الماعون · الآية 7

﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ

«الماعون»: الشَّيءُ الصَّغيرُ الذي يَكشِفُ كلَّ شَيء

و«الماعونُ» يُقرَأُ من م-ع-ن، وفيه يَنكَشِفُ مَعناه، فالمَعنُ الشَّيءُ القَليلُ السَّيِّرُ الذي يَجري بِسُهولَةٍ ولا يَثقُل، ومنه «أَمعَنَ في الفِرار» أي جَرى يَتَيَسَّر، و«ماءٌ مَعينٌ» أي جارٍ سائغ. فالماعونُ على هذا الوَجهِ ما يَتَيَسَّرُ من الإعانَةِ بِشَيءٍ صَغير، أي ما يَتَداوَلُه النّاسُ بَينَهم بِيُسر، وهو العَونُ الخَفيفُ الذي يَجري بَينَ الجيرانِ ولا يُثقِلُ مَن أَعطاه.

وفي اختيارِ هذه الكَلِمَةِ بِعَينِها بَلاغَةٌ يَنبَغي أن يُصغى إليها، فلَو خُتِمَت السّورَةُ بِـ«وَيَمنَعونَ الزَّكاة» لَكانَ المَعنى مَفهوماً، غَيرَ أنَّه كانَ سَيَنزِلُ على الفَريضَةِ المُحَدَّدَة. وقد نَزَلَت السّورَةُ إلى ما هو أَعمَقُ من الفَريضَة، إلى المَوضِعِ الذي لا يُحاسِبُ عَلَيه أَحَدٌ أَحَداً، والذي لا يَدخُلُ في حِسابِ الفِقه، ويَعتَمِدُ كُلُّه على ما في القَلبِ من سَخاءٍ مُتَدَفِّق. فالماعونُ هو الفَريضَةُ التي لا يَكتُبُها مُكَلِّف، والاختِبارُ الذي لا يَجلِسُ فيه مُمتَحِن.

وهذا ما يَكشِفُه الماعونُ من المُكَذِّبِ بالدّين، فالزَّكاةُ يُمكِنُ أن تُؤَدّى رِياءً، والصَّلاةُ يُمكِنُ أن تُصَلّى رِياءً، وأَمّا الماعونُ فلا يُعارُ رِياءً، لأنَّه لا يُرى. يَستَعيرُ الجارُ القِدرَ، فإمّا أن يُعيرَه صاحِبُه بِقَلبٍ مُتَدَفِّق، وإمّا أن يَمنَعَه، ولا يَنظُرُ في ذلك أَحَدٌ غَيرُ الجارِ نَفسِه، ومَن مَنَعَ في هذا المَوضِعِ فقد كَشَفَ أنَّ سَخاءَه كُلَّه كانَ تَمثيلاً، وما كانَ سَخاءً.

«يَمنَعون»: الإمساكُ على ما تَيَسَّرَ خُروجُه

ومادَّةُ م-ن-ع في اللِّسانِ العَرَبيِّ تَدورُ على الحَجزِ والكَفّ، فـ«مَنَعَ الحَجَر» بِمَعنى حَجَز، و«المَنيعُ» الذي لا يُنال. والصّيغَةُ في الآيَةِ فِعلٌ مُضارِعٌ مَجموع: «يَمنَعون»، والفِعلُ مُتَجَدِّد، حالٌ يَعيشونَها كُلَّ يَوم، وهو سيرَةٌ من الإمساكِ تُمارَسُ يَوميّاً عِندَ كُلِّ طَلَب، وليسَ مَنعاً واحِداً وَقَعَ ثُمَّ انقَضى.

والمُقابَلَةُ بَينَ الفِعلَينِ تَلفِتُ النَّظَر، ففي الآيَةِ السّادِسَةِ «يُراؤون»، أي يُخرِجونَ أَنفُسَهم لِلعَين، وفي الآيَةِ السّابِعَةِ «يَمنَعونَ الماعون»، أي يَكُفّونَ ما تَيَسَّرَ خُروجُه عن العَين، والنَّفسُ تَخرُجُ حَيثُ تُرى وتَكُفُّ حَيثُ لا تُرى، والفِعلُ كُلُّه يَجري على ميزانِ النَّظَر، لا على ميزانِ ما يَنبَغي.

ويَتَكَرَّرُ هذا المَعنى في البَقَرَةِ في صُوَرٍ شَتّى، ومنها وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾، فالتَّحَفُّظُ في المالِ بَينَ الجارَينِ يَكشِفُ ما لا يَكشِفُه شَيءٌ آخَر. والماعونُ هو هذا المَوضِعُ بِعَينِه، أي المالُ الصَّغيرُ بَينَ الجارَينِ الذي لا تَنظُرُه شَريعَةُ المَحكَمَة، والكِتابُ يَنزِلُ إليه ويَستَخرِجُ منه الحُكمَ كُلَّه.

السورةُ تَنغَلِقُ على نَفسِها: من الدِّينِ إلى الماعون

ومَن التَفَتَ إلى السّورَةِ كامِلَةً رَأى بَلاغَتَها، ففي الآيَةِ الأُولى أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾، وفي الآيَةِ الأَخيرَةِ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾، فالكِبارُ في الفاتِحَة، والصِّغارُ في الخاتِمَة، والقَوسُ بَينَهُما أنَّ مَن أَنكَرَ الكَبيرَ في باطِنِه ضَنَّ بِالصَّغيرِ في ظاهِرِه، ومَن سَقَطَ منه ميزانُ المُحاسَبَةِ سَقَطَ منه قَلبُه على ما لا يُكَلِّفُه شَيئاً.

والدَّرسُ الأَخيرُ الذي تَترُكُه السّورَةُ لِلقارِئِ أن يَمتَحِنَ نَفسَه في الماعون: كَيفَ يُعطي ما لا يَراه أَحَد، وكَيفَ يُمسِكُه، فما يَفعَلُه في هذا المَوضِعِ هو المِرآةُ الصّادِقَةُ لِما في باطِنِه من تَصديقٍ بِيَومِ الجَزاء. فالصَّلاةُ لا تَكشِفُه، إذ يُمكِنُ أن تُصَلّى رِياءً، والزَّكاةُ لا تَكشِفُه، إذ يُمكِنُ أن تُسَجَّلَ لِلسُّمعَة، والماعونُ يَكشِفُه لأنَّه لا يَنظُرُه أَحَدٌ يُسَجِّل.

وتُغلِقُ السّورَةُ بَوّابَتَها بِأَدَب، فلم تَتَوَعَّدْ أَحَداً بِالنّار، ولم تَلعَن، ولم تَختِمْ بِجَزاء، وخَتَمَت بِفِعلٍ يَومِيٍّ صَغيرٍ تَترُكُ القارِئَ يَفحَصُ بِه نَفسَه. والسّورَةُ كُلُّها مِرآة، والكَلِمَةُ الأَخيرَةُ زاوِيَةُ المِرآةِ التي يَرى فيها القارِئُ نَفسَه بِأَوضَحِ ما يَكون.


حَصيلة

تَختِمُ السّورَةُ بأَدَقِّ اختِبارٍ وأَصغَرِه: «وَيَمنَعونَ الماعون» (م-ع-ن)، و«المَنعُ» (م-ن-ع) إمساكٌ على ما تَيَسَّرَ خُروجُه، و«الماعونُ» الشَّيءُ الصَّغيرُ الذي يَدورُ بَينَ النّاسِ ويَستَعيرُه بَعضُهم من بَعض، كالقِدرِ والفَأسِ والإبرَة. ومَن يَمنَعُ الماعونَ يُمسِكُ على شَيءٍ لا يُكَلِّفُه شَيئاً في الغالِب، والامتِحانُ سَهلٌ جِدّاً، والفَشَلُ فيه ناجِمٌ عن شُحٍّ في النَّفس، لا عن ضيق. والسّورَةُ قَوسٌ مُتَكامِل، بَدَأَت بالدّينِ الغائِبِ عن القَلب، وانتَهَت بالماعونِ الغائِبِ عن اليَد، وما يَنقُصُ في الباطِنِ يَظهَرُ في أَصغَرِ تَصَرُّفٍ خارِجيّ، ولِسانُ السّورَة: كَيفَ يُعطي الكَثيرَ مَن يَبخَلُ بِالقَليل؟