المَنع
إمساكُ الشَّيءِ في جَوفِ حائِلٍ فلا يَنفُذُ إلى مَن هو لَه. لا يَرِدُ في المَنشورِ إلّا مَسبوقاً بِسُؤالٍ أو تَعَجُّبٍ أو استِنكار: المَنعُ فِعلٌ يُطالَبُ صاحِبُه بِعِلَّتِه.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
- م: انطِباقُ الشَّفَتَينِ يَضُمُّ الصَّوتَ ويُمسِكُه في
الخَيشومِ قَبلَ أن يَخرُج. شِحنَتُه: الامتِساكُ والاحتِواءُ الباطِن.
- ن: احتِباسٌ في جَوفِ الأنفِ يَرِنُّ فيه الصَّوتُ ثُمَّ
يَنبَعِثُ. شِحنَتُه: الاحتِواءُ والاحتِباسُ الجَوفِيّ.
- ع: قَبضٌ يَلتَحِمُ في أقصى الحَلقِ فيَنحَصِرُ فيه النَّفَسُ.
شِحنَتُه: القَبضُ والالتِحامُ الحَلقِيّ.
النَّواةُ مَن (م + ن) = ضَمٌّ يَحتَبِسُ في جَوف: ما أُمسِكَ فحُبِسَ داخِلاً. والإغلاقُ بـع يَقبِضُ على هذا المَحبوسِ ويَلتَحِمُ دونَه، فلا يَبقى الحَبسُ ضَمّاً لَيِّناً بَل يَصيرُ حَيلولةً مُحكَمةً بَينَ الشَّيءِ وطالِبِه، فيَصيرُ الجَذرُ: إمساكٌ في جَوفٍ يُقبَضُ عَلَيهِ فيَحولُ دونَ النُّفوذ.
ومنه في كَلامِ العَرَب: المَنَعةُ الحِمى الذي لا يُوصَلُ إليه، والمَنيعُ الحِصنُ الذي يَحولُ دونَ داخِلِه، ومَنَعَهُ الشَّيءَ حالَ بَينَه وبَينَه.
الشِّحنةُ الجامِعة: حَيلولةٌ تَقبِضُ على المَطلوبِ فتَحجُبُهُ عن مُستَحِقِّه.
وهذه القِراءةُ تُفَسِّرُ ما لا تُفَسِّرُهُ الصّورةُ الظّاهِرة: لِمَ كانَ المَنعُ في المَنشورِ كُلِّه مُتَعَدِّياً إلى مَفعولَين، مَمنوعٍ ومَمنوعٍ منه، ولِمَ لَزِمَهُ السُّؤالُ عن العِلّة. فالحائِلُ لا يَقومُ بِنَفسِه، إنَّما يَقومُ بَينَ اثنَينِ، فيُسأَلُ عمّا أقامَه.
الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن
- مَنَعَ (ماضٍ ثُلاثِيٌّ مُجَرَّدٌ مُسنَدٌ إلى ظاهِر): في
٢:١١٤ و١٧:٩٤. الماضي يُثبِتُ الحَيلولةَ واقِعةً لا مُتَوَقَّعة، والإسنادُ إلى ظاهِرٍ يُسَمّي المانِعَ أو يُبقيهِ مَوصولاً.
- مَنَعَنَا (ماضٍ مُتَّصِلٌ بِضَميرِ الجَماعة): في ١٧:٥٩.
الضَّميرُ يَجعَلُ المَمنوعَ هُمُ المُتَكَلِّمين، فيَنقَلِبُ الفِعلُ من فِعلِ ظالِمٍ إلى سُؤالٍ عن حِكمةِ الإمساك.
- مَنَعَكَ (ماضٍ مُتَّصِلٌ بِضَميرِ المُخاطَب): في ٢٠:٩٢.
المُخاطَبُ مَفعولٌ أوَّلُ والمانِعُ مَجهولٌ يُطلَبُ، فيَصيرُ التَّركيبُ استِجواباً.
- وَيَمْنَعُونَ (مُضارِعٌ مُسنَدٌ إلى جَماعةٍ مَعطوف): في ١٠٧:٧.
المُضارِعُ يُفيدُ التَّجَدُّدَ والاستِمرار، فالمَنعُ عادةٌ لا حادِثةٌ واحِدة.
الجَذرُ قبلَ الوَزن: الحَيلولةُ القابِضة، من الحُروف. والصِّيَغُ
تُقَلِّبُ المانِعَ بَينَ مُسَمّىً ومَجهولٍ ومُستَجوَب، ولا
تُبَدِّلُ الحَجب.
الفُروق المَعنويّة
لا فَرعَ لِلجَذرِ في المَنشور: لا مَنَعةَ ولا مَنيعَ ولا مانِعَ اسماً، والفِعلُ وَحدَه يَحمِلُ الجَذر. وأقرَبُ ما يُلابِسُه من غَيرِ جَذرِه:
ma3un(م-ع-ن): الماعونُ هو المَمنوعُ في ١٠٧:٧، فالجَذرانِ
يَلتَقِيانِ في آيةٍ واحِدةٍ على طَرَفَي الفِعل: أحَدُهُما الحائِل، والآخَرُ المَحجوب.
imsak(م-س-ك): الإمساكُ قَبضٌ على الشَّيءِ لِلاحتِفاظِ بِه،
والمَنعُ قَبضٌ يَحولُ بَينَه وبَينَ غَيرِه. فالأوَّلُ يُنظَرُ فيه إلى المُمسِكِ والمُمسَك، والثّاني لا يَتِمُّ إلّا بِثالِثٍ مَحجوبٍ عَنه.
المَواضع: مَواقعُ المَنعِ في المُصحَف (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:١١٤ ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾:
مَوضِعُ الافتِتاح. يَدخُلُ الجَذرُ المُصحَفَ في صيغةِ التَّفضيلِ الاستِنكارِيّةِ ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾، فيُوضَعُ المَنعُ من أوَّلِ مَوضِعٍ في أعلى دَرَجاتِ الظُّلمِ لا في أدناها. والمَمنوعُ لَيسَ مالاً ولا طَعاماً بَل ذِكرُ اسمٍ في مَوضِعٍ، والمَمنوعُ منهُ مَوضِعٌ لا شَخص: فالحائِلُ يُقامُ بَينَ البُقعةِ ووَظيفَتِها. ويُعطَفُ عَلَيه ﴿وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾، فيُقرَأُ المَنعُ أوَّلَ الخَراب: حَجبُ الوَظيفةِ يَسبِقُ هَدمَ البِناء. انظُر المَسجِد والذِّكر.
- ١٧:٥٩ ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَن كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾:
الجَديدُ: يَنقَلِبُ الطَّرَفانِ. كانَ المانِعُ في ٢:١١٤ ظالِماً يُستَنكَرُ، وهُنا يُنفى المَنعُ ثُمَّ يُستَثنى لَه سَبَبٌ واحِدٌ هو تَكذيبُ الأوَّلين، فيَصيرُ الحاجِزُ عِلماً سابِقاً بِمَصيرِ الآيةِ لا بُخلاً بِها. والتَّركيبُ ﴿مَا...الْآ﴾ يَحصُرُ الحائِلَ في واحِدٍ ويَنفي ما سِواه. انظُر التَّكذيب.
- ١٧:٩٤ ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَىٰ إِلَّا أَن قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَّسُولًا﴾:
الجَديدُ: يُقامُ التَّركيبُ نَفسُه على النّاسِ لا على المُرسِل، فيُكشَفُ أنَّ الحائِلَ بَينَهُم وبَينَ الإيمانِ قَولُهُم هُم. والمَمنوعُ هُنا فِعلُ القَلبِ لا عَينٌ ولا مَوضِع، فيَتَّسِعُ الجَذرُ إلى ما لا يُحسّ. وقُيِّدَ المَنعُ بِظَرفِ ﴿إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَىٰ﴾: الحاجِزُ لا يُقامُ إلّا حَيثُ كانَ النُّفوذُ مُمكِناً، فلا مَنعَ حَيثُ لا عَطاء. انظُر الإيمان والهِداية.
- ٢٠:٩٢ ﴿قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا﴾: الجَديدُ:
يَصيرُ التَّركيبُ سُؤالاً مُوَجَّهاً إلى وَجهِ المُخاطَبِ بِاسمِه، فيُستَجوَبُ المانِعُ في حُضورِه. والمَمنوعُ مَحذوفٌ يَدُلُّ عَلَيه ما بَعدَه، والمَمنوعُ عَنهُ فِعلٌ كانَ يَجِبُ أن يَقَع. فيُضافُ إلى الجَذرِ وَجهٌ ثالِث: لَيسَ الحَجبُ دائِماً حاجِزاً يُقيمُه المانِعُ بَينَ غَيرِه وغَيرِه، بَل قد يَكونُ سُكوتاً حالَ بَينَ صاحِبِه وبَينَ ما لَزِمَه. وقُيِّدَ بِظَرفِ الرُّؤيةِ ﴿إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا﴾ كَما قُيِّدَ الأوَّلُ بِظَرفِ مَجيءِ الهُدى. انظُر الضَّلال.
- ١٠٧:٧ ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾: الجَديدُ: يَنتَقِلُ الفِعلُ إلى
المُضارِعِ فيَصيرُ خُلُقاً مُتَجَدِّداً، ويُختَمُ بِه وَصفُ المُكَذِّبِ بِالدّينِ فيَقَعُ آخِرَ سِلسِلةٍ أوَّلُها دَعُّ اليَتيم. والمَمنوعُ أصغَرُ ما يُطلَب، فيَظهَرُ أنَّ الحَيلولةَ لا تُقاسُ بِمِقدارِ المَحجوب: صِغَرُ الماعونِ هو الذي يُظهِرُ قَبضَ اليَد. وهذا المَوضِعُ وَحدَه لا سُؤالَ فيه ولا استِثناء، لِأنَّهُ وَصفٌ يُسرَدُ لا فِعلٌ يُستَجوَبُ عَنه. انظُر الماعون والصَّلاة.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
masjid: ٢:١١٤ تَجعَلُ المَسجِدَ مَفعولَ المَنعِ الأوَّل،
فأشَدُّ ما يُحالُ دونَه في المَنشورِ ذِكرٌ في مَوضِعٍ بُنِيَ لَه.
dhikr: المَمنوعُ في ٢:١١٤ ذِكرُ الاسمِ لا الدُّخولُ نَفسُه،
والدُّخولُ يُذكَرُ بَعدَه خائِفاً، فالحَجبُ يَقَعُ على الوَظيفةِ قَبلَ أن يَقَعَ على الجَسَد.
iman: ١٧:٩٤ تَضَعُ الإيمانَ مَفعولاً لِلمَنع، فيُقرَأُ
الكُفرُ حائِلاً يُقيمُه صاحِبُه بِقَولِه لا حاجِزاً يَنزِلُ عَلَيه.
ma3un: ١٠٧:٧ تَجمَعُ الحائِلَ والمَحجوبَ في جُملةٍ من
كَلِمَتَين، وهي أوجَزُ مَوضِعٍ لِلجَذرِ في المَنشور.
dalal: ٢٠:٩٢ تَربِطُ السُّؤالَ عن المانِعِ بِرُؤيةِ
الضَّلال، فالمُساءَلةُ تَقَعُ على مَن رأى ولَم يَحُلْ.
الإشكالات المَفتوحة
- **لِمَ لَم يَرِد في المَنشورِ مانِعٌ اسمَ فاعِلٍ ولا مَمنوعٌ اسمَ
مَفعول؟** الجَذرُ فيما نُشِرَ فِعلٌ كُلُّه. ومَوقِفُنا: الحَيلولةُ حَدَثٌ يَقومُ بَينَ طَرَفَين، فإذا جُمِّدَت في اسمٍ فارَقَت طَرَفَيها؛ ولِذلك لَزِمَها الفِعلُ ولَزِمَها معَه مَفعولان. والحُكمُ مَوقوفٌ على ما يُنشَرُ بَعدُ.
- هَل مَنعُ ١٧:٥٩ من جِنسِ مَنعِ ٢:١١٤؟ اللَّفظُ واحِدٌ
والمَوقِعُ مُختَلِف: الأوَّلُ حَجبٌ يُستَنكَرُ، والثّاني حَجبٌ يُنفى ثُمَّ يُعَلَّلُ بِواحِدٍ. مَوقِفُنا: الشِّحنةُ واحِدةٌ في المَوضِعَين، والذي اختَلَفَ مَن أقامَ الحائِلَ ولِماذا، لا ما يَفعَلُه الحائِل.