النساء · الآية 153

﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاءِ ۚ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِن ذَٰلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ۚ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَن ذَٰلِكَ ۚ وَآتَيْنَا مُوسَىٰ سُلْطَانًا مُّبِينًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاءِ ۚ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِن ذَٰلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ۚ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَن ذَٰلِكَ ۚ وَآتَيْنَا مُوسَىٰ سُلْطَانًا مُّبِينًا

«يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاءِ»: أهلُ الكِتابِ يَطلُبونَ كِتاباً

تَفتَتِحُ الآيةُ خَبَراً جَديداً بِفِعلٍ مُضارِع: «يَسأَلُكَ»، والسُّؤالُ من س-أ-ل طَلَبٌ يَخرُجُ من صاحِبِه ويَبقى مُعَلَّقاً بِمَن عِندَه ما يُطلَب، والمُضارِعُ يَجعَلُه طَلَباً قائماً يَتَجَدَّد. والمَسؤولُ هو المُخاطَبُ بِالكاف، والسّائلونَ «أهلُ الكِتاب»، وأهلُ الشَّيءِ من أ-ه-ل مَن يَختَصّونَ بِه ويَلزَمونَه كما يَلزَمُ أهلُ الدّارِ دارَهُم، فالاسمُ يُعَرِّفُهُم بِصِلَتِهِم بِالكِتاب. وقد جاءَ هذا الاسمُ في السّورةِ أوَّلَ مَرّةٍ في الآيةِ الثّالِثةِ والعِشرينَ بَعدَ المِئة: لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾، ويَعودُ هُنا في مَوضِعِ السّائل.

ومَضمونُ السُّؤالِ «أن تُنَزِّلَ عَلَيهِم كِتاباً مِنَ السَّماء»، و«أنْ» مَعَ الفِعلِ في تَأويلِ مَصدَر: يَسأَلونَكَ تَنزيلَ كِتاب. والتَّنزيلُ من ن-ز-ل، مَحفوظٌ يَنحَدِرُ من عُلُوٍّ حتّى يَحُلَّ في مَوضِعِه، وفاعِلُه في الطَّلَبِ المُخاطَبُ نَفسُه، فالطَّلَبُ مُوَجَّهٌ إلَيه كأنَّ التَّنزيلَ بِيَدِه. و«عَلَيهِم» تَجعَلُهُم مُنتَهى النُّزول، و«مِنَ السَّماءِ» تُعَيِّنُ مَبدَأَه، والسَّماءُ من س-م-و ما ارتَفَعَ فَوقَ الأرضِ فأظَلَّها. ويَقِفُ في أوَّلِ الآيةِ لَفظانِ من جِذرٍ واحِد: «الكِتابِ» مُعَرَّفاً في اسمِ السّائلين، و«كِتاباً» نَكِرةً في مَطلوبِهِم، فالذينَ يُعرَفونَ بِالكِتابِ يَسأَلونَ كِتاباً يَنزِلُ عَلَيهِم من عُلُوّ.

«فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِن ذَٰلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً»: طَلَبٌ يوزَنُ بِما هو أكبَر

ثُمَّ تَصِلُ الفاءُ ما بَعدَها بِالسُّؤالِ وَصلَ الجَوابِ بِشَرطٍ يُفهَمُ من السِّياق، والمَعنى: إن سَأَلوكَ هذا فقد سَأَلوا موسى ما هو أكبَرُ مِنه، و«قد» مَعَ الماضي تُثبِتُ وُقوعَه. ويَعودُ ضَميرُ «سَأَلوا» على «أهلِ الكِتاب»، فيَجمَعُ الاسمُ الواحِدُ مَن يَسأَلُ المُخاطَبَ ومَن سَأَلَ موسى من قَبلُ في قَومٍ واحِد. و«أكبَرَ» من ك-ب-ر، ثِقَلٌ يَتَراكَمُ حتّى يَعظُم، و«ذلك» إشارةٌ إلى طَلَبِ الكِتاب، فالآيةُ تَزِنُ الطَّلَبَينِ بِميزانٍ واحِد: كِتابٌ يَنزِلُ من السَّماءِ طَلَبٌ كَبير، وما سُئِلَه موسى أكبَرُ مِنه.

وتُفَصِّلُ الفاءُ الثّانِيةُ هذا الأكبَرَ بِلَفظِهِم: «فقالوا أرِنا اللهَ جَهرةً». و«أرِنا» أمرٌ من الإراءة، والإراءةُ من ر-أ-ي أن يُجعَلَ الغَيرُ رائياً، والفِعلُ هُنا يَتَعَدّى إلى «نا» ثُمَّ إلى اسمِ الله، والأمرُ مُوَجَّهٌ إلى موسى، فالمَطلوبُ مِنه أن يُرِيَهُمُ الله. و«جَهرةً» من ج-ه-ر، ظُهورُ الشَّيءِ مَكشوفاً بِغَيرِ حِجاب، ويَحتَمِلُ اللَّفظُ أن تَكونَ صِفةً لِلإراءةِ المَطلوبة، وهو الأقرَبُ إلى مَوضِعِها بَعدَ اسمِ الله، وأن تَكونَ صِفةً لِقَولِهِم: قالوا ذلك جِهاراً. وقد جاءَت «جَهرةً» في الكِتابِ ثَلاثَ مَرّات: هُنا، وفي البَقَرةِ في الطَّلَبِ نَفسِه، وفي الأنعامِ مُقابِلَ «بَغتةً»: إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً﴾، والبَغتةُ ما يَفجَأُ قَبلَ أن تَراه عَين، والجَهرةُ ما يُرى مَكشوفاً. وفي البَقَرةِ جاءَ الطَّلَبُ شَرطاً لِلثِّقة: لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾، وجاءَ هُنا أمراً مُوَجَّهاً إلى موسى.

«فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ»: أخذٌ تُسَمّي الآيةُ عِلَّتَه

وتَعقُبُ الفاءُ القَولَ بِالأخذ: «فأخَذَتهُمُ الصّاعِقة»، والأخذُ من أ-خ-ذ تَناوُلٌ يَبلُغُ الشَّيءَ فيَحوزُه، والصّاعِقةُ هي الآخِذة، والقَومُ مَأخوذون. والصّاعِقةُ من ص-ع-ق شِدّةٌ تَنطَلِقُ من عُمقِها فتَقطَعُ مَن تُصيبُه عن حِسِّه، ومنه «صَعِقَ» إذا غُشِيَ عَلَيه من هَول. ثُمَّ تُسَمّي الآيةُ عِلّةَ الأخذِ بِالباء: «بِظُلمِهِم»، والظُّلمُ من ظ-ل-م حِجابٌ يُطبِقُ على الشَّيءِ فيَنقُلُه عن مَوضِعِه. وأقرَبُ ما تَذكُرُه الآيةُ من أفعالِهِم قَبلَ الباءِ طَلَبُهُم أن يُرِيَهُم موسى اللهَ جَهرة، فيَحتَمِلُ اللَّفظُ أن يَكونَ الظُّلمُ هذا الطَّلَبَ نَفسَه، وأن يَكونَ حالاً أوسَعَ كانوا عَلَيها، والإضافةُ في «ظُلمِهِم» تَنسُبُه إلَيهِم في الوَجهَين. وخُتِمَت آيةُ البَقَرةِ بِحالِهِم ساعةَ الأخذ: وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾، ويُختَمُ الأخذُ هُنا بِعِلَّتِه.

«ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ»: المَأخوذونَ يَتَّخِذون

ويَنتَقِلُ الكَلامُ بِـ«ثُمَّ»، وهي تَرتيبٌ مَعَ مُهلة، ويَحتَمِلُ أن تَكونَ تَرتيبَ زَمانٍ أو تَرتيبَ ذِكرٍ يَعُدُّ الأفعالَ فِعلاً بَعدَ فِعل، والذي تُعَيِّنُه الآيةُ من الزَّمانِ قَولُها «مِن بَعدِ ما جاءَتهُمُ البَيِّنات». و«اتَّخَذوا» من الجِذرِ الذي جاءَ مِنه «فأخَذَتهُم»، على افتَعَل، والافتِعالُ يَرُدُّ الأخذَ على صاحِبِه، فهو أخذٌ يَأخُذُه المَرءُ لِنَفسِه، والضَّميرُ الذي وَقَعَ عَلَيه أخذُ الصّاعِقةِ هو فاعِلُ هذا الاتِّخاذ. و«العِجلَ» مُعَرَّفٌ بِاللّام، عِجلٌ مَعهودٌ ذُكِرَ في البَقَرة: ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ﴾. و«البَيِّناتُ» من ب-ي-ن، ما انفَتَحَ فأخرَجَ الباطِنَ إلى الظُّهورِ حتّى انفَصَلَ عمّا حَولَه، وهي فاعِلُ «جاءَتهُم»، فالبَيانُ جاءَ حتّى حَضَرَ عِندَهُم. والجَهرةُ التي طَلَبوها والبَيِّناتُ التي جاءَتهُم كِلتاهُما ظُهور، والاتِّخاذُ وَقَعَ بَعدَ الثّانِية.

ثُمَّ يَنتَقِلُ الفِعلُ إلى المُتَكَلِّم: «فعَفَونا عن ذلك»، والعَفوُ من ع-ف-و مَحوُ الأثَرِ حتّى يَنفَرِجَ عَنه مَوضِعُه، و«عن» تَجعَلُه مُجاوَزةً تَمُرُّ على الفِعل، و«ذلك» يَحتَمِلُ الإشارةَ إلى الاتِّخاذِ وَحدَه وإلى ما عُدَّ قَبلَه. ويَتبَعُه فِعلٌ ثانٍ من المُتَكَلِّمِ نَفسِه: «وآتَينا موسى سُلطاناً مُبيناً»، والسُّلطانُ من س-ل-ط نُفوذٌ بارِزٌ يَعلو ما يَقَعُ عَلَيه، يَكونُ حُجّةً ويَكونُ قُدرة، و«مُبيناً» اسمُ فاعِلٍ من «أبانَ»، من الجِذرِ الذي جاءَت مِنه «البَيِّنات»، فالبَيانُ يَسبِقُ الاتِّخاذَ في الآيةِ ويَختِمُها. وقد جاءَ «سُلطاناً مُبيناً» في هذه السّورةِ قَبلَ هذا المَوضِعِ مَرَّتَين: في الآيةِ الحادِيةِ والتِّسعين، وفي الرّابِعةِ والأربَعينَ بَعدَ المِئة.


حَصيلة

تَفتَحُ الآيةُ خَبَراً بِطَلَبٍ قائم: أهلُ الكِتابِ، المَعروفونَ بِصِلَتِهِم بِه، يَسأَلونَ المُخاطَبَ أن يُنَزِّلَ عَلَيهِم كِتاباً من السَّماء، ثُمَّ تَزِنُ هذا الطَّلَبَ بِطَلَبٍ أكبَرَ سُئِلَه موسى: أن يُرِيَهُمُ اللهَ جَهرةً، ظاهِراً مَكشوفاً بِغَيرِ حِجاب. وتَعقُبُ الطَّلَبَ صاعِقةٌ من ص-ع-ق تَأخُذُهُم، وتُسَمّي الباءُ عِلَّتَها: ظُلمَهُم، ويَتَّسِعُ اللَّفظُ لِأن يَكونَ الظُّلمُ الطَّلَبَ نَفسَه أو حالاً أوسَع. ثُمَّ يَتَّخِذُ المَأخوذونَ العِجلَ لِأنفُسِهِم بَعدَ أن جاءَتهُمُ البَيِّنات، فيَجري الجِذرُ أ-خ-ذ في الآيةِ مَرَّتَين: أخذاً يَقَعُ عَلَيهِم، واتِّخاذاً يَأخُذونَه لِأنفُسِهِم. ويَنتَقِلُ الفِعلُ بَعدَ ذلك إلى المُتَكَلِّمِ في عَفوٍ يَمحو الأثَرَ وسُلطانٍ مُبينٍ يُؤتاه موسى، فيَعودُ البَيانُ الذي سَبَقَ الاتِّخاذَ في آخِرِ الآيةِ وَصفاً لِما أُعطِيَه موسى.