البقرة · الآية 54

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ... فَتُوبُوا إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ... فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ

«قَوْمِهِ» جذر: ق-و-م

القَوم = جَماعةٌ يَقف أفرادُها في مَوقف مُشترك. الجذر ق (قَطع + إحكام) + و (وَصل + رَبط) + م (تَجَمُّع + تَلاصُق). فالقَوم مَجموعةٌ مُحدَّدة مَربوطة بانتماءٍ واحد. ويَتّضح من نِداء «يَا قَومِ» أنّ موسى يُذكّرهم بالنَّسَب المُشترك لا بالتَّبعيّة السياسيّة.

«ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم»

تقدّم أنّ الظُّلم = وَضع الشَّيء في غير مَوضعه. والمَفعول هنا «أنفُسكم»، أي أنّ الظُّلم الذي وَقع على العِجل ارتَدّ على ذات الظَّالمين: هم الذين تَحمّلوا ثِقلَ التَّبعات لأنّ النَّفس لا تَحتمل ما فَوق طاقتها من الشِّرك.

«بَارِئِكُم» جذر: ب-ر-أ

الجذر ب (اتّصال + تَمَسُّك) + ر (تكرار + جَريان) + أ (تَأكيد + قَطع). فالبَرء = إخراجٌ مُبتدأ مُميَّز يَفصل الشَّيء عمّا سِواه في بِدايته. ومن هُنا «بَرِئَ» من الأمر = انفَصَل عنه. الاسم الإلهيّ «البارئ» يَختصّ بإبراز كلِّ مَخلوق مُتمايزًا في هيئته. اختياره هُنا رَسائل نَفسُه: مَن طَمَس التَّمايز بعِجلٍ يَعود إلى صانِع التَّمايز.

«فَتُوبُوا... فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ»

التَّوبة جذرها ت (امتداد لطيف + تَمام) + و (وَصل + رَبط) + ب (اتّصال + تَمَسُّك). فالتَّوبة = رُجوعٌ مُتسلسِلٌ يَنعقد ويَظهر. أمّا «اقتُلوا أنفسكم» فالجذر ق (قَطع + إحكام) + ت (امتداد لطيف + تَمام) + ل (تَعَلُّق + امتِداد): القَتل = إنهاءٌ تَسلسُليّ يَستأصل الامتدادَ السَّابق. فالنَّفس التي تَكوّنت بالعِجل يَلزم إنهاؤها لتَعود نَفسٌ جَديدة. مُفسّرون قالوا بالقَتل الحِسّيّ (بَعضهم يَقتل بعضًا)، وآخرون بالقَتل المَعنويّ. قراءة الحُروف تَميل إلى أنّ المَطلوب إنهاء ذلك التَّكوين النَّفسيّ الذي كانَ يَعبُد العِجل.

«فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ»

التَّوبة من العَبد رُجوعٌ، ومن الرَّبّ إقبالٌ واستقبال. فالفاء فَوريّة: بمُجرَّد انعقاد تَوبة العَبد، تَابَ الرَّبّ عَليه. صيغة «التَّوّاب» تُفيد كَثرة تَكرار القَبول، وإتباعها بـ«الرَّحيم» يُبيّن أنّ القَبول مَصحوبٌ بالرَّحمة لا بمُجرَّد المُحاسبة.


حَصيلة

يَتَكَلَّمُ موسى لِأَوَّلِ مَرَّةٍ في سِياقِ السُّورَة مُخاطِباً قَومَه مُباشَرَة: يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم﴾. والظُّلمُ وَضعُ الشَّيءِ في غَيرِ مَوضِعِه، والمَفعولُ هُنا «أَنفُسَكُم»: ما أَلحَقتُموه بِالعِجلِ ارتَدَّ عَلَيكُم وحمَلتُموه أَنتُم. ثُمَّ الدَّواءُ المُفاجِئُ: «فَتوبوا إلى بارِئِكُم». واختِيارُ اسمِ «البارِئ» لا «الخالِق» لَيسَ عَشوائياً: دِراسَةُ الدَّوسِيَّةِ الفِرعَونِيَّةِ تُقَرِّرُ أنَّ آلَ فِرعَونَ أَلغَوا التَّمايُزَ بَينَ الأَفرادِ وحَوَّلوهُم إلى وِحدَةٍ مَحكومَةٍ بِعَلامَةٍ واحِدَة. فَالبارِئُ من (ب-ر-أ) هو صانِعُ التَّمايُزِ الأَوَّل، مَن يُبرِزُ كُلَّ مَخلوقٍ مُتَمايِزاً في هَيئَتِه. والعَودَةُ إليه عَودَةٌ إلى الذّاتِ المُتَمايِزَةِ التي أَلغاها الوَسمُ الفِرعَوني. ثُمَّ «اقتُلوا أَنفُسَكُم»: مَهما كانَ تَفسيرُ هذا الأَمرِ الشَّديد، فَإنَّه يَرسُمُ صُعوبَةَ إصلاحٍ حَقيقيٍّ يَستَلزِمُ تَضحِيَةَ ذاتٍ ما. الوُصفَةُ تُسَمِّي الجُرمَ بِاسمِه ثُمَّ تُشيرُ إلى ضِدِّه: مَن طَمَسَ التَّمايُزَ يَعودُ إلى صانِعِ التَّمايُز.