القَيِّمة
إحاطةٌ حازِمةٌ جامِعةٌ تَحمِل: ما أمسَكَ ما جَمَعَ فلَم يَنفَرِطْ حتى صارَ مَرجِعاً يُحتَذى، «دينٌ قَيِّم» دينٌ يُمسِكُ أهلَه على أصلِه فلا يَتَبَدَّدون.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
- ق :: انعِقادٌ في العُمقِ يَحتَبِسُ خَلفَه النَّفَسُ مُشتَدّاً،
ووَجهاهُ العَقدُ والالتِئامُ في العُمق والاحتِباسُ والاشتِداد. فالمَبدَأُ عَقدٌ مُشتَدٌّ في الأصل.
- و :: تَستَديرُ الشَّفَتانِ حَلقةً **تَشتَمِلُ على مَجرى
النَّفَسِ من غَيرِ سَدّ، ووُجوهُها ثَلاثة: العَقدُ والإحاطةُ والاحتِواء، والوَصلُ المَمدودُ والرَّبط، والانفِراجُ والإفضاء. فالوَسَطُ إحاطةٌ تَربِطُ ما قَبلُ بِما بَعد، ثُمَّ تَنفَرِجُ فتُفضي بِه**.
- م :: انطِباقٌ ضامٌّ يُمسِكُ النَّفَسَ في جَوفٍ مُغلَق.
فالمُنتَهى ضَمُّ المُحاطِ بِه وإمساكُه.
فالتَّركيبُ: عَقدٌ في الأصل، فإحاطةٌ تَربِط، فضَمٌّ يُمسِك. والذي يُغفَلُ في هذا الجَذرِ أنَّ وَسَطَه إحاطةٌ ورَبط، لا ارتِفاع. فالقِيامُ فيه مَسكُ المَجموعِ لِئَلّا يَنفَرِط، وقَولُنا «قامَ» لِلمُنتَصِبِ فَرعٌ عَن ذلك لا أصلُه. وأمّا تَضعيفُ الياءِ في وَزنِ «قَيِّمة» فيُثَبِّتُ ما في الواوِ من امتِدادٍ ويَجعَلُه صِفةً لازِمة: إحاطةٌ لا تَنفَكّ.
وفي الواوِ وَجهٌ ثالِثٌ لا يَستَغني عنه هذا الجَذر: الانفِراجُ والإفضاء. فالحَلقةُ تَشتَمِلُ على ما فيها ثُمَّ تَنفَرِجُ فتُفضي بِه إلى ما بَعدَها. ولَولا هذا الوَجهُ لَكانَ القَيِّمُ عُقدةً مُحكَمةً لا مَنفَذَ فيها، وحَلقةٌ تُغلَقُ ولا تُفضي عُقدةٌ لا طَريق. ولِذلك احتاجَ ١٧:٩ هذا الوَجهَ بِعَينِه، فإنَّ المَوصوفَ فيه بِـ«أَقْوَمُ» طَريقةٌ يُهدى إلَيها، والطَّريقُ يُمشى فيه، وما لا يُفضي لا يُمشى فيه.
وما تَدفَعُه هذه القِراءة: أنَّ ٩٨:٣ تَصِفُ بِهذا الوَصفِ كُتُباً: «فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ». والكِتابُ لا يَنتَصِب، فلَو كانَ الجَذرُ اسمَ انتِصابٍ لَكانَ الوَصفُ استِعارةً بَعيدة. وعلى وَجهِ الواوِ يَستَقيمُ حَقيقةً: الكِتابُ القَيِّمُ هو الذي يُحيطُ بِمَضمونِه ويُمسِكُه فلا يَنفَرِط. ولِذلك جاءَ في السِّياقِ نَفسِه وَصفٌ آخَرُ لِلوِعاء، «صُحُفًا مُّطَهَّرَةً»، فانقَسَمَ الوَصفُ قِسمَين لا يَنوبُ أحَدُهُما عَنِ الآخَر: طَهارةٌ لِلوِعاء، وإمساكٌ لِلمَضمون.
الصِّيَغ
- القَيِّمة (صِفةٌ مُشَبَّهةٌ على فَيعِلة): الموصوفُ الذي لَصِقَت به صِفةُ القِيامِ لُصوقاً راسِخاً: «كُتُبٌ قَيِّمة» أي كُتُبٌ تُمسِكُ مَضمونَها فلا يَنفَرِط. الفَرقُ بَينَ «القَيِّم» (الوَصفُ المُذَكَّر) و«القَيِّمة» (المُؤَنَّث): هنا وُصِفَت بِها الكُتُبُ (جَمعٌ مُذَكَّرٌ سالِم أو مُؤَنَّث تأويلاً).
- الفَرقُ بَينَ «القَيِّم» و«القَيِّوم»:
- القَيُّوم (فَيعول): الإمساكُ الذَّاتيُّ الأَزَليُّ المُطلَق، مَسكُ الجُملةِ كُلِّها بِلا مُمسِكٍ يُمسِكُه: اسمٌ إِلهيٌّ خاصٌّ بالله.
- القَيِّم/القَيِّمة (فَيعِل/فَيعِلة): صِفةٌ تَصِفُ ما أمسَكَ مَضمونَه فلَم يَنفَرِط من الكُتُبِ أو الأَدْيان.
الجَذرُ قبلَ الوَزن: الإحاطةُ المُمسِكةُ التي تُفضي. وَزنُ فَيعِل يُعطي الصِّفةَ دَوامَها دونَ الإِطلاقِ الإِلهيّ.
الفُروق المَعنويّة: شَعبُ الجَذرِ ق-و-م
qayyum: الإمساكُ الذَّاتيُّ الإِلهيُّ المُطلَق. انظُر القَيُّوم.mustaqim: ق-و-م في شَعبةِ الاستِقامةِ الطَّريقيَّة. انظُر المُستَقيم.iqama: ق-و-م في شَعبةِ فِعلِ الإِقامة. انظُر الإقامة.qawm: ق-و-م في شَعبةِ الجَماعة. انظُر القَوم.maqam: ق-و-م في شَعبةِ المَوضِعِ والمَنزِلة. انظُر المَقام.- القَيِّمة (هذا المَفهوم): شَعبةُ الوَصفِ لِما أمسَكَ ما جَمَعَ فلَم يَنفَرِط: ما يُمسِكُ ويُحتَذى.
المَواضع: مَواقعُ الكَلِمةِ في المُصحَف (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٩٨:٣ ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾: «فيها كُتُبٌ قَيِّمة»، الصُّحُفُ المُطَهَّرةُ تَحتَوي كُتُباً قَيِّمة: وَصفُ «القَيِّمة» يُشيرُ إلى أنَّ هذه الكُتُبَ تُحيطُ بِمَضمونِها وتُمسِكُه فلا يَنفَرِط. الجَمعُ بَينَ «صُحُفٌ مُطَهَّرة» و«كُتُبٌ قَيِّمة» يَصِفُ الوَحيَ من جِهَتَين: طَهارةِ الوِعاءِ وصِحَّةِ المَضمون.
- ٩٨:٥ ﴿وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾: «دينُ القَيِّمة»، العَودةُ إلى الوَصفِ: هذا دينُ الفِطرةِ القَيِّمة (أو دينُ الملَّةِ القَيِّمة). «القَيِّمة» هنا بدونِ مَوصوف ظاهِر، مَضمونُها الدِّيانةُ الراسِخةُ التي وَصَفَتها الآياتُ السَّابِقة.
- ١٧:٩ ﴿يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾: أوَّلُ امتِحانٍ لِلقِراءةِ خارِجَ سورةِ البَيِّنة. الجَديدُ: يُوصَفُ بِالجَذرِ طَريقةٌ يُهدى إلَيها لا كِتابٌ ولا دين، ومَوصوفُها مَحذوفٌ فلَيسَ في الآيةِ جِسمٌ يَصلُحُ أن يَنتَصِب. وتَختارُ الآيةُ الصّيغةَ الوَحيدةَ التي يُنطَقُ فيها وَسَطُ الجَذرِ واواً ساكِنةً صَحيحة: في «قامَ» تَنقَلِبُ ألِفاً، وفي «يَقومُ» تَمتَدُّ مَدّاً، وفي «أَقْوَمُ» يَقرَعُها اللِّسان. فأقوَمُ الطَّرائِقِ أشَدُّها إمساكاً بِسالِكِها وأقَلُّها تَركاً لَه أن يَتَفَرَّق، والانتِصابُ ثَمَرَتُه لا أصلُه. ويَزيدُ المَوضِعُ على القِسمِ الأوَّلِ وَجهاً ثالِثاً لِلواو: لو كانَ القَيِّمُ إحاطةً تُغلِقُ فَحَسبُ لَكانَ عُقدةً، والعُقدةُ لا يُهدى إلَيها. ويُصَدِّقُه عَجُزُ الآيةِ نَفسِها، فالمَهدِيّونَ فيها يَعمَلونَ ﴿الصَّالِحَاتِ﴾، والصَّلاحُ رَبطٌ بِالأصلِ يَمنَعُ الشَّيءَ أن يَتَفَتَّت. انظُر
mustaqimوhidaya. - ٢٠:١١١ ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾: المَوضِعُ الذي يُصَدِّقُ القِراءةَ بِشَطرَيه. الجَديدُ: الحالُ المَوصوفةُ في صَدرِ الآيةِ انحِناءٌ لا انتِصاب، فالوُجوهُ عَنَت، والعُنُوُّ انقِيادُ المَقبوضِ لِقابِضِه. ومَن أمسَكَ الجُملةَ فمِن شَأنِها أن تَنقادَ لَه، وأمّا المُنتَصِبُ فانتِصابُه قائِمٌ في نَفسِه لا يَقتَضي انقِيادَ أحَد. ويَتلو الاسمَ الأوَّلَ اسمٌ ثانٍ بِلا واوِ عَطف، فيَنقَسِمانِ قِسمَينِ لا يَنوبُ أحَدُهُما عن الآخَر: «الحَيّ» سَرَيانٌ في الذّات، و«القَيُّوم» إمساكٌ لِما سِواه؛ ولَو كانَ الثّاني انتِصاباً لم يُقابِلْ في الأوَّلِ شَيئاً. ثُمَّ يُختَمُ السَّطرُ بِحَملٍ: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾، فيَجتَمِعُ في الآيةِ ماسِكانِ اثنان، واحِدٌ لا يَنفَرِطُ ما أمسَك وواحِدٌ خَرَجَ من حِملِه خاوِياً. والمُنتَصِبُ لا يُعنى لَه ولا يَلقى حِملاً. انظُر
qayyumوhayyوwajh.
التَّقاطُعات
suhuf: ٩٨:٢-٣: الصُّحُفُ تَحتَوي الكُتُبَ القَيِّمة.din: ٩٨:٥: «دينُ القَيِّمة».qayyum: نفسُ الجَذرُ، درجةٌ مختَلِفة.
الإشكالات المَفتوحة
- «دينُ القَيِّمة» في ٩٨:٥: هل «القَيِّمة» هنا وَصفٌ للمِلَّةِ أم اسمٌ للكُتُبِ المَذكورة في ٩٨:٣؟ موقِفُنا: الإِضافةُ (دينُ + القَيِّمة) تُجعَلُ «القَيِّمة» مَرجِعاً للكُتُبِ القَيِّمة: دينُ الكُتُبِ القَيِّمة.