التَّكذيب
التَّكذيبُ من ك-ذ-ب، والجَذرُ إمساكٌ رَخوٌ يَمَسُّ الشَّيءَ ويَلتَصِقُ بِه. والتَّكذيبُ يَجعَلُ هذا الإمساكَ يَقَعُ على غَيرِ الفاعِل: يَجعَلُ المُكَذِّبُ قَولَ مَن جاءَه يُمسِكُ ما يُخبِرُ عَنه إمساكاً رَخواً، ويُمسِكُ هو ما جاءَه كذلك.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
ثلاثةُ حُروف:
- ك: ضَغطٌ غائِرٌ يُمسِك. ويَظهَرُ مِنه هُنا وَسَطُه: الضَّغطُ يَحبِسُ ما بَلَغَه ويُمسِكُه، وهو إمساك. وهذا وَجهُ «الكَتمِ والاحتِباسِ والامتِساك».
- ذ: نَفاذٌ رِخوٌ ثَخين. ويَظهَرُ مِنه هُنا أوَّلُه: يَبرُزُ فيَمَسُّ الشَّيءَ مَسّاً رَخواً، وهو مَسٌّ رَخو. وهذا وَجهُ «الإبرازِ والمُماسّةِ الرَّخوة».
- ب: تَجَمُّعٌ رِخوٌ يَلتَصِق. ويَظهَرُ مِنه هُنا أوَّلُه: يَتَّصِلُ بِالشَّيءِ ويَلتَصِقُ بِه، وهو التِصاق. وهذا وَجهُ «الاتِّصالِ والتَّمَسُّك».
النَّواةُ كذ (ك + ذ) = إمساكٌ رَخوٌ يَمَسُّ ما يُمسِكُه. والإتمامُ بـب يُلصِقُ هذا الإمساكَ بِالشَّيءِ الذي مَسَّه. فالجَذرُ ك-ذ-ب حرفيّاً: إمساكٌ رَخوٌ يَمَسُّ الشَّيءَ ويَلتَصِقُ بِه.
والقَولُ يُمسِكُ ما يُخبِرُ عَنه. فإذا أمسَكَه إمساكاً رَخواً يَمَسُّه ويَلتَصِقُ بِه فهو كَذِب. وأوضَحُ ما يُرى فيه ذلك دَمٌ يَلتَصِقُ بِالقَميص: ﴿وَجَاءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ (١٢:١٨). الدَّمُ يَلتَصِقُ بِالقَميص، وإمساكُه بِما قالوه رَخو، فيُجيبُهُم أبوهُم، وهو مَن جاؤوه في ١٢:١٦: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا﴾. ويُرى في القَولِ الذي يُسَمّي حَقّاً: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ (٦٣:١). ما قالوه يَمَسُّ الحَقَّ ويَلتَصِقُ بِه، وإمساكُهُم بِه رَخو، فاللهُ يَشهَدُ أنَّهُم كاذِبون.
الكَذِبُ والصِّدق. الجَذرُ ص-د-ق «إطباقٌ صُلبٌ على الشَّيءِ يَثبُتُ ويَنعَقِد» (انظُر الصِّدق). فالصِّدقُ يُطبِقُ على الشَّيءِ ويَنعَقِدُ عَلَيه، والكَذِبُ يَمَسُّه ويَلتَصِقُ بِه. وتَضَعُهُما الآياتُ مُتَقابِلَين: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ﴾ ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ (٣٩:٣٢-٣٣)، و﴿إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ ﴿وَإِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (١٢:٢٦-٢٧)، و﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (٢٩:٣)، و﴿وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ ۖ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ (٤٠:٢٨). وفي ٩:٧٥ يَعقِدُ قَومٌ عَهداً على أنفُسِهِم: ﴿عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾، ثُمَّ تُسَمّي ٩:٧٧ ما كانَ مِنهُم إخلافاً وكَذِباً: ﴿بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾. فالعَهدُ انعَقَدَ بِالقَول، وإمساكُهُم بِه كانَ رَخواً.
اختِبارُ المَعنى على مَواضِعِ الجَذرِ كُلِّها. يَرِدُ الجَذرُ في القُرآنِ في مِئَتَينِ واثنَينِ وثَمانينَ مَوضِعاً (٢٨٢)، على ثَلاثَ عَشرةَ صيغة: اثنانِ وثَمانونَ مَوضِعاً من الثُّلاثيِّ كَذَبَ، ومِئَتا مَوضِعٍ من كَذَّبَ. ومِنها في السُّوَرِ المَنشورةِ خَمسٌ وثَلاثونَ آية، سُجِّلَ مِنها في القِسمِ الرّابِعِ من الصَّفحَتَينِ سَبعَ عَشْرة. وهذه الصِّيَغُ كُلُّها، لِكُلِّ صيغةٍ عَدَدُ مَواضِعِها وشاهِد:
- كَذَبَ، يَكذِب (١٠: ماضِياً ٧، ومُضارِعاً ٣): - مَنفيّاً: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ﴾ (٥٣:١١): الفُؤادُ أمسَكَ ما رَأى، ونُفِيَ عَن إمساكِه أن يَكونَ رَخواً. - بِـ«على»: ﴿انظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ ۚ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (٦:٢٤): قَولُهُم يَلتَصِقُ بِأنفُسِهِم، وإمساكُه رَخو، فيَخرُجُ عَنهُم ما كانوا يَفتَرونَه. والجَذرُ ض-ل-ل «خُروجٌ يَنبَسِطُ مُنتَشِراً ويَمتَدّ» (انظُر الضَّلال). ومِثلُه على الله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى اللَّهِ﴾ (٣٩:٣٢). - بِنَفسِه: ﴿وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (٩:٩٠): يَتَعَدّى الفِعلُ إلى مَن قيلَ لَه القَول، وإمساكُهُم بِما قالوه للهِ ورَسولِه رَخو، ويَظهَرُ ذلك في قُعودِهِم. - ومَعَ البَيِّنة: ﴿فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (١٢:٢٧): الشّاهِدُ في ١٢:٢٦ يَجعَلُ القَميصَ بَيِّنةً على القَول، فيَظهَرُ أنَّ إمساكَه بِما قالَه رَخو. - مُضارِعاً: ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾ (٣٦:١٥): يَقولُها القَومُ لِلمُرسَلين، بَعدَ أن كَذَّبوهُم في ٣٦:١٤.
- كُذِبوا (١، مَبنيّاً لِلمَجهول): ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ (١٢:١١٠): المَبنيُّ لِلمَجهولِ يُسَمّي مَن وَقَعَ عَلَيهِ الإمساكُ الرَّخوُ ولا يُسَمّي فاعِلَه، ويَعقُبُه مَجيءُ النَّصر.
- كَذِب (٣٣): ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٣:٧٥): المَصدَرُ اسمٌ لِلقَولِ الذي يُمسِكُ ما يُخبِرُ عَنه إمساكاً رَخواً، وهُنا يُلصِقُه قائِلوه بِالله. ويَقَعُ مَفعولاً لِلافتِراء: ﴿فَمَنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ (٣:٩٤). ويوصَفُ بِه الشَّيءُ كَما في ١٢:١٨. ويَرجِعُ على صاحِبِه: ﴿وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ (٤٠:٢٨).
- كاذِب (٣٠): مَن قامَ بِه هذا الإمساكُ الرَّخو، كَما في ٦٣:١. وتُختَمُ بِه الشَّهادةُ الخامِسة: ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ (٢٤:٧).
- كاذِبة (٢): ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ (٥٦:٢): الآيةُ تَنفي أن يَكونَ لِوَقعَتِها إمساكٌ رَخو: إذا وَقَعَت أطبَقَت على ما أُخبِرَ بِه عَنها. وتوصَفُ بِه النّاصِية: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ (٩٦:١٦).
- كَذّاب (٥): ﴿هَٰذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ (٣٨:٤): مَن كَثُرَ فيه الإمساكُ الرَّخوُ حتّى صارَ صِفَتَه، وهو هُنا ما يَرمي بِه الكافِرونَ المُنذِر. ويُقرَنُ بِالإسراف: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ (٤٠:٢٨).
- مَكذوب (١): ﴿ذَٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ (١١:٦٥): وَعدٌ يُمسِكُ ما وُعِدَ بِه إمساكاً صُلباً، والآيةُ تَجعَلُ لَه ﴿ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾.
- كَذَّبَ (١١٤): بِالباءِ يُمسِكُ المُكَذِّبُ ما جاءَه إمساكاً رَخواً: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ (٢:٣٩). وبِنَفسِه يَجعَلُ قَولَ مَن جاءَه يُمسِكُ ما يُخبِرُ عَنه إمساكاً رَخواً: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٢٦:١٠٥)، و﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ﴾ (٧:٦٤). ويُقابِلُ التَّصديق: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّىٰ﴾ ﴿وَلَٰكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾ (٧٥:٣١-٣٢)، و﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ﴾ ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَىٰ﴾ (٩٢:٦، ٩).
- يُكَذِّب (٥٧): ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (٥٥:١٣)، وهي وَحدَها إحدى وثَلاثونَ مَرّةً في سورةِ الرَّحمٰن: أيُّ الآلاءِ يُمسِكانِه إمساكاً رَخواً. ويَقَعُ الفِعلُ على المُخاطَبِ نَفسِه فيُنفى، والآياتُ يُجحَدُ بِها: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ (٦:٣٣). ومَعَ الدّين: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ (١٠٧:١).
- كُذِّبَ (٥، مَبنيّاً لِلمَجهول): ﴿وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ﴾ (٣٥:٤): يُسَمّي الرُّسُلَ الذينَ وَقَعَ عَلَيهِمُ التَّكذيب. ومِثلُه ﴿وَكُذِّبَ مُوسَىٰ﴾ (٢٢:٤٤).
- مُكَذِّب (٢١): ﴿فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (٣:١٣٧): مَن قامَ بِه التَّكذيب. و﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ عَشرَ مَرّاتٍ في سورةِ المُرسَلات (٧٧:١٥). ويُقرَنُ بِالضَّلال: ﴿وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ﴾ (٥٦:٩٢).
- تَكذيب (١): ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ﴾ (٨٥:١٩): المَصدَرُ مَحَلّاً يَكونُ فيه الكافِرون.
- كِذّاب (٢): ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا﴾ (٧٨:٢٨): مَصدَرُ كَذَّبَ على فِعّال، يُؤَكِّدُ فِعلَه. وفيما لِلمُتَّقينَ (٧٨:٣١): ﴿لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا﴾ (٧٨:٣٥): لا يُسمَعُ فيها قَولٌ يَرمي قَولَ غَيرِه بِإمساكٍ رَخو.
ما أُخرِجَ من العَدّ: «كَعَذَابِ» (٢٩:١٠): الكافُ حَرفُ تَشبيهٍ داخِلٌ على «عَذاب».
من خارِجِ التَّركيب:
- من المُعجَم: الكَذِبُ ضِدُّ الصِّدق، وحَمَلَ عَلَيهِ فما كَذَّبَ: ما انثَنى عن حَملَتِه، وكَذَبَ البَردُ: انكَسَر.
- عِندَ جَبَل في النَّواةِ كذ: «الرخاوة النسبية».
وما يَزيدُه التَّكذيب: يَجعَلُ وَزنُ فَعَّلَ الإمساكَ الرَّخوَ فِعلاً يَقَعُ على غَيرِ الفاعِل. بِنَفسِه يَجعَلُ المُكَذِّبُ قَولَ مَن جاءَه يُمسِكُ ما يُخبِرُ عَنه إمساكاً رَخواً (٢٦:١٠٥)، وبِالباءِ يُمسِكُ هو ما جاءَه إمساكاً رَخواً، يَمَسُّه ويَلتَصِقُ بِه (٢:٣٩). ويُقابِلُه التَّصديقُ بِاللَّفظِ نَفسِه في ٩٢:٦ و٩٢:٩، والتَّصديقُ أخذٌ بِالخَبَرِ يَثبُتُ عَلَيه (انظُر التَّصديق). والصَّفحةُ kadhib تَقولُ ما يَزيدُه الكَذِب.
الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن
- كَذَّبَ، يُكَذِّب (فَعَّلَ): يَتَعَدّى بِنَفسِه إلى مَن جاءَ (٢٦:١٠٥، ٣٦:١٤)، وبِالباءِ إلى ما جاءَ بِه (٢:٣٩، ٩٢:٩). ويَأتي بِلا مَفعولٍ مَقروناً بِالتَّوَلّي أو العِصيان (٢٠:٤٨، ٧٩:٢١).
- كُذِّبَ، كُذِّبَت (مَبنيٌّ لِلمَجهول): مَن وَقَعَ عَلَيه التَّكذيب: الرُّسُلُ (٣:١٨٤، ٦:٣٤، ٣٥:٤)، وموسى (٢٢:٤٤).
- مُكَذِّب، المُكَذِّبين (اسمُ فاعِل): مَن قامَ بِه التَّكذيب (٣:١٣٧، ٧٧:١٥).
- تَكذيب، كِذّاب (مَصدَرانِ لِفَعَّلَ): الفِعلُ نَفسُه، مَحَلّاً يَكونُ فيه أصحابُه (٨٥:١٩)، ومُؤَكِّداً لِفِعلِه (٧٨:٢٨).
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: إمساكٌ رَخوٌ يَمَسُّ الشَّيءَ ويَلتَصِقُ بِه. وفَعَّلَ يَجعَلُه يَقَعُ على غَيرِ الفاعِل: على مَن جاءَ، أو على ما جاءَ بِه. الوَزنُ يُحَدِّدُ: الفِعلَ، أو صاحِبَه، أو مَصدَرَه.
الفُروق المَعنويّة
kadhib(الكَذِب): الجَذرُ نَفسُه على فَعَلَ. الكَذِبُ إمساكٌ رَخوٌ يَقومُ بِقَولِ صاحِبِه، والتَّكذيبُ يَجعَلُه يَقَعُ على قَولِ غَيرِه أو على ما جاءَ بِه. ويَجتَمِعانِ في ٣٩:٣٢، وفي ٣٦:١٤-١٥. انظُر الكَذِب.tasdiq(التَّصديق): ضِدُّه في القُرآن، يُقابِلُه في ٣٩:٣٢-٣٣ و٧٥:٣١-٣٢ و٩٢:٦، ٩. التَّصديقُ يَعقِدُ الخَبَرَ ويَثبُتُ عَلَيه، والتَّكذيبُ يُمسِكُه إمساكاً رَخواً. انظُر التَّصديق.kufr(الكُفر): يُقرَنُ بِه في ٢:٣٩ و٨٥:١٩. الكُفرُ «كَتمٌ يُلحِمُ الشَّقَّ على ما فيه»، والتَّكذيبُ إمساكٌ رَخوٌ لِما جاء. انظُر الكُفر.
المَواضع: مَواقعُ التَّكذيبِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:٣٩ ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾، مَوضِعُ الافتِتاح. يَدخُلُ التَّكذيبُ القُرآنَ مُتَعَدِّياً بِالباءِ إلى الآيات: يُمسِكُها أصحابُه إمساكاً رَخواً، فتَمَسُّهُم ولا يَنعَقِدونَ عَلَيها. ويُعطَفُ على الكُفر، والكُفرُ «كَتمٌ يُلحِمُ الشَّقَّ على ما فيه» (انظُر الكُفر): ما انفَتَحَ لَهُم يُكتَم، وما جاءَهُم يُمسَكُ إمساكاً رَخواً. وخَبَرُهُما واحِد: ﴿أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾.
- ٣:١١ ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾: الجَديدُ: يَتبَعُ التَّكذيبَ أخذٌ ﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾، فما أمسَكوه إمساكاً رَخواً يَعقُبُه أخذٌ شَديد: ﴿وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. ويُشَبَّهُ بِـ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾، فهو سَبيلٌ يَتَكَرَّرُ في الأُمَم. انظُر الآيات.
- ١٧:٥٩ ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَن كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾: الجَديدُ: يَصيرُ التَّكذيبُ عِلّةً لِامتِناعِ الإرسالِ بِالآيات: ما أمسَكَه الأوَّلونَ إمساكاً رَخواً يَمتَنِعُ إرسالُه إلى مَن بَعدَهُم. وفي الآيةِ نَفسِها مَثَلُه: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا﴾. انظُر الآيات.
- ٢٠:٤٨ ﴿أَنَّ الْعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾: الجَديدُ: يَأتي الفِعلُ بِلا مَفعول، ويُعطَفُ عَلَيه التَّوَلّي. والتَّوَلّي من و-ل-ي «وَصلٌ يَربِطُ الشَّيءَ بِغَيرِه فيَلتَصِقُ بِه ويَمتَدُّ مَعَه» (انظُر التَّوَلِّي): المُكَذِّبُ يُمسِكُ ما جاءَه إمساكاً رَخواً، ثُمَّ يَصِلُ نَفسَه بِغَيرِه. والوَصفانِ يُعَرِّفانِ مَن يَقَعُ عَلَيه العَذاب، في وَحيٍ يَحكيه المُرسَلان: ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا﴾. انظُر الوَحي / الإيحاء.
- ٢٠:٥٦ ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَىٰ﴾: الجَديدُ: يَقَعُ التَّكذيبُ بَعدَ أن أُرِيَ الآياتِ ﴿كُلَّهَا﴾، فالإمساكُ الرَّخوُ يَقَعُ على ما رَآه كامِلاً. ويُعطَفُ عَلَيه ﴿وَأَبَىٰ﴾. وفاعِلُه واحِدٌ يُشارُ إلَيه بِالضَّمير.
- ٣٦:١٤ ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾: الجَديدُ: يَتَعَدّى الفِعلُ بِنَفسِه إلى المُرسَلَين، فيَقَعُ الحُكمُ على قَولِهِما. وتَقولُه الآيةُ التّاليةُ بِالثُّلاثيّ: «إِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ» (٣٦:١٥). والجَوابُ هُنا تَعزيزٌ بِثالِث.
- ٧٨:٢٨ ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا﴾: الجَديدُ: يُؤَكَّدُ الفِعلُ بِمَصدَرِه على فِعّال، ﴿كِذَّابًا﴾. وقَبلَه حالُهُم: «إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا» (٧٨:٢٧). انظُر الآيات والرَّجاء.
- ٨٣:١٢ ﴿وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾: الجَديدُ: يُحصَرُ المُكَذِّبُ في وَصفَين، فيُعرَفُ بِما هو عَلَيه. والمُكَذَّبُ بِه يَومٌ تُسَمّيه الآيةُ قَبلَه: «بِيَوْمِ الدِّينِ» (٨٣:١١). انظُر الإثم.
- ٨٥:١٩ ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ﴾: الجَديدُ: يَرِدُ التَّكذيبُ مَصدَراً بَعدَ «في»، فيَصيرُ مَحَلّاً يَكونُ فيه الكافِرون. ولا يُذكَرُ ما كُذِّبَ بِه، فيَبقى حالاً قائِمةً بِأصحابِها. انظُر الكُفر.
- ٩٢:٩ ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَىٰ﴾: الجَديدُ: يَقَعُ الفِعلُ على الحُسنى، ويُقابِلُ «وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ» (٩٢:٦) بِاللَّفظِ نَفسِه وحَرفِ التَّعدِيةِ نَفسِه: هُناكَ يَأخُذُ بِها صاحِبُها فيَثبُتُ عَلَيها، وهُنا يُمسِكُها إمساكاً رَخواً. ويَسبِقُه «بَخِلَ وَاسْتَغْنَىٰ» (٩٢:٨). انظُر التَّصديق.
- ٩٦:١٣ ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾: الجَديدُ: يُعرَضُ التَّكذيبُ شَرطاً في استِفهامٍ يُطلَبُ فيه من المُخاطَبِ أن يَرى. وفاعِلُه الذي يَنهى عَبداً إذا صَلّى (٩٦:٩-١٠)، ويَعقُبُه «أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ اللَّهَ يَرَىٰ» (٩٦:١٤). انظُر التَّوَلِّي.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
aya: الآياتُ أكثَرُ ما يَقَعُ عَلَيه التَّكذيبُ بِالباء.kufr: يُقرَنانِ في ٢:٣٩ و٨٥:١٩.kadhib: الجَذرُ المُشتَرَك.tasdiq: الضِّدُّ في ٩٢:٦، ٩ و٧٥:٣١-٣٢.
الإشكالات المَفتوحة
- فَعَّلَ بِنَفسِه وبِالباء. بِنَفسِه يُقرَأُ حُكماً على قَولِ مَن جاء، وبِالباءِ إمساكاً رَخواً لِما جاءَ يَقومُ بِالمُكَذِّبِ نَفسِه. والآيةُ ٦:٣٣ تُفَرِّقُ بَينَهُما: يُنفى الفِعلُ عن المُخاطَبِ نَفسِه، والآياتُ يُجحَدُ بِها.
- دَينُ التَّسجيل. آياتٌ مَنشورةٌ تَحمِلُ كَذَّبَ ولم تُسَجَّلْ هُنا: ٢:٨٧، ٣:١٣٧، ٣:١٨٤، ٧٨:٣٥، ٧٩:٢١، ٨٢:٩، ٨٣:١٠، ٨٣:١١، ٨٣:١٧، ٨٤:٢٢، ٩١:١١، ٩١:١٤، ١٠٧:١. وسُجِّلَت ٩٢:١٦ في التَّوَلِّي و٩٥:٧ في الدِّين.