الإسراء · الآية 59

﴿وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَن كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ ۚ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا ۚ وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَن كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ ۚ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا ۚ وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا

«وَمَا مَنَعَنَا... إِلَّا أَن كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ»: حَصرانِ يُطَوِّقانِ الآية

تَفتَتِحُ الآيةُ بِحَصرٍ وتَختِمُ بِحَصر: فالأوَّلُ يَقصُرُ المانِعَ على شَيءٍ واحِد، والآخِرُ يَقصُرُ الغايةَ على شَيءٍ واحِد، وما بَينَهُما مَوضِعٌ وَقَعَ فيه الإرسالُ فِعلاً.

والمانِعُ فِعلُ قَومٍ سابِقين: «أَن كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ»، وليسَ عَجزاً ولا امتِناعَ مَقدور. ومَدارُ م-ن-ع على إمساكٍ في الباطِنِ يُقبَضُ عَلَيه فلا يَخرُج، فالمانِعُ حاجِزٌ قائِمٌ لا انقِطاعُ مادّة.

و«الْأَوَّلُونَ» لم يُسَمَّوا، فلا اسمَ لَهُم ولا قَرن، ووُصِفوا بِتَقَدُّمِهِم في الزَّمانِ لا بِأنسابِهِم، وبِفِعلِهِم لا بِمَواطِنِهِم، فالحُجّةُ في السّابِقةِ لا في الهُوِيّة.

«نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ»: باءٌ واحِدةٌ تَجري في ثَلاثةِ أفعال

وعُدِلَ عن «نُرسِلَ الآياتِ» إلى «بِالْآيَاتِ»، والباءُ تُلصِقُ المُرسَلَ بِما أُرسِلَ بِه، فالآياتُ مَحمولةٌ مَعَ المُرسَل، وليسَت هي المُرسَلةَ وَحدَها. وأصلُ ر-س-ل إجراءٌ مُتَّصِلٌ يَبقى مُعَلَّقاً بِمَن أجراه، فالمُرسَلُ لا يَنفَكُّ عن مُرسِلِه ولا عمّا حُمِّلَه.

ثُمَّ تَأتي الباءُ بَعدَها: «كَذَّبَ بِهَا» دونَ «كَذَّبَها»، ثُمَّ «فَظَلَمُوا بِهَا» دونَ «ظَلَموها»، فهي ثَلاثةُ أفعالٍ في آيةٍ واحِدة، وفي كُلِّ واحِدٍ مِنها باءٌ تَصِلُه بِالآيات: إرسالٌ بِها، وتَكذيبٌ بِها، وظُلمٌ بِها.

فالحَرفُ نَفسُه يَنتَقِلُ من يَدٍ إلى يَد: يُرسَلُ بِالآيةِ فتُحمَل، فيُكَذَّبُ بِها فتُرَدّ، فيُظلَمُ بِها فتُستَعمَل، والأداةُ واحِدةٌ والأيدي تَتَبَدَّل، وما يُعطاهُ المَرءُ لِيَحمِلَه قد يَحمِلُه على غَيرِ وَجهِه.

«وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً»: اسمُ فاعِلٍ عادَ من آيةِ النَّهار

وسَمّى النَّصُّ ثَمودَ وسَمّى النّاقة، فيُذكَرانِ كما ذُكِرا ولا يُزادُ عَلَيهِما، ولم تَذكُرِ الآيةُ في خَبَرِهِما إلّا كَلِمَتَين: أُعطوها، وظَلَموا بِها، وما بَينَ الكَلِمَتَينِ خارِجٌ عن لَفظِ الآية.

و«مُبْصِرَةً» حالٌ من النّاقة، وهي اسمُ فاعِلٍ لا اسمُ مَفعول، ولم تَأتِ على «مُبصَرة»، فهي التي تُبصِرُ لا التي تُبصَر.

وهذه الكَلِمةُ بِعَينِها مَرَّت في هذه السّورةِ من قَبل، وَصفاً لِشَيءٍ من جِنسٍ آخَرَ بِالكُلِّيّة: وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾، فهُناكَ نَهارٌ وهُنا ناقة، والجِنسانِ لا يَجتَمِعان، والوَصفُ واحِدٌ بِحَرفِه.

والذي يَجمَعُهُما أنَّ كِلَيهِما آية. و«الْآيَاتِ» مَذكورةٌ في هذه الآيةِ مَرَّتَينِ بِاسمِها ومَرّةً بِضَميرِها في «كَذَّبَ بِهَا»، فالنّاقةُ داخِلةٌ في الجِنسِ الذي يُتَحَدَّثُ عَنه، مَوصوفةٌ بِما وُصِفَت بِه آيةُ النَّهار. والآيةُ تُبصِرُ ولا تُبصَر، أي تَجعَلُ الرّائيَ يَرى، وليسَت هي المَنظورَ إلَيه، ومَن ظَلَّ يَتَفَرَّجُ على الآيةِ فقد قَلَبَ اسمَ الفاعِلِ مَفعولاً.

«فَظَلَمُوا بِهَا»: الآيةُ تَقِفُ عِندَ حَرف

وهي جُملةٌ من كَلِمَتَين، فيها فاءٌ تُعَقِّبُ الإيتاءَ بِلا مُهلة، ولم يُذكَرْ مَن ظُلِم، إذ حُذِفَ المَفعولُ وبَقِيَتِ الباء.

ولَو جاءَ «ظَلَموها» لَكانَ الظُّلمُ واقِعاً عَلَيها، ولَمّا جاءَ «بِها» صارَت هي التي وَقَعَ الظُّلمُ في شَأنِها وبِسَبَبِها، والمَظلومُ مَتروكٌ بِلا اسم. وعِندَ هذا يَقِفُ النَّصُّ ونَقِفُ مَعَه.

ومَدارُ ظ-ل-م على غِطاءٍ يُطبِقُ على الشَّيءِ ويَحوزُه فيُمسِكُه في باطِنِه، فاجتَمَعَ في نِصفِ الآيةِ وَصفانِ مُتَقابِلان: مُبصِرةٌ تُبصِر، وظُلمٌ يَحجُب، وقد أُعطوا ما يَفتَحُ العَينَ فأسدَلوا عَلَيه.

«وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا»: غايةٌ واحِدةٌ لا ثانِيَ لَها

وهذا هو الحَصرُ الثّاني، ولم تُعَلَّلِ الآياتُ فيه بِالإقناعِ ولا بِالإلجاءِ ولا بِقَطعِ العُذر، وجاءَ «تَخْوِيفًا» مَصدَراً مَنصوباً عِلّةً لِلفِعل.

والخَوفُ في جَذرِه تَخَلخُلٌ في الباطِنِ يَنفُذُ فيه ما يُهَدِّد، و«تَخْوِيفًا» على تَفعيل، وهو إحداثُ هذا التَّخَلخُلِ في الغَير. فالآيةُ تُرسَلُ لِتَفتَحَ فُرجةً في المُغلَق، لا لِتَملَأَها، وأمّا ما يَدخُلُ الفُرجةَ بَعدَ فَتحِها فذاكَ شَأنُ صاحِبِها.

ولِذلك تَجيءُ الآيةُ التّاليةُ بِما يَقَعُ حينَ لا يَدخُلُ شَيء: وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾، فالفِعلُ واحِدٌ في المَوضِعَين، والنّاتِجُ مَوقوفٌ على المَحَلّ.


حَصيلة

حَصرانِ يُطَوِّقانِ الآية: مانِعٌ واحِدٌ في أوَّلِها وغايةٌ واحِدةٌ في آخِرِها، وبَينَهُما إيتاءٌ وَقَع. والمانِعُ فِعلُ قَومٍ لم يُسَمَّوا إلّا بِسَبقِهِم، والباءُ تَجري في ثَلاثةِ أفعالٍ يَتلو بَعضُها بَعضاً فتَصِلُ الآياتِ بِإرسالٍ ثُمَّ بِتَكذيبٍ ثُمَّ بِظُلم، فالأداةُ واحِدةٌ والأيدي تَتَبَدَّل. ثُمَّ يُسَمّى المَذكورانِ ولا يُزادُ على ما ذُكِر: أُعطوا، وظَلَموا بِها، والمَظلومُ مَتروكٌ بِلا اسمٍ لِأنَّ الباءَ حَلَّت مَحَلَّ المَفعول. و«مُبْصِرَةً» اسمُ فاعِلٍ عادَ بِحَرفِه من وَصفِ آيةِ النَّهارِ في هذه السّورة، فجُمِعَ بِكَلِمةٍ واحِدةٍ جِنسانِ لا يَجتَمِعان، ووُصِفَ كِلاهُما بِأنَّه يُبصِرُ ولا يُبصَر. والظُّلمُ في جَذرِه غِطاءٌ يُطبِقُ على الشَّيءِ ويَحوزُه فيُمسِكُه في باطِنِه، فوَقَعَ الحاجِبُ على الفاتِح. ثُمَّ جُعِلَ الإرسالُ كُلُّه لِتَخويفٍ لا لِسِواه، والتَّخويفُ فَتحُ فُرجةٍ لا مَلؤُها، فالآيةُ تُرسَلُ لِتُبصِرَ بِمَن تَأتيه، لا لِيَقِفَ يَنظُرُ إلَيها.