طه · الآية 92
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«يَا هَارُونُ»: نِداءٌ بِالاسمِ لا يُرَدُّ بِمِثلِه
يُنادى الرَّجُلُ بِعَلَمِه مُجَرَّداً: لا وَصفَ مَعَه ولا صِلة. والعَلَمُ في النِّداءِ مَبنِيٌّ على الضَّمِّ لِأنَّه مُفرَدٌ مَعرِفة.
وسيَرُدُّ بَعدَ سَطرَينِ فلا يُقابِلُ الاسمَ بِاسم. النِّداءُ الأوَّلُ بِالعَلَمِ والنِّداءُ الثّاني بِشَيءٍ آخَر، وهذا التَّبايُنُ هو ما يُقرَأُ هُناك.
«مَا مَنَعَكَ»: سُؤالٌ يَفتَرِضُ حاجِزاً ولا يَفتَرِضُ تَقصيراً
لم يُقَلْ «لِمَ لَم تَفعَلْ». قيلَ «ما مَنَعَكَ»، وبَينَ الصّيغَتَينِ فَرقٌ يَحمِلُه الجَذرُ.
والمَنعُ في م-ن-ع إمساكٌ في الباطِنِ يُقبَضُ عَلَيه فلا يَخرُج، ومنه «مَكانٌ مَنيع» لا يُنالُ ما فيه. فالسّائِلُ يَفتَرِضُ أنَّ ثَمَّ حاجِزاً قامَ بَينَ الرَّجُلِ وفِعلِه.
و«ما» اسمُ استِفهامٍ يَطلُبُ ذاتاً لا سَبَباً مُجَرَّداً. فالمَطلوبُ أن يُسَمَّى المانِع.
ثُمَّ تَنقَطِعُ الجُملة. لم يُذكَرْ مِمَّ مُنِع. المَفعولُ الثّاني لِلمَنعِ غائِبٌ عن هذه الآيةِ كُلِّها، ولا يَجيءُ إلّا في السَّطرِ الذي بَعدَها: أَلَّا تَتَّبِعَنِ﴾. سُؤالٌ يُعَلَّقُ على فَراغِه آيةً كامِلة.
«إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا»: الرُّؤيةُ مُسَلَّمةٌ لا مُتَنازَعٌ فيها
«إذ» ظَرفٌ لِما مَضى، وما بَعدَها مُثبَتٌ لا مَشكوكٌ فيه. فالسُّؤالُ لا يُنازِعُه في أنَّه رَأى، بَل يَجعَلُ رُؤيَتَه أرضَ السُّؤال.
والرُّؤيةُ في ر-أ-ي جَريانٌ يَمضي حَتّى يَقَعَ على الصّورةِ ويَستَقِرَّ عَلَيها. فالمُسَلَّمُ بِه وُقوعُ النَّظَرِ على المَشهَدِ واستِقرارُه.
ثُمَّ يَجيءُ الفِعلُ «ضَلُّوا» ثُلاثِيّاً لازِماً. وقد قيلَ في أوَّلِ هذا المَجلِسِ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾ على وَزنِ أفعَلَ بِحامِلٍ من خارِج.
فالسّورةُ تَقولُ الأمرَينِ مَعاً: أُضِلّوا، وضَلّوا. الجَذرُ واحِدٌ والبِناءانِ اثنان، ولَيسَ في أحَدِهِما رَفعٌ لِلآخَر.
حَصيلة
نِداءٌ بِالعَلَمِ مُجَرَّداً بِلا وَصفٍ ولا صِلة، وسيُقابَلُ بَعدَ سَطرَينِ بِنِداءٍ من غَيرِ جِنسِه. ثُمَّ سُؤالٌ صيغَ بِـ«ما مَنَعَكَ» لا بِـ«لِمَ لَم تَفعَل»، والمَنعُ في م-ن-ع إمساكٌ في الباطِنِ يُقبَضُ عَلَيه فلا يَخرُج، ومنه «مَكانٌ مَنيع». فالسّائِلُ يَفتَرِضُ حاجِزاً قائِماً لا تَقصيراً واقِعاً، و«ما» تَطلُبُ ذاتَ المانِعِ لا مُجَرَّدَ العِلّة. ثُمَّ تَنقَطِعُ الجُملةُ قَبلَ أن يُذكَرَ مِمَّ مُنِع، فيَبقى السُّؤالُ مُعَلَّقاً على فَراغِه حتّى السَّطرِ الذي بَعدَه. ثُمَّ «إذ» تُثبِتُ الرُّؤيةَ ولا تُنازِعُ فيها، والرُّؤيةُ في ر-أ-ي جَريانٌ يَمضي حتّى يَقَعَ على الصّورةِ ويَستَقِرَّ عَلَيها، فالمُسَلَّمُ بِه أنَّ النَّظَرَ وَقَعَ وثَبَت. ويَجيءُ آخِرُ الآيةِ فِعلاً لازِماً «ضَلّوا»، وقد قيلَ في أوَّلِ المَجلِسِ فِعلٌ مُتَعَدٍّ على أفعَلَ بِحامِلٍ من خارِج. فالجَذرُ واحِدٌ والبِناءانِ اثنان، والسّورةُ تُثبِتُهُما ولا تَرفَعُ أحَدَهُما بِالآخَر.