طه · الآية 88

﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَٰذَا إِلَٰهُكُمْ وَإِلَٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَٰذَا إِلَٰهُكُمْ وَإِلَٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ

«فَأَخْرَجَ لَهُمْ»: فِعلٌ لا فاعِلَ لَه في سَطرِه

تُفتَتَحُ الآيةُ بِفِعلٍ ماضٍ مُفرَدٍ لا يُذكَرُ مَعَه فاعِلٌ ظاهِر، وآخِرُ اسمٍ نُطِقَ بِه كانَ في آخِرِ الآيةِ التي قَبلَها، وقد تُرِكَ الضَّميرُ هُنا مُستَتِراً.

و«أخرَجَ» على وَزنِ أفعَلَ، فالإخراجُ تَعدِيةُ خُروج، أي نَقلُ الشَّيءِ من حَيِّزٍ إلى حَيِّزٍ يُرى فيه. واللّامُ في «لَهُم» لِلاختِصاص، فالمُخرَجُ مَجعولٌ لَهُم.

«عِجْلًا»: اسمٌ يُسَمّي ما لم يَبلُغْ تَمامَه

والعِجلُ من ع-ج-ل، وأصلُه خُروجُ المَقبوضِ من قَبضَتِه ثُمَّ انسِيابُه بِلا إمساك، ومِنه «العَجَلةُ» لِتَقديمِ الشَّيءِ على وَقتِه. والاسمُ في كَلامِ العَرَبِ يَقَعُ على وَلَدِ البَقَرِ قَبلَ بُلوغِه، أي على ما لم يَستَوِ بَعد.

ولِلمَفهومِ مَدخَلٌ في المُعجَمِ يُرجَعُ إلَيه، والذي تَزيدُه هذه الآيةُ أنَّه جاءَ نَكِرةً: «عِجلاً» دونَ «العِجل»، واحِداً غَيرَ مُعَيَّن، ولم يوصَفْ بِلَونٍ ولا بِقَدرٍ ولا بِمادّة.

وقد كانَ في اللُّغةِ اسمٌ آخَرُ لِلمُكتَمِل، فاختِيارُ الاسمِ الأوَّلِ هو ما تَقولُه الآية.

«جَسَدًا»: كَلِمةٌ تُقرَأُ ولا يُبنى عَلَيها مَشهَد

وتَلي الاسمَ كَلِمةٌ واحِدةٌ تَزيدُ عَلَيه وَصفاً. والجَسَدُ من ج-س-د، ومَعناه كُتلةٌ مَحصورةٌ ثابِتةٌ في حَدِّها، ومِنه «جَسِدَ الدَّمُ» إذا يَبِسَ فلَزِق.

وتَقَعُ الكَلِمةُ في كَلامِ العَرَبِ على البَدَنِ الماثِلِ قِواماً، وهذا ما تَحمِلُه المادّة، وهو ما وَضَعَتْه الآية.

ولا يُزادُ عَلَيها شَيءٌ آخَر، فهي كَلِمةٌ وُضِعَت فتُقرَأ، ولا يُصنَعُ مِنها وَصفٌ لم يُنطَقْ بِه.

«لَّهُ خُوَارٌ»: صَوتٌ يُنسَبُ مِلكاً لا فِعلاً

وعُدِلَ عن «يَخورُ» إلى «لَهُ خُوارٌ»، وهو جارٌّ ومَجرورٌ ثُمَّ مُبتَدَأٌ نَكِرة، أي جُملةٌ اسمِيّةٌ لا فِعلَ فيها.

فالصَّوتُ مَنسوبٌ إلَيه نِسبةَ ما يُملَك، دونَ نِسبةِ ما يُفعَل، والفَرقُ بَينَ البِناءَينِ هو الآيةُ نَفسُها.

والخُوارُ من خ-و-ر، وهو صَوتٌ مَمدودٌ يَسري في جَسَدٍ ويَخرُجُ مِنه، ومن هذه المادّةِ «خَوِرَ» إذا ضَعُفَ فانخَلَعَت قُوَّتُه، و«الخَوّارُ» لِما فيه رَخاوةٌ لا يَتَماسَك.

فالكَلِمَتانِ مَعاً تُعطِيانِ قِواماً ثابِتاً وصَوتاً يَخرُجُ من جَوفِه، وهُما وَصفانِ اثنانِ لا ثالِثَ لَهُما.

«هَٰذَا إِلَٰهُكُمْ وَإِلَٰهُ مُوسَىٰ»: قَولٌ يَتَجاوَزُ قائِلَه

و«هذا» إشارةٌ إلى قَريبٍ حاضِرٍ يُرى، ثُمَّ خَبَرانِ مَعطوفان: أوَّلُهُما مُضافٌ إلى ضَميرِ المُخاطَبين، والثّاني مُضافٌ إلى اسمٍ صَريح.

ولو وَقَفوا عِندَ الأوَّلِ لَكانَ الكَلامُ في أنفُسِهِم، وقد أضافوا الثّاني، فخَرَجَ القَولُ عن جَماعَتِهِم إلى رَجُلٍ غائِبٍ لم يُشارِكْ فيه.

«فَنَسِيَ»: كَلِمَتانِ وفاعِلٌ لا تُعَيِّنُه الآية

و«نَسِيَ» فِعلٌ ماضٍ مُفرَد، فاعِلُه ضَميرٌ مُستَتِر، وقَبلَه في الآيةِ اسمانِ يَصلُحانِ لَه.

الأوَّلُ صاحِبُ الفِعلِ الذي فَتَحَ الآية، وهو المُخرِجُ نَفسُه، والثّاني آخِرُ اسمٍ نُطِقَ بِه قَبلَ الفِعلِ مُباشَرة. والعَرَبِيّةُ تَحتَمِلُ الوَجهَين، والآيةُ لا تَقطَعُ بِواحِدٍ مِنهُما. يُعلَنُ الاحتِمالانِ ولا يُحسَم.

والنِّسيانُ من ن-س-ي، ومَدارُه على انبِعاثٍ يَجري مُمتَدّاً ثُمَّ يَسري لَيِّناً فيَبتَعِدُ ولا يُحَسُّ بُعدُه. ولِهذا الجَذرِ في هذه السّورةِ مَواضِع، وأوَّلُ ما وَرَدَ وَرَدَ مَنفِيّاً عن الرَّبّ: لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى﴾، فما نُفِيَ هُناكَ يَقَعُ هُنا، والخَيطُ يَجري في السّورةِ بَعدَ هذا المَوضِع.


حَصيلة

تُفتَتَحُ الآيةُ بِفِعلٍ مُفرَدٍ لا فاعِلَ ظاهِرَ مَعَه، و«أخرَجَ» على أفعَلَ نَقلٌ إلى حَيِّزٍ يُرى، واللّامُ لِلاختِصاص. والاسمُ «عِجلًا» نَكِرةٌ من ع-ج-ل، وهو خُروجُ المَقبوضِ قَبلَ أوانِه، ويَقَعُ في كَلامِ العَرَبِ على ما لم يَستَوِ بَعد، ولِلمَفهومِ مَدخَلٌ في المُعجَم. ثُمَّ كَلِمَتانِ لا ثالِثَ لَهُما: «جَسَدًا» من ج-س-د، وهو كُتلةٌ مَحصورةٌ ثابِتةٌ في حَدِّها، و«لَهُ خُوارٌ» جُملةٌ اسمِيّةٌ تَنسِبُ الصَّوتَ نِسبةَ المِلكِ لا نِسبةَ الفِعل، والخُوارُ من خ-و-ر صَوتٌ مَمدودٌ يَسري في جَسَدٍ ويَخرُجُ مِنه. فهو قِوامٌ ثابِتٌ وصَوتٌ من جَوفِه، ولا يُزادُ عَلَيهِما وَصف. ثُمَّ قَولُ الجَماعةِ بِإشارةٍ إلى قَريبٍ وخَبَرَينِ مَعطوفَين، والثّاني يُخرِجُ القَولَ عن أنفُسِهِم إلى غائِبٍ لم يُشارِكْ فيه. وتَنتَهي الآيةُ إلى «فَنَسِيَ»، وهو فِعلٌ مُفرَدٌ فاعِلُه مُستَتِر، وقَبلَه اسمانِ يَصلُحانِ لَه، والوَجهانِ قائِمانِ لا يُحسَمُ بَينَهُما. والنِّسيانُ من ن-س-ي انفِلاتٌ لَطيفٌ لا يُحَسّ، وأوَّلُ وُرودِه في هذه السّورةِ نَفيٌ عن الرَّبّ.