البقرة · الآية 114

﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا

جذر (س ج د) وصيغَةُ الجَمع: المَسجِدُ كُلُّ مَوضِعٍ يُسجَدُ فيه

(س ج د) في اللِّسانِ تَكَثُّفٌ لِلجِسمِ والنَّفسِ في مَوضِعِ الاستِقرارِ أمامَ المَصدَر. والمَسجِدُ اسمُ المَكانِ من هذا الفِعل، فَكُلُّ مَوضِعٍ وَقَعَ فيه السُّجودُ فهو مَسجِدٌ بِالمَعنى اللُّغَويّ. وجَمعُها في الآيَةِ «مَساجِد» لا مَسجِداً مُحَدَّداً، فَيَتَّسِعُ الخِطابُ لِكُلِّ مَوضِعٍ يَرفَعُ النَّاسُ فيه جِباهَهُم لِله، أيَّ مُصَلّىً كان. ومَن حَصَرَ الآيَةَ في واقِعَةٍ بِعَينِها فَوَّتَ على نَفسِه المَبدَأَ العامّ. والمَبدَأُ: مَواضِعُ السُّجودِ أمانَةٌ عامَّةٌ لا يَمتَلِكُها فَريقٌ ضِدَّ فَريق.

جذر (ظ ل م): وَضعُ الشَّيءِ في غَيرِ مَوضِعِه، والأظلَمُ ذِروَتُه

(ظ ل م) يَدورُ على وَضعِ الشَّيءِ في غَيرِ مَوضِعِه. والآيَةُ تَفتَحُ بِصيغَةِ تَفضيلٍ «ومَن أظلَمُ»، وهي صيغَةُ استِفهامٍ إنكارِيٍّ لا تَقبَلُ جَواباً: لا أحَدَ أظلَمُ من هذا. ومَوقِعُ الذِّروَةِ لَه وَجهٌ بِنيَويّ: مَن مَنَعَ مَوضِعَ الذِّكرِ من أن يُمارِسَ وَظيفَتَه، فَقَد قَلَبَ المَوضِعَ من دَورِ الوَصلِ إلى دَورِ القَطع. وهذا قَلبٌ في صَميمِ الوَظيفَة، لا خَطَأٌ في التَّطبيق. وكُلُّ ظُلمٍ آخَرَ يَقَعُ على أفرادٍ، أمّا هذا فيَقَعُ على البُنيَةِ التي تَسكُنُ فيها الأُمَّةُ إلى مَصدَرِها، فهو أشَمَلُ أثَراً.

جذر (خ ر ب): تَفريغُ المَوضِعِ من وَظيفَتِه لا مُجَرَّدُ هَدمِ الجُدران

(خ ر ب) تَخَلخُلٌ يَستَرسِلُ حَتَّى يَبرُزَ في الشَّيء. والخَرابُ في اللِّسانِ العَرَبيِّ يَشمَلُ تَفريغَ المَكانِ من وَظيفَتِه، لا هَدمَ جُدرانِه فَحَسب. وصيغَةُ «سَعى في خَرابِها» مَقصودَة: السَّعيُ فِعلٌ مُتَواصِلٌ يَحتاجُ إلى تَخطيطٍ وتَدَرُّج، لا عَمَلِيَّةٌ عَنيفَةٌ واحِدَة. ومِنه يُفهَمُ أنَّ الخَرابَ قَد يَقَعُ والمَكانُ قائِمٌ: مَسجِدٌ تَرتَفِعُ فيه الجُدرانُ ولا يَرتَفِعُ فيه ذِكرٌ خَرِبٌ وإن بَدا عامِراً، ومَسجِدٌ تَحَوَّلَ إلى مَيدانِ خُصومَةٍ طائِفيَّةٍ بَدَلَ أن يَكونَ مَيدانَ ذِكرٍ خَرِبٌ وإن كَثُرَ رُوَّادُه. والآيَةُ تَكشِفُ وَجهاً أدَقَّ من الهَدم.

«يُذكَرَ فيها اسمُه»: ذِكرٌ لِلمَصدَرِ لا لِاسمِ الجَماعَة

الآيَةُ تَقيِّدُ مَحَلَّ الذِّكرِ بِاسمِه هُو، لا بِاسمِ جَماعَةٍ ولا بِاسمِ شَيخٍ ولا بِاسمِ مَرجِعِيَّةٍ مَذهَبيَّة. ومَن يُحَوِّلُ المَسجِدَ من ذِكرِ اسمِ الله إلى ذِكرِ اسمِ فِرقَةٍ أو اسمِ رَمزٍ طائِفيٍّ فَقَد أدخَلَ في الخَرابِ مِن حَيثُ لا يَشعُر. الفَرقُ دَقيقٌ: المَسجِدُ يَحتَمِلُ كُلَّ ما يَقرُبُ المَصدَر، ولا يَحتَمِلُ أن يَصيرَ مِنبَراً لِانقِسامٍ. وهذا التَّقييدُ بِـ«اسمِه» يَضَعُ حَدّاً لِسَلَبِ المَسجِدِ دَورَه، ويَجعَلُ «المَنعَ» و«الخَرابَ» شامِلَينِ لِكُلِّ صَرفٍ لِلمَوضِعِ عَن غايَتِه.

«إلا خائِفين»: ثَمَرٌ كَونيٌّ لِما زُرِع

«ما كانَ لَهُم أن يَدخُلوها إلا خائِفين» ليس أمراً تَنزيلياً بِإرعابِهِم، بَل تَقريرٌ لِنَتيجَةٍ طَبيعِيَّة. مَن سَعى في إفراغِ مَوضِعٍ من وَظيفَتِه، يَعودُ إلى المَوضِعِ وهُو يَستَشعِرُ أنَّه فيه مُقيمُ ضَرَرٍ لا مُقيمُ ذِكر. والخَوفُ هنا أثَرُ الوِجدانِ لا خَوفُ السَّيف. وقَد يَتَرَجَّمُ إلى خَوفٍ ماديٍّ من عُقوبَة، لَكِنَّه في أصلِه خَوفُ النَّفسِ من نَفسِها حينَ تَدخُلُ مَوضِعاً أسَّستَ على إفراغِه. ومِنه يُفَسَّرُ خَتمُ الآيَةِ بِـ«خِزيٌ في الدُّنيا وعَذابٌ عَظيمٌ في الآخِرَة»: الأثَرُ مُتَدَرِّجٌ من ثِقَلِ الوِجدانِ إلى جَلاءِ الحِسابِ يَومَ الجَلاء.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: «المَساجِد» كُلُّ مَوضِعٍ لِلسُّجود، ومَنعُها وخَرابُها قَلبٌ لِدَورِ المَوضِعِ من وَصلٍ إلى قَطع، والخَرابُ تَفريغُ وَظيفَةٍ لا هَدمُ جُدران، والخَوفُ ثَمَرٌ كَونيٌّ لِما زُرِعَ في السَّعي.


حَصيلة

مِن جِذرِ س-ج-د تَعني «المَساجِد» كُلَّ مَوضِعٍ وَقَعَ فيه تَكَثُّفُ النَّفسِ أمامَ المَصدَر، لا مَبنىً لِجَماعَةٍ بِعَينِها، فالجَمعُ في الآيَةِ يُصَرِّحُ بالعُمومِ ولا يَحتَمِلُ الحَصرَ. ومَن سَعى في خَرابِ هذِه المَواضِعِ فَقَد وَقَعَ في ذِروَةِ ما يَدورُ عَليه جِذرُ ظ-ل-م: وَضعُ الشَّيءِ في غَيرِ مَوضِعِه، وهو هنا قَلبُ المَوضِعِ من دَورِ الوَصلِ إلى دَورِ القَطع، ومِن جِذرِ خ-ر-ب يَنكَشِفُ أنَّ الخَرابَ تَخَلخُلٌ يَستَرسِلُ حَتَّى يَبرُز، فَيَشمَلُ تَفريغَ الوَظيفَةِ لا هَدمَ الجُدرانِ وَحدَه؛ مَسجِدٌ قائِمٌ تَرتَفِعُ فيه الجُدرانُ ولا يَرتَفِعُ فيه ذِكرٌ خَرِبٌ في الأصلِ اللُّغَوِيّ. والذِّكرُ المَقصودُ من جِذرِ ذ-ك-ر استِحضارٌ حادٌّ يُمسِكُ ويَستَرسِل، وقَد قَيَّدَتهُ الآيَةُ بِـ«اسمِه هُو» لا اسمِ فِرقَةٍ ولا اسمِ مَرجَعِيَّةٍ؛ فكُلُّ تَحويلٍ لِلمَوضِعِ نَحوَ اسمٍ غَيرِه هو تَفريغٌ لَطيفٌ يَندَرِجُ في السَّعيِ في الخَراب. وثَمَرُ هذا السَّعيِ مِن جِذرِ خ-ز-ي فَراغٌ مُكتَنِزٌ يَمتَدُّ ولا يَنقَطِع، وهو ما عَبَّرَت عَنهُ الآيَةُ بِالخَوفِ الذي يَلازِمُ مَن دَخَلَ مَوضِعاً أسَّسَ على إفراغِه، ثمَّ بِالعَذابِ الذي يَنبُعُ من العُمقِ ويَختَرِقُ كُلَّ الطَّبَقاتِ. الوَظيفَةُ سابِقَةٌ على المِلكِيَّة، ومَواضِعُ السُّجودِ أمانَةٌ مَفتوحَةٌ لا يَمتَلِكُها فَريقٌ ضِدَّ فَريق.