التُّراب

turab جذر · ت-ر-ب 6 مَواضِعَ في القرآن
التَّعريف الجَذريّ
أجزاءٌ تَمَّ قَطعُها فجَرَت مُستَرسِلةً، ثُمَّ اتَّصَلَت بِما تَلقاه وتَمَسَّكَت بِه. لَيسَ التُّرابُ اسماً لِلأرضِ ولا لِمادّةِ الطّين، بَل لِالطَّبَقةِ العُليا التي لا تَتَماسَكُ بِنَفسِها: تُماسُّ ولا تُمازِج، وتَجري فتُزال، وتَتَمَسَّكُ بِما تَلقاه. ومن هُنا يَجتَمِعُ في الجَذرِ ما لا يَجمَعُه لَفظُ «الغُبار»: التَّرائِبُ لِعِظامِ الصَّدرِ القَريبةِ من السَّطح، والمَترَبةُ لِحالِ مَن لَصِقَ بِالأرضِ فلَم يَبقَ بَينَه وبَينَها شَيء.

تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر

ثلاثةُ حُروف:

  • ت: انفِتاحٌ خاطِفٌ لِطَرَفِ اللِّسانِ عن أُصولِ الثَّنايا يَقطَعُ الحَدَثَ ويُتِمُّه. شِحنَتُه: القطعُ والتمامُ والانفلات.
  • ر: خَفَقاتٌ خَفيفاتٌ لِطَرَفِ اللِّسانِ على اللِّثة، والنَّفَسُ يَجري من تَحتِها مُستَرسِلاً. شِحنَتُه: الجريانُ المسترسِل.
  • ب: التِقاءٌ رَخوٌ لِلشَّفَتَينِ يُمسِكُ ما بَينَهُما. شِحنَتُه: الاتصالُ والتمسُّك.

النَّواةُ تر (ت + ر) = قَطعٌ يُتِمُّ الحَدَثَ ثُمَّ يَجري ما بَعدَه مُستَرسِلاً. ثُمَّ ب تَصِلُ هذا الجاريَ بِما يَلقاه فيَتَمَسَّكُ بِه. فالجَذرُ كُلُّه: أجزاءٌ تَمَّ قَطعُها فجَرَت مُستَرسِلةً، ثُمَّ اتَّصَلَت بِما تَلقاه وتَمَسَّكَت بِه.

وهاتانِ خَصيصَتانِ لِلتُّرابِ لا تُوجَدانِ في الطّين: أنَّه لا يُمازِجُ ما تَحتَه، وأنَّه يَنتَقِلُ بِأدنى دافِع.

وما تَدفَعُه هذه القِراءة: أنَّ ٨٦:٧ تَضَعُ التَّرائِبَ مُقابِلةً لِالصُّلب في عِبارةٍ واحِدة. ولَو كانَ الجَذرُ اسماً لِلغُبارِ لَما كانَ لِتَسمِيةِ عِظامٍ بِه وَجه. وعلى هذا الأصلِ التَّسمِيةُ مُطابِقة: الصُّلبُ هو القِوامُ الدّاخِليُّ المُتَماسِك، والتَّرائِبُ هي العِظامُ القَريبةُ من السَّطحِ، فالجَذرُ يُسَمّي المَوضِعَ الخارِجيَّ الرَّقيقَ في مُقابَلةِ الباطِنِ الصُّلب. وهذه المُقابَلةُ بِعَينِها هي التي تُقيمُها ٢:٢٦٤: تُرابٌ على صَفوان.

الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن

سِتّةُ مَواضِعَ في السُّوَرِ المَنشورة، وسِتُّ صِيَغٍ لا تَتَكَرَّرُ واحِدةٌ منها:

  • الاسمُ مَرفوعاً مُنَوَّناً «تُرَابٌ» (٢:٢٦٤): وهو مُبتَدَأٌ

مَحمولٌ على غَيرِه، «عَلَيْهِ تُرَابٌ».

  • الاسمُ مَجروراً مُنَوَّناً «تُرَابٍ» (٣:٥٩): وهو بَعدَ «مِن»

لِلأصلِ والمادّة.

  • الجَمعُ مَنصوباً مُنَوَّناً «أَتْرَابًا» (٧٨:٣٣): جَمعُ تِربٍ، وهو

الوَجهُ الوَحيدُ الذي يوصَفُ بِه أشخاصٌ لا مادّة: النِّسبةُ بَينَ مَن نَشَؤوا على تُرابٍ واحِد.

  • الاسمُ مَنصوباً مُنَوَّناً «تُرَابًا» (٧٨:٤٠): خَبَرُ «كانَ» في

تَمَنٍّ، «يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا»، فهو المَصيرُ المُتَمَنّى لا المادّةُ المَخلوقُ منها.

  • الجَمعُ مُعَرَّفاً «وَالتَّرَائِبِ» (٨٦:٧): وهو الوَجهُ

التَّشريحيُّ الوَحيد.

  • الاسمُ على وَزنِ مَفعَلة «مَتْرَبَةٍ» (٩٠:١٦): وهي صيغةُ المَكانِ أو الحال، أي

مَوضِعُ التُّرابِ أو حالُ مُلابَستِه.

ولا يَرِدُ من الجَذرِ فِعلٌ البَتّة في المُسَجَّل، لا ماضٍ ولا مُضارِعٌ ولا أمر. وهذا مُوافِقٌ لِلمادّة: التُّرابُ مَفعولٌ بِه دائِماً، يُخلَقُ منه ويُوضَعُ عَلَيه ويُلابَس، ولا يَفعَل. وسِتُّ صِيَغٍ في سِتّةِ مَواضِعَ بِلا تَكرارٍ نِسبةٌ عالِيةٌ لا تُرى في جَذرٍ صَغير.

الفُروق المَعنويّة: مَفاهيمُ مُجاوِرةٌ من جُذورٍ أُخرى

  • safwan (الصَّفوان، ص-ف-و): والمَوضِعُ يَجمَعُهُما في عِبارةٍ

واحِدةٍ في ٢:٢٦٤، فالفَرقُ مَنصوصٌ لا مُستَنبَط: الصَّفوانُ أملَسُ صُلبٌ لا يَنفُذُ فيه شَيء، والتُّرابُ دَقيقٌ يَعلوهُ ولا يَدخُلُه. وهُما مَعاً يُصَوِّرانِ طَبَقَتَين، لا خَليطاً واحِداً.

  • sulb (الصُّلب، ص-ل-ب): والمُقابَلةُ في ٨٦:٧ صَريحة. الصُّلبُ

ما تَماسَكَ في الباطِن، والتَّرائِبُ ما قَرُبَ من الظّاهِر. فالجَذرانِ يَقتَسِمانِ البَدَنَ قِسمةَ داخِلٍ وخارِج.

  • الطّينُ والحَمَإُ والصَّلصال: لا مَفهومَ لِأحَدِها في المُدَوَّنِ

بَعد. والحَمَأُ والصَّلصالُ لا يَرِدانِ في السُّوَرِ المَنشورة، وأمّا الطّينُ فيَرِدُ فيها مَوضِعَين: ٣:٤٩ ﴿أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ﴾ و١٧:٦١ ﴿خَلَقْتَ طِينًا﴾، وكِلاهُما في الخَلقِ كما ٣:٥٩ في هذا المَفهوم. والفَرقُ الذي يُنتَظَرُ تَحقيقُه مَتى كُتِبَ مَفهومُه: الطّينُ تُرابٌ خالَطَه ماءٌ فتَماسَك، فهو ضِدُّ ما يُسَمّيه هذا الجَذرُ لا نَظيرُه.

  • nabat (النَّبات، ن-ب-ت): النَّباتُ ما خَرَجَ من الأرضِ صاعِداً

مُتَماسِكاً، والتُّرابُ ما بَقِيَ عَلَيها مُنفَرِطاً. والمَثَلانِ في ٢:٢٦٤ و٢:٢٦٥ يُقابِلانِ بَينَهُما: هُنا وابِلٌ يَترُكُ الصَّفوانَ صَلداً، وهُناكَ وابِلٌ يُؤتي الجَنّةَ أُكُلَها ضِعفَين. ماءٌ واحِدٌ ومَحَلّانِ.

المَواضع: مَواقعُ التُّرابِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)

  • ٢:٢٦٤ ﴿كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾: قاعِدةُ البَيت. الجَديدُ: يَظهَرُ التُّرابُ

لِأوَّلِ مَرّةٍ مَحمولاً على غَيرِه بِحَرفِ «عَلى»، فيَتَبَيَّنُ أنَّ المَقصودَ الطَّبَقةُ لا المادّة. والمَثَلُ لا يُبطِلُ الصَّدَقةَ لِأنَّها قَليلة، بَل لِأنَّها لم تَتَّصِلْ بِما تَحتَها: صَفوانٌ لا يَنفُذُ فيه شَيء، وتُرابٌ يُماسُّ ولا يَدخُل، ووابِلٌ يَكشِفُ الحالَ ولا يُنشِئُها. ولِذلك ذُكِرَ الرِّئاءُ قَبلَه: الرِّياءُ عَمَلٌ في الطَّبَقةِ الظّاهِرة. انظُر safwan وsadaqa وriya2.

  • ٣:٥٩ ﴿خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾: أصلُ

الإنسانِ طَبَقةٌ لا تَتَماسَك. الجَديدُ: يَنتَقِلُ التُّرابُ من مَحمولٍ إلى مادّةٍ يُخلَقُ منها، ويُختارُ لِلأصلِ أضعَفُ ما في الأرضِ تَماسُكاً. والآيةُ تَجعَلُ الأمرَ («كُن») هو ما أقامَ ما لا يَقومُ بِنَفسِه، فيَظهَرُ أنَّ تَمَسُّكَ الخِلقةِ يَأتيها من غَيرِها كما يَتَمَسَّكُ التُّرابُ بِما يَلقاه. ويُقاسُ عيسى على آدَمَ بِهذا، لا بِالنَّسَب. انظُر khalq وinsan.

  • ٧٨:٣٣ ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا﴾: الجِذرُ يوصَفُ بِه أشخاصٌ لا أرضٌ ولا عَظم. الجَديدُ: تَخرُجُ المادّةُ من بابِ الطَّبَقةِ ومن بابِ البَدَنِ إلى بابِ النِّسبةِ بَينَ اثنَين: التِّربُ مَن نَشَأَ على تُرابٍ واحِدٍ فاستَوى بِصاحِبِه، فالتَّساوي في المَنشَإِ لا في قَدرٍ يُوزَنُ ولا في سِنٍّ يُعَدّ. وهذا يَشُدُّ ما تَقَدَّمَ من أنَّ الجَذرَ يُسَمّي مَوضِعاً يُلابَسُ لا مادّةً تُمازَج. والوَصفانِ في الآيةِ مُتَقابِلان: أحَدُهُما بُروزٌ يُبَيِّنُ ما كانَ باطِناً، والآخَرُ نَشءٌ يُسَوّي، فلا يَصيرُ البُروزُ تَفاضُلاً ولا يَصيرُ التَّساوي مَحواً. انظُر nabat.
  • ٧٨:٤٠ ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا﴾: التُّرابُ مُتَمَنّىً في الانتِهاء. الجَديدُ: كانَ الاسمُ في ٣:٥٩ مادّةً يُخلَقُ منها ابتِداءً، ويُطلَبُ هُنا مَصيراً في الانتِهاءِ خَبَراً لِـ«كانَ» في تَمَنٍّ. والطَّلَبُ بِالماضي «كُنتُ» لا بِالحاضِر، فلا يُطلَبُ انقِلابٌ الآنَ بَل يُطلَبُ ألّا يَكونَ هُناكَ أحَدٌ يُنظَرُ إلَيه. وقائِلُه مَوصوفٌ بِفِعلِ السَّترِ لا مُسَمّىً بِاسمِه، فيَنتَهي مَن قَضى أمرَهُ يَستُرُ إلى أن يَتَمَنّى أن يَكونَ هو السِّتر. انظُر kufr وinsan.
  • ٨٦:٧ ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾: التَّرائِبُ

في مُقابَلةِ الصُّلب. الجَديدُ: يَخرُجُ الجَذرُ من بابِ الأرضِ إلى بابِ البَدَن، فتُسَمّى بِه عِظام، وهذا لا يَستَقيمُ على مَعنى الغُبارِ ويَستَقيمُ على مَعنى الطَّبَقةِ القَريبةِ من السَّطح. والمُقابَلةُ نَفسُها التي في ٢:٢٦٤ (صُلبٌ تَحت، ودَقيقٌ فَوق) تُعادُ هُنا في جَسَدٍ حَيّ. ويُذكَرُ قَبلَه «مِن مَّاءٍ دَافِقٍ» (٨٦:٦)، فيَكونُ الخارِجُ سائِلاً بَينَ صُلبٍ ورَقيق. انظُر sulb وinsan.

  • ٩٠:١٦ ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾: الفَقرُ يُسَمّى

بِالالتِصاقِ لا بِالعَدَم. الجَديدُ: يُوصَفُ المُعدِمُ بِما يُلابِسُه لا بِما يَفقِدُه، فلا يُقالُ «ذا فاقة» بَل «ذا مَترَبة»، أي بَينَه وبَينَ الأرضِ لا شَيء. والآيةُ التي قَبلَها «يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ» (٩٠:١٥) على وَزنِها بِحَرفِه، فيُوصَفُ اثنانِ بِصيغةٍ واحِدةٍ ومَعنَيَينِ مُتَقابِلَين: هذا تُقَرِّبُه رَحِمٌ، وهذا تُلصِقُه أرض. انظُر miskin وyatim.

التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى

  • مَعَ safwan في ٢:٢٦٤: المَفهومانِ يَقرَآنِ المَثَلَ نَفسَه من

طَبَقَتَيه. safwan يَقرَأُ ما لا يَنفُذُ فيه شَيء، وهذا المَفهومُ يَقرَأُ ما اعتَلاهُ فلَم يَنفُذ. ولا يَتِمُّ المَثَلُ بِأحَدِهِما.

  • مَعَ sulb في ٨٦:٧: القِسمةُ نَفسُها مُنتَقِلةً إلى البَدَن،

وهي أوضَحُ شاهِدٍ على أنَّ الجَذرَ يُسَمّي مَوضِعاً لا مادّة.

  • مَعَ khalq في ٣:٥٩: khalq يَقرَأُ التَّقديرَ وإحكامَ الحَدّ،

وهذا المَفهومُ يَقرَأُ ما وَقَعَ عَلَيه التَّقدير، وهو أضعَفُ ما في الأرضِ تَماسُكاً. والفائِدةُ في اجتِماعِهِما: التَّقديرُ المُحكَمُ لا يَقتَضي مادّةً مُحكَمة.

  • مَعَ miskin وyatim في ٩٠:١٥-١٦: المَفهومانِ يَقرَآنِ

الشَّخصَين، وهذا المَفهومُ يَقرَأُ الوَصفَ المُشتَرَكَ في وَزنِه: مَقرَبةٌ ومَترَبة، كِلتاهُما «ذو» وكِلتاهُما مَفعَلة.

الإشكالات المَفتوحة

  • هَل «التَّرائِب» من هذا الجَذرِ حَقّاً؟ التَّسمِيةُ مَعقولةٌ على

قِراءةِ الطَّبَقةِ القَريبةِ من السَّطح، ولَيسَت مَنصوصةً في الآية. والمَوضِعُ واحِدٌ في المُسَجَّل، ولا يُوجَدُ في السُّوَرِ المَنشورةِ ما يَختَبِرُها. ولَو فُصِلَت لَبَقِيَ المَفهومُ قائِماً بِثَلاثةِ مَواضِعَ ولَسَقَطَ أقوى شاهِدٍ على أنَّ الجَذرَ يُسَمّي مَوضِعاً لا مادّة. يُترَكُ مَفتوحاً ويُعلَنُ التَّرجيح.

  • «مَترَبة»: مَكانٌ أم مَصدَرٌ مِيميّ؟ إن كانَت مَكاناً فالمَعنى

«صاحِبَ مَوضِعٍ تُرابِيّ»، وإن كانَت مَصدَراً فالمَعنى «صاحِبَ التِصاقٍ بِالتُّراب». والوَزنُ يَحتَمِلُهُما، و«مَقرَبة» التي قَبلَها تَحتَمِلُهُما كَذلك، فلا تَحسِمُ المُقابَلةُ شَيئاً. والفَرقُ عَمَليّ: على الأوَّلِ يَكونُ الوَصفُ لِلمَسكَن، وعلى الثّاني لِلحال.

  • لِمَ لم يَرِدْ من الجَذرِ فِعل؟ الغِيابُ مُطَّرِدٌ في سِتّةٍ من

سِتّة، ويُوافِقُ المادّةَ (التُّرابُ لا يَفعَل)، لكنَّ سِتّةَ مَواضِعَ أقَلُّ من أن يُبنى عَلَيها حُكمُ غِياب. يُنتَظَرُ تَسجيلُ سُوَرٍ أُخرى.

مَواضِعُ هذا المَفهومِ في القرآن