ما يَملَأُ فَجوةَ الغِيابِ بِشَيءٍ غَيرِ تامٍّ.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
ثلاثةُ حُروف:
- ع: قَبضٌ حَلقيٌّ من العُمق، شِحنتُه: قَبضٌ من العُمقِ وظُهورٌ منه.
- ج: تَجَمُّعٌ في حَيِّز وبُروز، شِحنتُه: انبِثاقٌ من مَركَز.
- ل: تَعَلُّقٌ وامتِداد، شِحنتُه: امتِدادٌ يَتَّصِل.
النَّواةُ عج (ع + ج) = انبِثاقٌ من عُمقٍ مُبَكِّر: خُروجٌ من الداخِلِ قَبلَ اكتِمالِ الإعداد. الإغلاقُ بـل يَمُدُّ هذا الانبِثاقَ إلى الأَمام: سَبقٌ يَمتَدُّ في غَيرِ أَوانِه.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: الخُروجُ من العُمقِ المُبَكِّرُ الممتَدُّ قَبلَ الأَوان. العَجَلُ تَجاوُزُ الزَّمَنِ الطَّبيعيِّ للنُّضج. العِجلُ الحيوانُ سُمِّيَ بِذلكَ لأَنَّه يَسبِقُ الثَّورَ: ما لَم يَكتَمِل بَعد.
ومنه في كَلامِ العَرَب:
- العَجَل: السُّرعةُ المُتَجاوِزةُ لِوَقتِها.
- العِجل: الولَدُ الصَّغيرُ من البَقَرِ قَبلَ بُلوغِه.
- استَعجَلَ: طَلَبَ ما قَبلَ أَوانِه.
الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن
- العِجلَ (اسمٌ مُعَرَّفٌ بِـ«ال»): أربَعةُ مَواضِعَ في البَقَرة (٢:٥١ و٢:٥٤ و٢:٩٢ و٢:٩٣)، وفِعلُه في ثَلاثةٍ منها «اتَّخَذَ» وفي الرّابِعِ «أُشرِبوا»، وخامِسٌ في ٤:١٥٣ فِعلُه «اتَّخَذوا». «العِجل» الحيوانُ الذي اتَّخَذَه القَومُ في غِيابِ موسى. الاختيارُ الجَذريُّ دَقيق: ليسَ «الثَّور» (الاكتِمال) بَل «العِجل» (غَيرُ المُكتَمَل). ما وُضِعَ في مَوقِعِ الكامِلِ كانَ غَيرَ مُكتَمِل.
- عِجْلًا (نَكِرةً مَنصوبةً مَفعولاً): مَوضِعٌ واحِد (٢٠:٨٨)، وهو المَوضِعُ الوَحيدُ الذي يُذكَرُ فيه العِجلُ قَبلَ أن يُعرَفَ ويُوصَفَ بِما هو عليه: «عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ». فالتَّنكيرُ مَوضِعُ الإخراجِ والتَّعريفُ مَوضِعُ الاتِّخاذ.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: السَّبقُ على الزَّمَنِ الطَّبيعيِّ من الجَذر. «العِجل» اسمٌ يَجمَعُ هذه الشِّحنة.
الفُروق المَعنويّة
لا فُروعَ مُتَمَيِّزةٌ بِجَذرٍ مُنفَصِل.
المَواضع: مَواقعُ العِجلِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:٥١ ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. «اتَّخَذتُم» على وَزنِ الافتِعالِ يَدُلُّ على اختيارٍ إرادِيٍّ من الذّات. الاختيارُ وَقَعَ في فَجوةِ غِيابِ موسى. ما جاءَ يَملَأُ الفَجوةَ كانَ العِجلَ: غَيرَ المُكتَمَلِ في مَوضِعِ المُكتَمَل. الظُّلمُ مُركَّبٌ: وَضعُ ما هو ناقِصٌ في مَوضِعِ ما هو مُكتَمِل.
- ٢:٥٤ ﴿إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾: إعادةُ ذِكرِ العِجلِ في كَلامِ موسى لِقَومِه. الجَذرُ ذاتُه، والتَّشخيصُ يُضيفُ: الظُّلمُ ارتَدَّ على النَّفس، لَيسَ على شَيءٍ خارِجيّ. الجَديدُ: يَتَحَوَّلُ الاتِّخاذُ من فِعلٍ ماضٍ في خِطابِ ٢:٥١ إلى مَصدَرٍ مُضافٍ إلى فاعِلِه مَجرورٍ بِالباءِ «بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ» يُسَمّي سَبَبَ ظُلمِهِم أنفُسَهُم، على لِسانِ موسى مُنادِياً قَومَه «يَا قَوْمِ»، ويَتلوه أمرٌ بِالتَّوبةِ «فَتُوبُوا إِلَىٰ بَارِئِكُمْ».
- ٢:٩٢ ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ﴾: «الْعِجْلَ» مُعَرَّفٌ مَفعولٌ لِـ«اتَّخَذْتُمُ»، والجُملةُ جُملةُ ٢:٥١ بِألفاظِها، مَعطوفةٌ بِـ«ثُمَّ» على ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَىٰ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ في خِطابٍ مُؤَكَّدٍ بِاللّامِ و«قَدْ». الجَديدُ: يَعودُ الاتِّخاذُ بِلَفظِه ويَتَبَدَّلُ ما قَبلَه: كانَ في ٢:٥١ يَتلو مُواعَدةً لِموسى، ويَتلو هُنا مَجيئَه بِالبَيِّنات، فيَقَعُ العِجلُ بَعدَ حُجَجٍ ظَهَرَت لا في فَجوةِ غِيابٍ وَحدَها. وكانَ في ٢:٥٤ سَبَباً يُسَمّى بِه ظُلمُهُم أنفُسَهُم في كَلامِ موسى لِقَومِه، ويُعادُ هُنا في جِدالٍ يُحتَجُّ فيه على المُخاطَبينَ بِما فَعَلوا، فيَصيرُ الفِعلُ القَديمُ شاهِداً حاضِراً، والحالُ «وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ» تُلازِمُه في المَوضِعَين. انظُر البَيِّنة.
- ٢:٩٣ ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾: «الْعِجْلَ» مَفعولٌ ثانٍ لِفِعلٍ مَبنيٍّ لِلمَجهولِ نائِبُ فاعِلِه واوُ الجَماعة، و«فِي قُلُوبِهِمُ» تُعَيِّنُ مَوضِعَه، والباءُ في «بِكُفْرِهِمْ» تُسَمّي سَبَبَه. الجَديدُ: يَخرُجُ العِجلُ من فِعلِ الاتِّخاذِ الذي لَزِمَه في ٢:٥١ و٢:٥٤ و٢:٩٢ إلى فِعلِ الإشراب: كانَ شَيئاً يُتَّخَذُ أمامَهُم فصارَ شَيئاً يُسقَونَه فيَسري في قُلوبِهِم، ولا يُسَمّى السّاقي. فما مَلَأَ فَجوةَ الغِيابِ يَدخُلُ الجَوفَ نَفسَه، ويَأتي ذلك بَعدَ قَولِهِم في الآيةِ نَفسِها ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾: سَمعٌ بِلا طاعةٍ ثُمَّ عِجلٌ يُشرَب. انظُر المَشرَب / الشُّرب.
- ٤:١٥٣ ﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾: «العِجلَ» مَفعولُ فِعلٍ على الافتِعال، مَعطوفٍ بِـ«ثُمَّ» على أخذِ الصّاعِقةِ لَهُم، ومُؤَرَّخٍ بِمَجيءِ البَيِّنات. وكانَ الاتِّخاذُ في ٢:٥١ مُؤَرَّخاً بِغِيابِ موسى، ثُمَّ أُرِّخَ في ٢:٩٢ بِمَجيئِه بِالبَيِّنات. الجَديدُ: يَتَقَدَّمُ الاتِّخاذَ هُنا أخذٌ يَقَعُ على المُتَّخِذينَ أنفُسِهِم، فيَجري الجَذرُ أ-خ-ذ في الآيةِ مَرَّتَين: صاعِقةٌ تَأخُذُهُم، ثُمَّ عِجلٌ يَتَّخِذونَه لِأنفُسِهِم، فالمَأخوذونَ يَأخُذونَ بَعدَ أن أُخِذوا، ويَعقُبُ ذلك عَفوٌ يُسنَدُ إلى المُتَكَلِّم. انظُر البَيان / البَيِّنات.
- ٢٠:٨٨ ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَٰذَا إِلَٰهُكُمْ وَإِلَٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ﴾: النَّكِرةُ وأوَّلُ وَصفٍ لِلمُتَّخَذ. الجَديدُ: يَرِدُ الاسمُ نَكِرةً مَنصوباً بَعدَ أن لم يَرِدْ في المُسَجَّلِ إلّا مُعَرَّفاً بِـ«ال»، فيَسقُطُ ما كانَ في القِسمِ الثّاني من قَصرِه على صورةِ التَّعريف. والفارِقُ بِنيَويٌّ لا لَفظيّ: في البَقَرةِ يُذكَرُ العِجلُ مَعروفاً مَفعولاً لِـ«اتَّخَذتُم» فالكَلامُ على الفِعلِ الواقِعِ منهُم، وهُنا يُذكَرُ مُنَكَّراً مَفعولاً لِـ«أخرَجَ» فالكَلامُ على الشَّيءِ وهو يَخرُج. ويُوصَفُ لِأوَّلِ مَرّةٍ بِوَصفَين، وكِلاهُما نُقصان: «جَسَدًا» بَدَنٌ بِلا ما وَراءَه، و«لَّهُ خُوَارٌ» صَوتُ العِجلِ لا صَوتَ سِواه. فيَنطِقُ المَوضِعُ بِما قَرَأَه الجَذر: ما وُضِعَ في مَوقِعِ الكامِلِ («هَٰذَا إِلَٰهُكُمْ») لَيسَ نَقصاً في السِّنِّ فَحَسبُ بَل نَقصاً في البِنية. انظُر الظُّلم.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
dhulm: اتِّخاذُ العِجلِ وَصَفَه القُرآنُ بِالظُّلمِ في ٢:٥١ و٢:٥٤: وَضعُ ما هو ناقِصٌ في مَوضِعِ ما هو كامِل.bari: مُقابَلةٌ دَقيقة: البارِئُ يُفصِلُ كُلَّ شَيءٍ في تَمايُزِه، والعِجلُ طَمَسَ التَّمايُزَ بِإحلالِه مَوضِعَ الكامِل.
الإشكالات المَفتوحة
- هل العِجلُ في الآيةِ رَمزٌ أَم حَدَثٌ حَرفيّ؟ المَوقِف: كِلاهُما في آنٍ. والحَرفيّةُ تَقَوَّت بِـ٢٠:٨٨: يُوصَفُ العِجلُ جَسَداً لَه خُوار، ويُنقَلُ قَولُهُم فيه «هَٰذَا إِلَٰهُكُمْ»، فلا يَبقى المُتَّخَذُ مُبهَماً. والاسمُ مَعَ ذلك يَحمِلُ مَعنىً بِنيَويّاً: كُلُّ مَجتَمَعٍ يُحِلُّ غَيرَ الناضِجِ مَحَلَّ الناضِجِ في فَجوةِ غِيابِ المَرجِعِ يَقَعُ في بِنيةِ العِجلِ.