البقرة · الآية 51

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ

«وَاعَدْنَا» جذر: و-ع-د

يتركّب الجذر من و (وَصل + رَبط)، وع (ظُهور من عُمق)، ود (دَفع داخليّ ثابتفالوَعد رَبطٌ في عُمقٍ يَثبت داخليًّا. وصيغة المُفاعَلة في «واعَدنا» تُفيد التَّبادل، فالوَعدُ هُنا ميثاقٌ بين طَرَفَين، غيرُ أحاديّ. والذي يُقدَّر في هذا المَوضع أنّ الرَّبط كانَ ثُنائيًّا، فالغياب لا يُبرّره الطَّرف الآخر.

«أَرْبَعِينَ لَيْلَةً»

والعَدد أربعون أربعةٌ مُكرَّرة عَشرًا، والأربعة بِناءٌ مُربَّع مُستقرّ (أربع جِهات، أربع طَبائع)، وإذا تكرّرت عَشرًا بلغت اكتمالَ دَورة، فالأربعون زَمنٌ لاكتمال التَّكوين الدَّاخليّ. وأوثرت «لَيلة» على «يَوم»، وفي ذلك دلالةٌ على أنّ العَمل الأعمق يَتمّ في الخَفاء.

«اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ» جذر: ع-ج-ل

والعَجَل سَبقٌ للزَّمن وتَجاوزٌ له، وسُمّي «العِجل» الحيوانيّ بذلك لأنّه يَسبق النَّضج. وصيغة «اتّخذتم» من افتَعَل، وهي تَدلّ على اختيارٍ ذاتيّ مُقصود، فالقَوم اختاروا ما يَحضر فَورًا في مَكان ما غاب، ولم يَنتظروا اكتمال الأربعين.

«وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ» جذر: ظ-ل-م

والظُّلم وَضع الشَّيء في غير مَوضعه، والعِجل إذا وُضِع في مَوضع الرَّبّ كان ذلك ظُلمًا مُركَّبًا: ظُلمًا للرَّبّ، وظُلمًا للعِجل نَفسه إذ حُمِّل ما لا يَحتمل، وظُلمًا للنَّفس إذ خَضعت لما هو أدنى منها.


حَصيلة

يَنتَقِلُ السِّياقُ من الخَطَرِ الخارِجيِّ إلى الاختِبارِ الدّاخِليّ، فموسى في مَوعِدِه، والقَومُ في فَراغِ غِيابِه، وهُنا يَظهَرُ اسمُ موسى لِلمَرَّةِ الأُولى في السُّورَة: وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾. وصيغَةُ المُفاعَلَةِ في «وَاعَدنا» تُثبِتُ تَبادُلاً، فهو ميثاقٌ بَينَ طَرَفَين، لا وَعدٌ أَحادِيّ. واسمُ موسى في حُروفِه (م-و-س-ى) جَمعٌ يَربُطُ ويُرسِلُ تَيّاراً مُوَجَّهاً، أي حامِلُ الجَماعَةِ المُجتَمِعَةِ نَحوَ هَدَفٍ مَرسوم. وكانَ الاختِبارُ في غِيابِه أربَعينَ لَيلَة: هَل تَصبِرُ جَماعَةٌ نَشَأَت في ظِلِّ سُلطَةٍ مَرئِيَّةٍ تامَّةٍ على فَراغِ المُرشِد؟ وجاءَ الجَوابُ في اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾، والعِجلُ من (ع-ج-ل)، ومَعنى الجَذرِ التَّسَرُّعُ والسَّبقُ الزَّمَنيّ، وصيغَةُ «اتَّخذتُم» قَرارٌ إرادِيٌّ مَقصود. فَالجَماعَةُ التي أَلِفَت حُضورَ سُلطَةٍ مَرئِيَّةٍ لَم تُحسِنْ ملءَ فَراغِ الغِياب، فَاختارَت ما يَحضُرُ فَورًا.