المِراء
**مَسٌّ لَيِّنٌ يَتَكَرَّرُ ولا يَبلُغُ غاية**. لَيسَ المِراءُ خِلافاً يُعلَنُ ولا حُجّةً تُقابَلُ بِحُجّة، بَل **يَدٌ لا تَكُفُّ عن استِدرارِ ما قد أُعطِيَ تَمامَه**. ولِذلك لم يَرِدْ في المُصحَفِ المَنشورِ إلّا على وَزنِ الافتِعالِ الرّاجِعِ على صاحِبِه، ولم يُنهَ عنه بِنَهيٍ عن فِعلٍ قَطُّ، بَل بِنَهيٍ عن **أن تَكونَ من أهلِه**: «فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ».
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
- م :: انطِباقٌ ضامٌّ لِلشَّفَتَينِ يُمسِكُ النَّفَسَ في جَوفٍ
مُغلَقٍ ثُمَّ يُنفِذُه رَنيناً مُمتَدّاً، ووَجهُه الأوَّلُ في القانونِ الضَّمُّ واللِّقاءُ والتَّلاصُق. فالمَبدَأُ مُماسّةٌ لاصِقة.
- ر :: خَفَقاتٌ مُتَوالِياتٌ خَفيفاتٌ لِطَرَفِ اللِّسان، كُلُّ
خَفقةٍ لَمسةٌ ماسِكةٌ عابِرة، ومن وُجوهِه التَّكرارُ والتَّردُّدُ وخِفّةُ اللَّمسة. فالوَسَطُ تَكرارُ المَسِّ بِلا قَبض.
- ي :: يَقتَرِبُ وَسَطُ اللِّسانِ من الغارِ اقتِراباً لَيِّناً لا
حَبسَ فيه، ثُمَّ يَنسابُ مُطلَقاً إلى ما بَعدَه. فالمُنتَهى انسِيابٌ بِلا حَدٍّ يَقِفُ عِندَه.
فالتَّركيبُ: مُلاصَقةٌ، فمَسٌّ خَفيفٌ مُتَكَرِّر، فانسِيابٌ بِلا غاية. وهذه ثَلاثُ خَصائِصَ لا تُوجَدُ في الخِلافِ ولا في الإنكار: أنَّ المِراءَ لا يُفارِقُ مَوضوعَه، وأنَّه لا يَقبِضُ علَيه، وأنَّه لا يَنتَهي إلى قَرار.
وما تَدفَعُه هذه القِراءة، ثَلاثةُ أشياءَ لا يُعطيها السَّطح:
أوَّلاً، لِمَ لم يَرِدِ الجَذرُ إلّا على وَزنِ الافتِعال. الافتِعالُ يَرُدُّ الفِعلَ على فاعِلِه، وهذا لا يَستَقيمُ على مَعنى المُنازَعةِ لِأنَّ المُنازَعةَ تَقتَضي خَصماً. ويَستَقيمُ على المَسِّ المُتَكَرِّر: فالذي يَمتَري لا يَمَسُّ الحَقَّ أصلاً، إذ الحَقُّ «مِن رَّبِّكَ»، خارِجٌ عن مُتَناوَلِه بِنَصِّ الجُملةِ التي سَبَقَت النَّهي. فاليَدُ تَستَدِرُّ يَقينَه هو، ولِذلك جاءَ الوَزنُ راجِعاً علَيه. الشَّكُّ في هذا الجَذرِ فِعلٌ يَفعَلُه المَرءُ بِنَفسِه، لا حالٌ تَنزِلُ بِه.
ثانِياً، لِمَ نُهِيَ عن الانتِسابِ لا عن الفِعل. لم يَقُلْ في المَوضِعَينِ «فلا تَمتَرِ»، بَل «فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ» و«فَلَا تَكُن مِّنَ الْمُمْتَرِينَ». والرّاءُ في القانونِ خَفَقاتٌ مُتَوالِيات: لَمسةٌ واحِدةٌ لَيسَت مِراءً، وإنَّما يَصيرُ المِراءُ مِراءً بِالتَّكرار. والمُتَكَرِّرُ لا يُنهى عنه بِنَهيِ فِعلٍ واحِدٍ لِأنَّه لَيسَ فِعلاً واحِداً، فنُهِيَ عن الصِّفةِ والصِّنف. ولِذلك جاءَ اسمَ فاعِلٍ مَجموعاً بَعدَ «مِن».
ثالِثاً، لِمَ كانَ الجَوابُ تَعريفَ المَصدَرِ لا زِيادةَ البُرهان. الياءُ انسِيابٌ لا يَقِفُ عِندَ حَدّ، فالمِراءُ لا يَنتَهي بِطَبعِه: كُلُّ دَليلٍ جَديدٍ يُقَدَّمُ لَه يَصيرُ مَحَلّاً لِمَسّةٍ أُخرى. ولِذلك لم يُجِبِ المُصحَفُ المُمتَريَ بِبَيِّنةٍ أُخرى في المَوضِعَينِ، بَل بِجُملةٍ واحِدةٍ تُسَمّي المَصدَر: «الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ». اليَدُ التي لا تَشبَعُ لا تُوقَفُ بِقَطرةٍ أُخرى، وإنَّما بِأن يُقالَ لَها مِمَّن هذا.
الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن
مَوضِعانِ وصيغةٌ واحِدةٌ لا تَتَغَيَّرُ حَرفاً:
- اسمُ الفاعِلِ من الافتِعالِ مَجموعاً مُعَرَّفاً «الْمُمْتَرِينَ»
(٢:١٤٧ و٣:٦٠): مَجرورٌ بِـ«مِن» في المَوضِعَين، وهو خَبَرٌ لِفِعلٍ ناقِصٍ مَنهيٍّ عنه.
ولا يَرِدُ من الجَذرِ ماضٍ ولا مُضارِعٌ ولا أمرٌ ولا مَصدَرٌ ولا مُفرَدٌ، ولا تَرِدُ «مِريَة» ولا «يُماري» في السُّوَرِ المَنشورة. فالجَذرُ في المُسَجَّلِ لا يوصَفُ بِه أحَدٌ بِعَينِه ولا يُنسَبُ إلى فاعِلٍ مُسَمًّى، ولا يُذكَرُ إلّا مَنهِيّاً عنه، ولا يُذكَرُ إلّا جَمعاً.
والذي يَتَغَيَّرُ بَينَ المَوضِعَينِ لَيسَ الجَذرَ بَل ما حَولَه: «تَكُونَنَّ» بِنونِ التَّوكيدِ الثَّقيلةِ في البَقَرة، و«تَكُن» مَجزوماً بِلا تَوكيدٍ في آلِ عِمران. فالمَنهيُّ عنه واحِدٌ ودَرَجةُ التَّشديدِ اثنَتان، وهذا هو مَوضِعُ القِراءةِ في القِسمِ الرّابِع.
الفُروق المَعنويّة: مَفاهيمُ مُجاوِرةٌ من جُذورٍ أُخرى
rayb(الرَّيب، ر-ي-ب): والرَّيبُ اضطِرابٌ يَستَرسِلُ في الباطِنِ
حتّى يَطفوَ ويُزَعزِعَ الاتِّجاه، فهو حالٌ تَجري بِصاحِبِها. والمِراءُ عَمَلٌ يُزاوِلُه صاحِبُه: مَسٌّ يُعيدُه بِيَدِه. ولِذلك يُقالُ «لَا رَيْبَ فِيهِ» فيُنفى عن الشَّيءِ، ولا يُقالُ في هذا الجَذرِ مِثلُه، وإنَّما يُنهى الشَّخصُ عن أن يَنتَسِبَ إلى قَومٍ يَفعَلونَه. فالرَّيبُ يوصَفُ بِه المَشكوكُ فيه، والمِراءُ لا يوصَفُ بِه إلّا الشّاكّ.
yaqin(اليَقين، ي-ق-ن): واليَقينُ رُسوخٌ يَبلُغُ القاعَ
فيَستَقِرُّ ولا يَتَزَعزَع، وفيه قافٌ تَحسِمُ وتَعقِد. ولا قافَ في م-ر-ي ولا ما يَقومُ مَقامَها، فلَيسَ في الجَذرِ ما يُغلِق. فالمُقابَلةُ بَينَهُما مُقابَلةُ ما يَصِلُ القاعَ فيَسكُنُ وما يَظَلُّ يَمَسُّ السَّطحَ فلا يَسكُن.
jadal(الجَدَل، ج-د-ل): والجِدالُ تَضفيرٌ يَشُدُّ كُلَّ طَرَفٍ
إلى رَأيِه، وهو مُفاعَلةٌ بَينَ اثنَينِ وبِالقَول. والمِراءُ في المُسَجَّلِ افتِعالٌ في واحِد، لا يُذكَرُ لَه مُخاطَبٌ ولا قَول. فهُما فِعلانِ مُختَلِفانِ لا دَرَجَتانِ لِفِعلٍ واحِد: الجِدالُ يَقَعُ بَينَ رَجُلَين، والمِراءُ يَقَعُ في رَجُلٍ وَحدَه.
kitman(الكِتمان، ك-ت-م): والكِتمانُ حَبسٌ دَقيقٌ يَلتَصِقُ
بِمَحبوسِه، وهو فِعلُ الغَير. والآيةُ التي قَبلَ ٢:١٤٧ تَنُصُّ علَيه: «وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ». فالفَرقُ بَينَ الجَذرَينِ فَرقُ جِهَتَينِ في مَشهَدٍ واحِد: هؤلاءِ يَحبِسونَ الحَقَّ وهُم يَعلَمونَه، وذاكَ يُنهى عن أن يَستَدِرَّ يَقينَ نَفسِه وهو يَعلَمُه أيضاً.
ilm(العِلم، ع-ل-م): والعِلمُ ما يَطفو من العُمقِ فيَستَقِرُّ
مُنتِجاً فِعلاً. والمَوضِعانِ كِلاهُما مَحفوفانِ بِعِبارةٍ واحِدة. في ٢:١٤٥ «مِّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ»، وفي ٣:٦١ «مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ». فالمِراءُ في المُصحَفِ لا يُذكَرُ في مَوضِعِ نَقصِ العِلمِ بَل في مَوضِعِ تَمامِه، وهو ما يَبقى مُمكِناً بَعدَ أن يَجيءَ العِلم.
haqq(الحَقّ، ح-ق-ق): والحَقُّ الخالِصُ الثّابِتُ الذي لا
تُزَحزِحُه قُوّة. وهو في المَوضِعَينِ مُبتَدَأٌ سابِقٌ على النَّهي، لا جَواباً بَعدَه. فيَتَبَيَّنُ أنَّ المِراءَ لا يُصيبُ الحَقَّ بِشَيء: الحَقُّ مُقَرَّرٌ قَبلَ أن يُذكَرَ المُمتَرون، والذي يُصابُ هو المُمتَري وَحدَه.
- الشَّكُّ والمِريَة: ولا مَفهومَ لِواحِدٍ منهُما في المُدَوَّنِ
بَعد، ولا تَرِدُ لَفظةُ المِريَةِ في السُّوَرِ المَنشورة. والفَرقُ الذي يُنتَظَرُ تَحقيقُه مَتى سُجِّلا: أنَّ الشَّكَّ اسمٌ لِاستِواءِ الطَّرَفَينِ عِندَ النّاظِر، والمِراءَ اسمٌ لِلعَمَلِ الذي يُبقيهِما مُستَوِيَين.
ghurur(الغُرور، غ-ر-ر): وكِلاهُما يُسَمّي مَوطِئاً كاذِباً،
والفَرقُ في جِهةِ المَجيء. الغُرورُ سِترٌ يَجري على المَرءِ من خارِج، والمِراءُ يَدٌ يَمُدُّها المَرءُ في نَفسِه. ولِذلك اختَلَفَ الجَوابانِ في المُصحَف: الغُرورُ يُجابُ بِمِقدارٍ يُرَدُّ إلى الشَّيءِ («مَتَاعٌ قَلِيلٌ»)، والمِراءُ يُجابُ بِمَصدَرٍ يُذكَرُ لِلحَقّ («الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ»).
المَواضع: مَواقعُ المِراءِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:١٤٧ ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾: قاعِدةُ البَيت. الجَديدُ: يَدخُلُ الجَذرُ المُسَجَّلَ مَنهِيّاً عنه من أوَّلِ مَوضِع، ولا يُذكَرُ فيه فِعلٌ يُنهى بَل انتِسابٌ يُحذَر: لا «لا تَمتَرِ» بَل «لَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ». والنَّهيُ مُوَكَّدٌ بِنونٍ ثَقيلةٍ على «كان»، فهو نَهيٌ عن الكَونِ لا عن العَمَل. ويَسبِقُه «الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ» ثُمَّ وَقفَة، فيَقَعُ النَّهيُ نَتيجةً لا شَرطاً. وما يَضغَطُ على المُخاطَبِ هُنا مَنصوصٌ في الآيةِ التي قَبلَها: قَومٌ يَعرِفونَ الكِتابَ كما يَعرِفونَ أبناءَهُم، «وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ». فالذي قد يَستَدِرُّ اليَقينَ لَيسَ ضَعفَ الدَّليلِ بَل سُكوتَ العالِمينَ بِه. انظُر
haqqوrabbوkitmanوilm.
- ٣:٦٠ ﴿الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُن مِّنَ الْمُمْتَرِينَ﴾: الجُملةُ نَفسُها بِتَوكيدٍ أخَفَّ وإطارٍ مَقلوب. الجَديدُ: تُعادُ جُملةُ ٢:١٤٧ بِمادَّتِها ويُخَفَّفُ التَّوكيدُ وَحدَه: «تَكُونَنَّ» تَصيرُ «تَكُن» مَجزوماً بِلا نون، وتُدغَمُ نونُها في «مِّنَ» فتَتَّصِلُ الكَلِمَتان. وسَبَبُ التَّخفيفِ في الآيةِ قَبلَها: «خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ»، أي أنَّ الأمرَ قد فُصِلَ بِأقصَرِ ما يُفصَلُ بِه شَيء، فما بَقِيَ ما يَقتَضي تَغليظاً. وفي البَقَرةِ كانَ الضّاغِطُ فِعلَ قَومٍ يَكتُمون، وهُنا الضّاغِطُ غَرابةُ الخَبَرِ نَفسِه، فاختَلَفَ الجِنسانِ فاختَلَفَ التَّوكيد. ثُمَّ تَأتي ٣:٦١ فتُسَمّي الوَجهَ الظّاهِرَ لِما نُهِيَ عن باطِنِه: «فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ»، فيُنهى عن المِراءِ في النَّفسِ ويُعَلَّمُ ما يُصنَعُ بِالمُحاجّةِ في الخارِج، بِهذا التَّرتيب. انظُر
haqqوturabوisaوhujaوilm.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
- مَعَ
haqqوrabbفي ٢:١٤٧ و٣:٦٠: والمُدَوَّنةُ قد قَرَأت
الجُملةَ التَّوأمَ مَرَّتَينِ من طَرَفَينِ مُختَلِفَين: rabb مُسَجَّلٌ على ٢:١٤٧ ولَيسَ على ٣:٦٠، وhaqq مُسَجَّلٌ على ٣:٦٠ ولَيسَ على ٢:١٤٧. فكُلٌّ منهُما أخَذَ نِصفَ الزَّوج، وهذا المَفهومُ أوَّلُ ما يَجمَعُهُما. والفائِدةُ في الجَمعِ أنَّ الفَرقَ بَينَ المَوضِعَينِ لَيسَ في «الحَقّ» ولا في «الرَّبّ» وهُما ثابِتانِ حَرفاً بِحَرف، بَل في التَّوكيدِ وفيما يَكتَنِفُ الجُملة.
- مَعَ
turabوisaفي ٣:٥٩-٣:٦٠: آيَتانِ مُتَتالِيَتان،
وturab مُسَجَّلٌ على الأولى وهذا المَفهومُ على الثّانية. وturab يَقرَأُ أضعَفَ ما في الأرضِ تَماسُكاً وقد أُقيمَ بِأمر، وهذا المَفهومُ يَقرَأُ ما يَعرِضُ لِلنّاظِرِ بَعدَ سَماعِ ذلك. والقارِئُ الذي يَقرَأُهُما مَعاً يَرى أنَّ الجَوابَ عن «كَيفَ يَكون» لم يَكُنْ زِيادةً في الشَّرحِ بَل ذِكراً لِلمَصدَر.
- مَعَ
kitmanوilmفي ٢:١٤٥-١٤٧: ثَلاثةُ مَفاهيمَ في سِياقٍ
واحِد. ilm يَقرَأُ ما جاءَ المُخاطَبَ، وkitman يَقرَأُ ما حُبِسَ عن النّاس، وهذا المَفهومُ يَقرَأُ ما يُخشى أن يَقَعَ في المُخاطَبِ من مَجموعِهِما.
- مَعَ
hujaفي ٣:٦٠-٣:٦١: وhujaيَقرَأُ المُحاجّةَ وقد سَجَّلَ
صيغةَ «يُحاجُّ» في مَفهومِه، وهذا المَفهومُ يَقرَأُ ما نُهِيَ عنه في النَّفسِ قَبلَها بِآية. والقِسمةُ بَينَهُما هي القِسمةُ بَينَ باطِنٍ يُنهى عنه وظاهِرٍ يُعَلَّمُ كَيفَ يُواجَه.
- مَعَ
ghururفي بِناءِ المُدَوَّن: المَفهومانِ لا يَلتَقِيانِ
في آيةٍ واحِدة، والتِقاؤُهُما في القِسمة: ذاكَ يُسَمّي المَوطِئَ الكاذِبَ الآتيَ من خارِج، وهذا يُسَمّي المَوطِئَ الذي يَصنَعُه صاحِبُه في نَفسِه.
الإشكالات المَفتوحة
- أهُوَ من م-ر-ي أم من م-ر-أ؟ القائِمةُ عَرَضَت الجَذرَينِ
مَعاً. و«الْمُمْتَرِينَ» اسمُ فاعِلٍ من افتَعَلَ ناقِصٍ آخِرُه ياء، فهو من م-ر-ي بِصيغَتِه. وأمّا م-ر-أ فالمُصحَفُ المَنشورُ يَكتُبُ منه «الْمَرْءِ» و«امْرَأَتُ» و«وَامْرَأَتَانِ» و«وَامْرَأَتِي» و«وَامْرَأَتُهُ»، وهي في الإنسانِ وزَوجِه لا في الشَّكّ. فلَم يُسَجَّلْ في حَقلِ الجَذرِ إلّا م-ر-ي، وتُرِكَ م-ر-أ بِلا مالِكٍ عَمداً لِيَبقى مَعروضاً لِمَن يَكتُبُ مَفهومَ المَرءِ أو المَرأة. والمَسألةُ لُغَوِيّةٌ مَفتوحة: مَن رَأى أنَّ المِراءَ من الاستِدرارِ ألحَقَه بِالياء، ومَن رَآهُ من مَعنًى آخَرَ فلَه أن يُراجِعَ، والقِسمةُ مُعلَنةٌ هُنا.
- مَوضِعانِ فَقَط، وهُما جُملةٌ واحِدة. أيُقرَأُ جَذرٌ من جُملةٍ لا
تَتَغَيَّرُ؟ الذي قُرِئَ هُنا لَيسَ تَنَوُّعَ الصِّيَغِ إذ لا تَنَوُّعَ فيها، بَل الإطارَين: ما قَبلَ الجُملةِ وما بَعدَها في كُلٍّ من السّورَتَين، ودَرَجةَ التَّوكيد. وهذا مَنهَجٌ يَصِحُّ حَيثُ يَتَكَرَّرُ اللَّفظُ بِعَينِه، ولا يُغني عن مَواضِعَ جَديدةٍ إن سُجِّلَت سُوَرٌ فيها «تَمتَرون» و«مِريَة».
- هَل يُبنى شَيءٌ على عَلامةِ الوَقفِ في ٢:١٤٧؟ نَصُّ المُدَوَّنةِ
يَضَعُ وَقفاً بَعدَ «مِن رَّبِّكَ» في البَقَرةِ ولا يَضَعُه في آلِ عِمران، فتَجري الآيةُ الثّانيةُ في نَفَسٍ واحِد. ولم يُبنَ على هذا حُكمٌ في القِسمِ الرّابِع لِأنَّ عَلاماتِ الوَقفِ طَبَقةُ ضَبطٍ لاحِقة، وإنَّما ذُكِرَ مُوافِقاً لِما دَلَّ علَيه التَّوكيدُ نَفسُه. ومَن رَأى الاستِدلالَ بِها وَحدَها فقد زادَ على النَّصّ.
- وُجوهُ الياءِ في القانونِ ضَعيفةُ الإسناد. الثّالِثُ من أحرُفِ
هذا الجَذرِ هو أقَلُّها شُهوداً في السِّجِلّ، فالسّاقُ الثّالِثةُ من القِسمِ الأوَّل أوهى الثَّلاث. ولَو سَقَطَت لَبَقِيَ المَعنى: مُلاصَقةٌ ومَسٌّ مُتَكَرِّر، ولَسَقَطَ مِنه وَجهُ «لا يَبلُغُ غاية»، وهو الذي يُفَسِّرُ لِمَ كانَ الجَوابُ مَصدَراً لا بُرهاناً. فالمَسألةُ مَوقوفةٌ على تَقوِيةِ إسنادِ الياءِ في القانونِ لا على هذا المَفهوم.