الإسراء · الآية 94

﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَىٰ إِلَّا أَن قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَّسُولًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَىٰ إِلَّا أَن قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَّسُولًا

«وَمَا مَنَعَ … إِلَّا»: نَفيٌ ثُمَّ استِثناء، فالمانِعُ واحِدٌ لا ثانِيَ لَه

تُبنى الجُملةُ على حَصر. يُنفى المانِعُ عامّاً ثُمَّ يُستَثنى منه واحِد. وهذا أضيَقُ ما يَكونُ الجَواب: لا أسبابَ تُعَدُّ، ولا وُجوهَ تُوَزَّع.

والجِذرُ م-ن-ع إمساكٌ في الباطِنِ يُقبَضُ عَلَيهِ فلا يَخرُج. فالمانِعُ حاجِزٌ قائِمٌ بَينَ الفِعلِ ومَحَلِّه، لا نُقصانٌ في القُدرةِ ولا انقِطاعُ مادّة. وقد بُنِيَت في هذه السّورةِ جُملةٌ على هذا التَّركيبِ نَفسِه: وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالْآيَاتِ﴾، نَفيٌ ثُمَّ «أن» ثُمَّ استِثناءٌ بِـإِلَّا أَن. القالَبُ واحِدٌ والمَحَلُّ مُختَلِف.

«النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا»: إيمانٌ يُذكَرُ بِلا مُتَعَلَّق

النَّاسَ هُمُ الاسمُ الذي تَرَدَّدَ قَبلَ خَمسِ آيات، آخِذينَ ورادِّين. ويَعودُ هُنا مَحجوزاً عن فِعلٍ واحِد.

وأَن يُؤْمِنُوا بِغَيرِ لامٍ ولا باء. في أوَّلِ القائِمةِ قيلَ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ فوُجِّهَ المَنعُ إلى شَخص، وقيلَ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ فوُجِّهَ إلى فِعلٍ منه. وهُنا يُذكَرُ الفِعلُ مُطلَقاً بِلا وِجهة. حُجِبوا عن أن يَقَعَ الأمرُ أصلاً.

«إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَىٰ»: المَجيءُ مُثبَتٌ في الجُملةِ نَفسِها

«إذ» ظَرفٌ لِما مَضى. والجُملةُ تُقَرِّرُ أنَّ الهُدى جاءَ وأنَّه جاءَهُم هُم. فالوُصولُ لَيسَ مَحَلَّ نِزاعٍ في الآية، بَل مُقَرَّرٌ فيها.

والهُدى من ه-د-ي إشارةٌ لَطيفةٌ ثابِتةُ الجِهةِ تَسري مَعَ السّائِر: لا تَسوقُ ولا تَدفَع. وقد جاءَ الفِعلُ جَاءَهُمُ مُتَعَدِّياً بِلا حَرف، فالوُصولُ تامٌّ لاصِقٌ بِهِم.

فالمَنعُ إذن واقِعٌ بَعدَ الوُصولِ لا قَبلَه. لم يُحبَسْ عنهُم شَيء، وإنَّما حُبِسوا هُم عن شَيءٍ حَضَرَ عِندَهُم. والحاجِزُ الذي يُقامُ بَعدَ وُصولِ الدَّلالةِ لا تَرفَعُه دَلالةٌ ثانِية.

«إِلَّا أَن قَالُوا»: المانِعُ فِعلُ قَولٍ لا مَضمونُ حُجّة

وهُنا مَوضِعُ الآية. لم يُقَلْ «إلّا شَكُّهُم» ولا «إلّا جَهلُهُم» ولا «إلّا ما وَجَدوا في الأمرِ من إشكال». قيلَ إِلَّا أَن قَالُوا.

و«أن» مَصدَرِيّةٌ تَسبِكُ الفِعلَ مَصدَراً، فالمُستَثنى هو القَولُ نَفسُه، أي صُدورُ الكَلامِ منهُم. المانِعُ حَدَثٌ لِسانِيٌّ وَقَع، لا مَعنىً في العَقلِ يُناقَش.

والجِذرُ ق-و-ل إطلاقٌ قاطِعٌ يُوصَلُ ويَمتَدُّ حتّى يَبلُغَ سامِعَه. فما خَرَجَ بَقِيَ مَوصولاً بِفَمِه. ومَن أرادَ أن يَعرِفَ ما يَحجُبُه، فلْيَنظُر في الجُملةِ التي خَرَجَت من فَمِه أوَّلَ مَرّة.

«أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَّسُولًا»: الكَلِمَتانِ نَفسُهُما في الفَمِ الآخَر

هَمزةُ استِفهامٍ مَعناها الإنكار. والفِعلُ بَعَثَ من ب-ع-ث انفِتاحٌ يُخرِجُ ما كانَ في العُمقِ ثُمَّ يَنشُرُه في مَداه: إثارةُ كامِنٍ وإخراجُه. فالمَبعوثُ قائِمٌ قَبلَ بَعثِه، وإنَّما جُدِّدَت حَرَكَتُه.

ثُمَّ بَشَرًا رَّسُولًا. كَلِمَتانِ نَكِرَتان، بِهذا التَّرتيبِ عَينِه، وقد قيلَتا قَبلَ سَطرٍ واحِدٍ في هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا﴾. اللَّفظُ الذي حَصَرَ بِه نَفسَه هو اللَّفظُ الذي رُدَّ بِه عَلَيه.

وانظُر ما فَعَلَ التَّركيبُ بِالكَلِمَتَين. جاءَتا هُناكَ بَعدَ إِلَّا فكانَتا حَدّاً يُنزِلُ صاحِبَه إلى حَجمِه، وجاءَتا هُنا بَعدَ هَمزةِ الإنكارِ فصارَتا اعتِراضاً يَرفَعُ الشَّرطَ فَوقَ ذلك الحَجم. فَمانِ يَنطِقانِ بِكَلِمَتَين، أحَدُهُما يُقِرُّ والآخَرُ يَستَكثِر.

وب-ش-ر اتِّصالٌ يَنتَشِرُ ويَجري في الظّاهِر، ومنه البَشَرةُ يُقرَأُ عَلَيها ما في الجَوف. ور-س-ل إطلاقٌ يَجري مُستَرسِلاً حتّى يَتَعَلَّقَ بِطَرَفِه. فالمَرفوضُ اجتِماعُ ظاهِرٍ مَكشوفٍ مَعَ حَملٍ يَصِلُ. أُريدَ الحامِلُ بِلا جِلد، فرُدَّ الجِلدُ فرُدَّ مَعَه ما حَمَل.


حَصيلة

نَفيٌ عامٌّ ثُمَّ استِثناءٌ واحِد، فلا يَبقى في الجُملةِ مَوضِعٌ لِسَبَبٍ ثانٍ؛ وم-ن-ع إمساكٌ في الباطِنِ يُقبَضُ عَلَيهِ فلا يَخرُج، وهو حاجِزٌ بَينَ الفِعلِ ومَحَلِّه لا نَقصٌ في القُدرة، وقد بُنِيَت في هذه السّورةِ جُملةٌ أُخرى على القالَبِ نَفسِه. والمَحجوزُ النَّاسَ، والمَحجوزُ عنه أَن يُؤْمِنُوا مُطلَقاً بِلا لامٍ ولا باءٍ بَعدَ أن كانَ في القائِمةِ مُوَجَّهاً إلى شَخصٍ ثُمَّ إلى فِعلٍ منه. و«إذ» تُقَرِّرُ أنَّ الهُدى جاءَ وجاءَهُم، وه-د-ي إشارةٌ لَطيفةٌ ثابِتةُ الجِهةِ تَسري مَعَ السّائِر، فالمَنعُ واقِعٌ بَعدَ الوُصولِ لا قَبلَه. ثُمَّ يُسَمّى المانِع: إِلَّا أَن قَالُوا، و«أن» تَسبِكُ الفِعلَ مَصدَراً، فالمُستَثنى صُدورُ الكَلامِ لا مَضمونُ حُجّة؛ وق-و-ل إطلاقٌ قاطِعٌ يُوصَلُ ويَمتَدُّ فيَبقى مَوصولاً بِفَمِه. والمَقولُ هَمزةُ إنكارٍ على ب-ع-ث انفِتاحٍ يُخرِجُ الكامِنَ ويَنشُرُه، ثُمَّ بَشَرًا رَّسُولًا بِتَرتيبِهِما في السَّطرِ الذي قَبلَه: ب-ش-ر ظاهِرٌ يُقرَأُ عَلَيهِ ما في الجَوف، ور-س-ل إطلاقٌ يَجري حتّى يَتَعَلَّقَ بِطَرَفِه. كَلِمَتانِ بَعدَ إِلَّا حَدٌّ يَقبَلُه صاحِبُه، وبَعدَ هَمزةِ الإنكارِ شَرطٌ يُرفَعُ عَلَيه. والحاجِزُ الذي أوقَفَ النّاسَ لَيسَ فَوقَ طاقَتِهِم: هو جُملةٌ نَطَقوا بِها.