آل عمران · الآية 60

﴿الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُن مِّنَ الْمُمْتَرِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُن مِّنَ الْمُمْتَرِينَ

«الْحَقُّ»: اسمٌ مُعَرَّفٌ يَفتَحُ الحُكم

تَأتي «الحقّ» في صدرِ الآيةِ معرّفةً، فتَضعُ المذكورَ في مقامِ الثبوت. والحقُّ من ح-ق-ق، ومَدارُه تضييقٌ يَحتوي الأمرَ في باطنه، ثمّ يَعقدُه في التئامٍ عميق، ويُضاعفُ تكرارُ القافِ هذا العقدَ حتى يَقطعَ التفلّت. فالثبوتُ معنىً أُحكمت أجزاؤه وصارَ قابلاً لأن يقومَ عليه الحكم، وتَجمعُ البدايةُ الاسمَ والتعريفَ والثبوتَ قبلَ تسميةِ مصدره.

«مِن رَّبِّكَ»: الحَقُّ يَرجِعُ إلى رِعايةٍ تَبلُغُ السّامِع

وتَصلُ «من» الحقَّ بمبدئه: «ربّك»، فتُرجعه إلى الرّبِّ قبلَ نظرِ المخاطبِ وخلافِ المختلفين. والربوبيّةُ من ر-ب-ب جريانٌ مسترسلٌ يتصلُ بالمحلِّ ويتمسّكُ به، ثمّ يضاعفُ الحرفُ المكرّرُ هذه الصلةَ حتى تثبتَ الرعاية. والإضافةُ في «ربّك» تُوصلُ خطابَ الحقِّ بعلاقةِ رعايةٍ تبلغُ السامع؛ فمصدرُه ربٌّ أُضيفَ إليه وهو يسمع.

«فَلَا تَكُن»: الإخبارُ يَنقلِبُ إلى حَدٍّ في المَوقِف

وتأتي الفاءُ فتَربِطُ النَّتيجةَ بما ثَبَتَ قبلَها، وما دامَ الحقُّ من الرَّب يَخرُجُ من هذا الخَبَرِ توجيهٌ: «لا تكن». والكَونُ من ك-و-ن إمكانٌ مَمسوكٌ يُحبَسُ في باطِن، ثمّ يَنبَعِثُ إلى الظُّهور. والنَّهيُ يَمنَعُ أن يَصيرَ المُخاطَبُ في حالٍ مُتَكَوِّنةٍ يَنتَسِبُ إليها، ولا يَتَعَلَّقُ بخاطِرٍ عابِرٍ لم يَثبُت. وعُدِلَ عن الاقتِصارِ على «لا تَمتَرِ» إلى «لا تكن من»، فوُجِّهَ النَّهيُ إلى الدُّخولِ في صِفةٍ وجَمعٍ يَحمِلانِها.

«مِّنَ الْمُمْتَرِينَ»: التَّردُّدُ يَصيرُ طَبيعةً قائمةً لا سُؤالاً عابِراً

والمِريةُ من م-ر-ي امتِساكٌ في باطنٍ يَجري مُستَرسِلاً من غيرِ أن يَرسو، ثمّ يَمتَدُّ في لِينٍ وسَريان، فهي تَردُّدٌ يُديمُ حَرَكَتَه ولا يَنعَقِدُ على ثَبات. و«الممترين» اسمُ فاعِلٍ يَجعَلُ هذا التَّردُّدَ طبيعةً فاعِلةً مُستَمِرّة، لا سؤالاً واحِداً يُطلَبُ له بيان. والجَمعُ يَعرِضُ صَفّاً تَجتَمِعُ فيه هذه الطَّبيعة، و«من» تَنهي المُخاطَبَ عن أن يكونَ واحِداً منه. وبذلك تُقابِلُ الخاتِمةُ بينَ حَقٍّ مَعقودٍ ثابتٍ ومِريةٍ تَجري بلا رُسوّ، وبينَ مَصدَرٍ مُسمّى وحالٍ يُنهى عن الانتِسابِ إليها.


حَصيلة

تَضغطُ الآيةُ المسارَ في جملتين: ثبوتٌ ثمّ نتيجة. و«الحقّ» اسمٌ معرّفٌ تُحكمُ مادّتُه العقد، و«من ربّك» تَصلُ هذا الثبوتَ بمصدرِ الرعايةِ المضافِ إلى المخاطب، ومن هذه الصلةِ تَخرجُ الفاءُ بالنهي عن كونٍ تَصيرُ فيه المِريةُ صفةً مستمرّة. فتقومُ مقابلةٌ بنيويّةٌ بينَ عقدٍ يَثبتُ من مصدره وتردّدٍ يَجري ولا يستقر.