البقرة · الآية 147

﴿الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ ۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ ۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ

الْحَقُّ بِالألفِ واللامِ، ومِن رَّبِّكَ بِحَرفِ الابتِداء

جاءَ الْحَقُّ مُعَرَّفاً بِألِفٍ ولامٍ تُفيدانِ الاستِغراقَ والحَصر، فهو الحَقُّ بِالمِقدارِ الذي يَنفي ما سِواه، وهو غَيرُ «حَقٌّ» النَّكِرةِ التي يَحتَمِلُ مَعَها حَقٌّ آخَر. ثُمَّ جاءَ مِن رَّبِّكَ بِحَرفِ مِن لِابتِداءِ الغاية، وفيه إشارةٌ إلى المَنبَعِ الذي تَدَفَّقَ مِنه الحَقّ. وعُدِلَ عن «من اللهِ» إلى مِن رَّبِّكَ بِإضافةِ الرُّبوبيّةِ إلى كافِ المُخاطَب، وهذا أخَصُّ وأقرَب. والرَّبُّ في (ر ب ب) المُنشِئُ المُدَبِّرُ بِعِنايةٍ مُتَواصِلة، فالحَقُّ الواصِلُ إلى المُخاطَبِ تَدبيرٌ شَخصيٌّ من الرَّبِّ الذي يَرعاهُ بِاسمِه، وليسَ نَصّاً مُرسَلاً من بَعيد. وهذه الإضافةُ تَستَبِقُ الأمرَ التّالي بِالثَّبات، ومَن عَلِمَ أنّ الحَقَّ يَأتيه من رَبٍّ يَتَعَهَّدُه لا يَمتَري.

فَلَا تَكُونَنَّ: فاءُ السَّبَبيّةِ + لا النَّاهية + نونُ التَّوكيدِ الثَّقيلة

والنَّهيُ هنا مُرَكَّبٌ من ثَلاثةِ عَناصِرَ لا يَجتَمِعُ مِثلُها إلّا في المَواقِفِ الحاسِمة: الفاءُ التي تَجعَلُ النَّهيَ مُتَرَتِّباً على مَضمونِ الصَّدر، ولا النّاهيةُ الجازِمة، ونونُ التَّوكيدِ الثَّقيلةُ التي تَرفَعُ النَّهيَ إلى أقصى دَرَجاتِه. ولَمّا كانَ ثُبوتُ الحَقِّ في الصَّدرِ يَقينيّاً جاءَ النَّهيُ عن نَقيضِه بِالدَّرَجةِ نَفسِها من الحَسم. وصيغَ النَّهيُ بِالمُضارِعِ تَكُونَنَّ دونَ فِعلٍ يَدُلُّ على فِعلٍ واحِدٍ مُعَيَّن، فالمَنهيُّ عنه حالٌ مُستَمِرّة، لا تَصَرُّفٌ عابِر.

(م ر ي): الامتِراءُ جَرَيانٌ لا يَنقَطِع، لا شَكٌّ يَسأل

و(م ر ي) في نَواتِها ميمٌ تَلحَمُ وتَضُمّ، وراءٌ تَستَرسِلُ مُتَواصِلة، فالنَّواةُ (مر) تُعطي مَعنى الجَرَيانِ المُتَلاصِقِ المُمتَدّ، ومنها مَرَّ الشَّيءُ إذا جَرى واستَمَرّ. ثُمَّ الياءُ تَصِلُ هذا الجَرَيانَ بِمَن يَفعَلُه، فالامتِراءُ بِصيغةِ الافتِعالِ جَرَيانٌ لا يَنقَطِعُ يَتَبَنّاه الفاعِلُ لِنَفسِه. وبِهذا يَفتَرِقُ عن (ش ك ك): الشَّكُّ نُقطةُ تَوَقُّفٍ أمامَ احتِمالَينِ مُتَكافِئَينِ قد تُحسَمُ بِدَليل، والمِريةُ جَرَيانٌ لا يَبحَثُ عن حَسم، يُغَذّي نَفسَه بِنَفسِه. ولم يَنهَ القُرآنُ عن السُّؤالِ الصَّريح، ولا عن التَّثَبُّتِ من دَليل، والذي نَهى عنه الدُّخولُ في دَوَرانٍ يُكَرِّرُ نَفسَه بَعدَ أن استَقَرَّ الحَقّ، فالسُّؤالُ مَحَلُّه قَبلَ البَيان، والمِريةُ بَعدَه.

مِنَ الْمُمْتَرِينَ: النَّهيُ عن الانتِماءِ إلى صِنف، لا عن تَصَرُّفٍ فَرديّ

وعُدِلَ عن «فَلا تَمتَرِ» إلى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ، والنَّهيُ فيه عن الانتِماءِ إلى فِئة، زيادةً على ارتِكابِ الفِعل. وهذه صيغةٌ تَعتَني بِالمَوقِعِ أكثَرَ من الفِعل، والامتِراءُ عِندَ مُمارَسَتِه مَرّةً قد يَكونُ زَلّة، لكنّه حينَ يَصيرُ صِفةً يَنتَسِبُ صاحِبُها إلى جَماعةٍ كامِلةٍ تَفعَلُ ذلك يَكونُ قد تَحَوَّلَ إلى انتِماء. ولذلك خُتِمَتِ الآيةُ بِالجَمعِ الْمُمْتَرِينَ دونَ المُفرَد، وثَمّةَ جَماعةٌ كامِلةٌ تَعيشُ في دَوَرانِ المِرية، والمَطلوبُ ألّا يُلحَقَ بِها المُخاطَب.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة، والمِريةُ في الكَلِمةِ جَرَيانٌ مُتَواصِلٌ لا يَطلُبُ حَسماً، لا شَكٌّ يَقبَلُ الإجابة، فالمَنهيُّ هو الانتِماءُ إلى صِنفِ المُتَرَدِّدين، لا السُّؤالُ عن الدَّليل.


حَصيلة

جاءَ الْحَقُّ﴾ مُعَرَّفاً بِالألِفِ واللّامِ الاستِغراقيّةِ لا نَكِرةً يَحتَمِلُ مَعَه حَقٌّ آخَر، ثُمَّ أُسنِدَ بِـمِن رَّبِّكَ﴾ حَرفَ الابتِداءِ دونَ «من الله» بِعُموم، وإضافةُ الرُّبوبيّةِ إلى كافِ المُخاطَبِ تَجعَلُ الحَقَّ الواصِلَ تَدبيراً شَخصيّاً من الرَّبِّ الذي يَرعى مُخاطَبَه بِاسمِه. ومن هنا يَجيءُ النَّهيُ بِأقصى تَركيبٍ لُغَويٍّ مُمكِن: فاءُ السَّبَبيّةِ ولا النّاهيةُ ونونُ التَّوكيدِ الثَّقيلةُ في فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾. وجَذرُ (م-ر-ي) في نَواتِه (مر) جَرَيانٌ مُتَلاصِقٌ مُستَرسِل، فالامتِراءُ بِصيغةِ الافتِعالِ جَرَيانٌ لا يَنقَطِعُ يَتَبَنّاه الفاعِلُ لِنَفسِه، ويَختَلِفُ عن الشَّكِّ الصّادِقِ الذي يَقِفُ أمامَ احتِمالَينِ ويَطلُبُ الحَسم، والامتِراءُ بَعدَ البَيانِ دَوَرانٌ يُغَذّي نَفسَه ولا يَبحَثُ عن إجابة. وصيغةُ النَّهيِ بِـمِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ دونَ «فلا تَمتَرِ» تُحَوِّلُ الحُكمَ من مَنعِ فِعلٍ عابِرٍ إلى نَهيٍ عن الانتِسابِ إلى صِنف، والمُمتَري حينَ يُمارِسُ الدَّوَرانَ يَدخُلُ في جَماعةٍ كامِلةٍ تَعيشُ في الدَّوَران.