البقرة · الآية 93

﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

«أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ»: العَقدُ بِالثِّقَلِ المَرئيّ

المِيثاقُ في لِسانِ القُرآنِ عَقدٌ بِبُنيةٍ لا يُفَكُّ فيها الرِّباطُ بِسُهولة، وليسَ وَعداً عابِراً. ومادّةُ (و ث ق) تَجمَعُ «وَثيقة» و«وِثاق» و«ثِقة»، وكُلُّها إحكامُ رِباطٍ بَينَ طَرَفَينِ بِشُهودٍ وآثار. ورَفعُ الطُّورِ فَوقَهُم ثِقَلٌ يوضَعُ على الهَواءِ يَظَلُّ ظِلُّه فَوقَ رُؤوسِهِم، حَتّى يَتَحَقَّقوا أنَّ العَقدَ يَحمِلُه شاهِدٌ كَونِيّ، وهو غَيرُ التَّخويفِ بِالمَعنى التَّرهيبِيِّ الضَّيِّق. وفي اللَّحظةِ التي يَرى فيها المُعاهِدُ الجَبَلَ فَوقَه يُدرِكُ أنَّ الإخلافَ خُروجٌ من تَحتِ غِطاءٍ مَرفوع، وليسَ مُواجَهةً بَينَ نَفسَينِ مُتَكافِئَتَين. وهذا تَعليمٌ قُرآنِيٌّ دَقيق، مَضمونُه أنَّ العُقودَ الكُبرى تُعقَدُ في حُضورِ شَواهِدَ تَحمِلُها، لا في الفَراغ.

«خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا» (ق و ي) + (س م ع): بَينَ الأَخذِ والسَّماع

والأمرانِ المُتَلاصِقانِ «خُذوا» و«اسمَعوا» يَبنِيانِ قِراءةَ النَّصِّ في طَبَقَتَين: الأخذُ فِعلُ يَد، والسَّمعُ فِعلُ أُذُن. و«بِقُوّة» من (ق و ي)، وهي تَستَلزِمُ عَزماً في الحَملِ يَزيدُ على التَّلَقّي السَّطحِيّ، فالمَطلوبُ أن يُؤخَذَ الكِتابُ بِعَزمٍ يَحمِلُه البَدَن، ويُستَمَعَ لَه بِتَفَكُّرٍ يَمُرُّ من الأُذُنِ إلى القَلب. وفي هذا التَّوازي إشارةٌ إلى أنَّ النَّصَّ يَعيشُ في جَسَدٍ يَحمِلُه وعَقلٍ يَستَوعِبُه، ولا يَقِفُ عِندَ الفَم. والفَصلُ بَينَ الأمرَينِ يَكشِفُ مَوضِعَ الاختِبار، وهو أنَّ كَثيراً مِمَّن يَسمَعونَ لا يُصاحِبُ سَمعَهُم أخذٌ بِقُوّة.

«سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا» (س م ع) + (ع ص ي): الفَصلُ التّام بَينَ الإدراكِ والسُّلوك

وهُم يُقِرّونَ بِالسَّمعِ ولا يُنكِرونَه، وإقرارُهُم كَشفُ وَعيٍ دَقيق، وليسَ سَهواً في اللِّسان، ومَعناه أنَّ الصَّوتَ وَصَل، والكَلامَ فُهِم، ومَعَ ذلك أبى البَدَنُ أن يَتَحَرَّكَ بِمُقتَضاه. ومَدارُ الجِذرِ (ع ص ي) في اللِّسانِ العَرَبِيِّ على العَصا التي تَنحَني إلى اتِّجاهِ حامِلِها لا إلى اتِّجاهِ الطَّريق، فالعَصيانُ أن تَظَلَّ الإرادةُ مُتَّجِهةً حَيثُ تُريد، لا حَيثُ يُشيرُ النِّداء. والقُرآنُ يَنقُلُ قَولَهُم هذا تَدريباً لِلقارِئِ على أن يَنتَبِهَ إلى أنَّ الفاصِلَ الحَقيقِيَّ قائِمٌ بَينَ مَن أخَذَ بِقُوّةٍ ومَنِ اكتَفى بِأنَّ الصَّوتَ بَلَغَه فحَسب، وليسَ بَينَ مَن سَمِعَ ومَن لم يَسمَع.

«أُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ» (ش ر ب) + (ع ج ل) + (ك ف ر): المَعبودُ يَدخُلُ الدَّم

وهذا المَجازُ القُرآنِيُّ من أدَقِّ تَشريحاتِ الانحِرافِ الدّاخِلِيّ. وأصلُ (ش ر ب) إدخالُ سائِلٍ في الجَوفِ يَنتَشِرُ في الأعضاءِ من خِلالِ الدَّم، وهو غَيرُ تَناوُلِ الطَّعام. واستِعمالُ الصّيغةِ المَبنِيّةِ لِلمَفعولِ (أُشرِبوا) يَنقُلُ مَركَزَ الفاعِلِيّة: العِجلُ فُعِلَ بِهِم، واستَقَرَّ فيهِم، ولم يَقِفِ الأمرُ عِندَ أنَّهُم خَلَقوه. وفي هذا تَصعيدٌ من طَورِ العِبادةِ الخارِجِيّةِ إلى طَورِ الانغِماسِ الدّاخِلِيّ، صارَ فيه العِجلُ دَماً يَسري في عُروقِهِم بَعدَ أن كانَ مَعبوداً أمامَهُم. والجِذرُ (ع ج ل) يَدُلُّ على المَعجَّلِ قَبلَ تَمامِه، فالمَعبودُ الذي سَرى في قُلوبِهِم هو «ما عُجِّلَ بِه»، أي صَنَمٌ مَبنِيٌّ على خَوفِ الفَراغِ بَعدَ غِيابِ موسى، لا على حُجّةِ عَقدٍ وشاهِد. والباءُ في «بِكُفرِهِم» (ك ف ر) لِلسَّبَبِيّة، والكُفرُ هُنا غِطاءٌ أُلقِيَ فَوقَ الحُجّةِ التي رَأَوها، فلَمّا أُغلِقَ الوَصولُ إلى المَعنى دَخَلَ العِجلُ في المَوضِعِ الذي كانَ يَنبَغي أن يَشغَلَه النَّصّ.

«بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إِيمَانُكُمْ» (أ م ن): قَلبُ مَعنى الإيمانِ في أَفواهِهِم

ويَختِمُ الأمرُ الإلَهِيُّ الآيةَ بِعِبارةٍ جارِحةٍ لِمَنطِقِهِم، مَعناها: قُلْ لَهُم إنَّ ما يَأمُرُكُم بِه إيمانُكُم هو البِئسُ نَفسُه. ومَدارُ (أ م ن)، كما مَرّ، على إعطاءِ الأمانِ لِلآخَر. والعِبارةُ تَكشِفُ، ولا تَقِفُ عِندَ التَّهَكُّم، أنَّ هؤلاءِ يَستَمِدّونَ أوامِرَهُم من بُنيَتِهِمِ الدّاخِلِيّةِ التي تُسَمّى عِندَهُم إيماناً، وهي في ذاتِها مَصدَرُ الأفعالِ التي استُنكِرَت في الآية: نَقضُ المِيثاق، والسَّمعُ مَعَ العِصيان، وشُربُ العِجلِ في القُلوب. وإذا كانَ الإيمانُ المَزعومُ يُنتِجُ هذا فهو اسمٌ فَقَدَ مَعناه، فالعِبارةُ أداةٌ تَعليمِيّةٌ تُري القارِئَ أنَّ اسمَ الإيمانِ قد يَلبَسُ أفعالاً هي نَقيضُه.

فَالمِيثاقُ عَقدٌ يَحمِلُهُ ثِقَلٌ ظاهِر، والسَّمعُ بِلا طاعةٍ انفِصالٌ داخِليّ، والعِجلُ مَشروبٌ في الدَّمِ لا صَنَمٌ خارِجَ الإنسان، والإيمانُ قَد يَصيرُ اسماً يَأمُرُ بِالبِئس حِينَ تَنفَصِلُ الكَلِمةُ عَن مَضمونِها.


حَصيلة

تَجمَعُ الآيةُ المِيثاقَ ورَفعَ الطُّورِ والسَّمعَ والعَصيانَ وشُربَ العِجلِ في تَسَلسُلٍ واحِد. والمِيثاقُ من و-ث-ق عَقدٌ مُحكَمٌ لا يُفَكّ، ورَفعُ الطُّورِ جَعَلَ الإخلافَ خُروجاً من تَحتِ شاهِدٍ كَونِيّ، لا مُواجَهةً بَينَ نَفسَين. والأمرُ جاءَ في طَبَقَتَين: «خُذوا»، وهو فِعلُ يَدٍ بِعَزم، و«اسمَعوا»، وهو فِعلُ أُذُنٍ تَمُرُّ مِنه إلى القَلب. والجَوابُ «سَمِعنا وعَصَينا» فَصَلَ السَّمعَ عن الاستِجابة: الصَّوتُ وَصَل، والإرادةُ ظَلَّت تَتَّجِهُ حَيثُ تُريدُ (ع-ص-ي: العَصا تَنحَني لِحامِلِها لا لِلطَّريق). ثُمَّ «أُشرِبوا في قُلوبِهِمُ العِجلَ بِكُفرِهِم»، وبِنيةُ المَجهولِ فيه تَنقُلُ الفاعِلِيّة: العِجلُ فُعِلَ بِهِم، ولم يَقِفِ الأمرُ عِندَ أنَّهُم فَعَلوه. وش-ر-ب دُخولُ سائِلٍ يَنتَشِرُ في الأعضاء، وقد صارَ العِجلُ دَماً يَسري في القَلبِ بَعدَ أن كانَ مَعبوداً خارِجِيّاً. والباءُ في «بِكُفرِهِم» سَبَبِيّة: الغِطاءُ الذي ألقَوه على الحُجّةِ هو الذي أفسَحَ لِلعِجلِ مَوضِعاً. والخاتِمةُ «بِئسَما يَأمُرُكُم بهِ إيمانُكُم» تَجعَلُ الإيمانَ فاعِلاً يَأمُر، وفي ذلك كَشفٌ أنَّ ما تَسَمّى بِاسمِ الإيمانِ كانَت لَه أوامِرُه الخاصّةُ تُنتِجُ السَّمعَ والعِصيانَ مَعاً. والكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح: الأخذُ بِقُوّةٍ يَسبِقُ التَّلَقِّيَ، والعِجلُ يُشرَبُ حينَ يُغلَقُ طَريقُ النَّصّ.