الرُّسوخ

rusukh جذر · ر-س-خ مَوضعانِ في القرآن
التَّعريف الجَذريّ
تَماسُكٌ مَحصورٌ في مَسلَكٍ ضَيِّقٍ يَختَرِقُ ما يَدخُلُ فيه، فيُمسِكُه ما دَخَلَه من داخِل. يَرِدُ الجَذرُ في القرآنِ كُلِّه مَرَّتَين، وفي المَرَّتَينِ «الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ»: قَومٌ دَخَلوا العِلمَ حتّى صاروا فيه، يُعرَفونَ بِثِقةٍ تَرُدُّ ما نَزَلَ كُلَّه إلى مَصدَرٍ واحِد.

تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر

ثلاثةُ حُروف:

  • ر: خَفَقاتٌ مُتَوالِياتٌ خَفيفاتٌ لِطَرَفِ اللِّسانِ على اللِّثة، كُلُّ خَفقةٍ لَمسةٌ ماسِكةٌ عابِرة، والنَّفَسُ يَجري من تَحتِها مُستَرسِلاً لا يَحتَبِس. شِحنَتُه: اللمسةُ الماسكة (التماسُكُ والالتحام).
  • س: حَصرٌ دَقيقٌ لِلنَّفَسِ في مَجرىً ضَيِّقٍ بَينَ أسَلةِ اللِّسانِ والثَّنايا، يَجري فيه مَهموساً صافِراً ثُمَّ يَنفُذُ من بَينِ الأسنان. شِحنَتُه: الحصرُ والضيقُ والدقّة (إحكامُ المجرى الضيّق).
  • خ: مَضيقٌ بَينَ أقصى اللِّسانِ وأقصى الحَنَكِ يَختَرِقُه النَّفَسُ جَرَياناً مُحتَكّاً خَشِناً مُتَّصِلاً. شِحنَتُه: الاختراقُ والنفوذُ الجاري.

النَّواةُ رس (ر + س) = حَدَثُ ر يَنحَصِرُ في مَجرى س الضَّيِّقِ المُحكَم. والحَرفُ الثّالِثُ يَنتَخِبُ من حَدَثِ ر وَجهَه الفاعِل: في ر-س-ل الجَرَيانُ المُستَرسِل، فمِنه الإرسالُ والرَّسول؛ وفي ر-س-خ اللَّمسةُ الماسِكة، فتَصيرُ النَّواةُ تَماسُكاً مَحصوراً: شَيءٌ يَتَماسَكُ فلا يَتَشَتَّت، ويَسلُكُ مَسلَكاً دَقيقاً لا يَتَّسِع. ثُمَّ تَأتي خ بِاختِراقِها ونُفوذِها الجاري، فتُمضي هذا الإمساكَ خارِقاً فيما يَدخُلُ فيه. فيَصيرُ الجَذرُ كُلُّه: تَماسُكٌ مَحصورٌ يَختَرِقُ ما يَدخُلُ فيه، فيَصيرُ في داخِلِه مُمسَكاً بِه.

ومنه في كلامِ العَرَب:

  • رَسَخَ الشَّيءُ: ثَبَتَ في مَوضِعِه. والثَّباتُ ثَمَرةُ الدُّخول: ما

اختَرَقَ ما هو فيه أمسَكَه ذلك من داخِلِه.

  • رَسَخَ المَطَرُ: نَضَبَ نَداه في داخِلِ الأرض، ورَسَخَ الغَديرُ: نَضَبَ

ماؤُه. الماءُ يَغيبُ عن وَجهِ الأرضِ ويَصيرُ في جَوفِها.

  • الرّاسِخُ في العِلم: الدّاخِلُ فيه مَدخَلاً ثابِتاً.

فالمَعنَيانِ اللَّذانِ يَظهَرانِ في الاستِعمال، الثَّباتُ والغَورُ في الأرض، يَخرُجانِ من حَرَكةٍ واحِدة: دُخولٌ يَختَرِقُ فيُمسَكُ الدّاخِلُ فيما دَخَلَه. ما يُرى ثابِتاً هو ما دَخَلَ فأُمسِك، وما يُرى غائِباً هو الماءُ نَفسُه وقد صارَ في الدّاخِل.

الشِّحنةُ الجامعةُ لِلجَذرِ ر-س-خ: دُخولٌ مُتَماسِكٌ يَختَرِقُ ما هو فيه، فيُمسِكُه ما دَخَلَ فيه من داخِل.

وهذا يَضبِطُ قِراءةَ الكَلِمةِ في القرآنِ في ثَلاثِ مَسائِل:

الأولى: لِماذا «فِي الْعِلْمِ». الرُّسوخُ يَحتاجُ ما يُدخَلُ فيه، فالجَذرُ في القرآنِ مَوصولٌ بِـ«في» في مَوضِعَيه، والمَدخولُ فيه في المَرَّتَينِ العِلم. فالعِلمُ وَسَطٌ يُسكَنُ داخِلَه، والرّاسِخُ فيه مَحمولٌ بِه من داخِل.

الثّانية: لِماذا يُعرَفونَ بِقَولٍ يَرُدُّ إلى مَصدَرٍ واحِد. المَسلَكُ الذي تَحصُرُه س ضَيِّقٌ دَقيق، والدّاخِلُ فيه يَبلُغُ ما يَنفُذُ إلَيه ويُمسِكُه. وقد جاءَ الرّاسِخونَ في ٣:٧ بَعدَ «وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ»، فعُرِّفوا بِما يَقولون: «آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا». فالرُّسوخُ يُعطي صاحِبَه إمساكاً بِما نَفَذَ إلَيه، وهو في الآيةِ وَحدةُ المَصدَرِ الذي نَزَلَ مِنه المُحكَمُ والمُتَشابِهُ جَميعاً.

الثّالثة: لِماذا يَفصِلُ داخِلَ الجَماعةِ الواحِدة. الدُّخولُ يَقَعُ من كُلِّ داخِلٍ بِقَدرِه، فيَفتَرِقُ بِه أهلُ الجَماعةِ الواحِدة. ولِذلك جاءَ في ٤:١٦٢ بَعدَ «لَّٰكِنِ» مُقَيَّداً بِـ«مِنْهُمْ»: من القَومِ الذينَ عُدَّت أسبابُهُم قَبلَه يُستَدرَكُ مَن دَخَلوا العِلم.

الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن

  • الرَّاسِخُونَ (اسمُ فاعِلٍ من رَسَخَ يَرسَخُ، جَمعُ مُذَكَّرٍ سالِمٌ مُعَرَّفٌ

بِأل): الصّيغةُ الوَحيدةُ لِلجَذرِ في القرآنِ كُلِّه، في مَوضِعَينِ لا ثالِثَ لَهُما، وفي كِلَيهِما مَوصولةٌ بِـ«فِي الْعِلْمِ» ومَرفوعةٌ في أوَّلِ جُملَتِها: بَعدَ الواوِ في ٣:٧، وبَعدَ «لَّٰكِنِ» في ٤:١٦٢. واسمُ الفاعِلِ يَصِفُ مَن قامَ بِه الدُّخولُ حتّى صارَ حالاً فيه، والجَمعُ المُعَرَّفُ يُسَمّي صِنفاً مَعروفاً.

الجَذرُ قَبلَ الوَزن: الدُّخولُ المُتَماسِكُ قائِمٌ في الجَذرِ نَفسِه، والوَزنُ

يَجعَلُه وَصفاً قائِماً في أصحابِه. ولا يَرِدُ من الجَذرِ في القرآنِ فِعلٌ ولا

مَصدَر، فالرُّسوخُ يُوصَفُ بَعدَ أن يَحصُل، ولا يُؤمَرُ بِه ولا يُطلَب.

الفُروق المَعنويّة: مَفاهيمُ مُجاوِرةٌ من جُذورٍ أُخرى

  • thabat (التَّثبيت، ث-ب-ت): يُفعَلُ بِالمُثَبَّتِ من خارِجِه ويُطلَبُ في

الدُّعاء: «وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا» (٢:٢٥٠)، و«وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ» (١٧:٧٤). والرُّسوخُ حالُ الدّاخِلِ نَفسِه، يُمسِكُه ما دَخَلَ فيه، ولا يَرِدُ في القرآنِ فِعلاً يُطلَب.

  • zaygh (الزَّيغ، ز-ي-غ): مَيلٌ خَفيٌّ عن جِهةٍ كانَت ثابِتة، جَرَيانٌ

يَغورُ في باطِنٍ فيَغيبُ عن مَجراه. الحَرَكَتانِ كِلتاهُما إلى الدّاخِل: الزَّيغُ يَغيبُ بِصاحِبِه عن مَسلَكِه، والرُّسوخُ يُمسِكُه فيه. والآيةُ الواحِدةُ (٣:٧) تَضَعُهُما مُتَقابِلَينِ أمامَ المُتَشابِه.

  • ilm (العِلم، ع-ل-م): ما يَطفو من العُمقِ فيَتَجَمَّعُ ويَلتَصِقُ

بِالعَقل. العِلمُ هو ما يُرسَخُ فيه، والرُّسوخُ صِفةُ مَن دَخَلَه.

  • الإرساء (ر-س-و)، ولَيسَ لَه في المُعجَمِ مَفهومٌ يُحالُ عَلَيه:

«وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا» (٧٩:٣٢). يُشارِكُ الرُّسوخَ نَواتَه رس، ويُسنَدُ فِعلُه إلى مَن يُثَبِّتُ الجِبال، فالمُرسى مُمسَكٌ بِغَيرِه، والرُّسوخُ وَصفٌ يَقومُ بِالدّاخِلِ نَفسِه.

المَواضع: مَواقعُ الرُّسوخِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)

  • ٣:٧ ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. اسمُ الفاعِلِ جَمعاً مُعَرَّفاً مَوصولاً بِالعِلمِ بِحَرفِ «في»، يَأتي بَعدَ جُملةٍ تَقصُرُ عِلمَ التَّأويلِ على الله، ويُخبَرُ عَنه بِقَولٍ مَحكِيّ. الجَديدُ: يَدخُلُ الجَذرُ القرآنَ وَصفاً لِقُرّاءِ الكِتابِ أمامَ المُتَشابِه، مُقابِلاً لِمَن «فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ»: أولئكَ يَتَّبِعونَ ما تَشابَهَ ويَبتَغونَ تَأويلَه، وهؤلاءِ يُعرَفونَ بِقَولٍ يَرُدُّ القِسمَينِ إلى مَصدَرٍ واحِد. فالرُّسوخُ يُقرَأُ من ثَمَرَتِه في اللِّسان: عِلمٌ دَخَلَه صاحِبُه فأمسَكَه على وَحدةِ المَنبَع. انظُر الزَّيغ.
  • ٤:١٦٢ ﴿لَّٰكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾: التَّركيبُ نَفسُه بَعدَ أداةِ استِدراك، مُقَيَّداً بِـ«مِنْهُمْ»، ومَعطوفاً عَلَيه «وَالْمُؤْمِنُونَ». الجَديدُ: يَصيرُ الرُّسوخُ فاصِلاً داخِلَ جَماعةٍ واحِدة: خُتِمَتِ الآيةُ قَبلَها بِعَذابٍ «لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ»، وطُبِعَت قُلوبُ القَومِ بِكُفرِهِم قَبلَ ذلك (٤:١٥٥)، ويُستَدرَكُ هُنا من الجَماعةِ نَفسِها مَن دَخَلوا العِلم. وكانَت ثَمَرَتُه في (٣:٧) قَولاً يَرُدُّ الكِتابَ إلى مَصدَرٍ واحِد، وهي هُنا ثِقةٌ تَجمَعُ ما أُنزِلَ إلى المُخاطَبِ وما أُنزِلَ قَبلَه. انظُر الإيمان.

التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى

فيها زَيغٌ تَتَّبِعُ ما تَشابَهَ ابتِغاءَ الفِتنةِ والتَّأويل، وراسِخونَ يَقولونَ «كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا». المُتَشابِهُ واحِد، والفارِقُ حَرَكةُ القَلبِ فيه: غَيبةٌ عن المَسلَكِ أو إمساكٌ فيه. وتَليها ٣:٨ «رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا»، فيُطلَبُ دَفعُ الزَّيغِ عَقِبَ ذِكرِ الرُّسوخ.

  • مَعَ العِلم في ٣:٧ و٤:١٦٢: الجَذرُ لا يُفارِقُ العِلمَ في القرآنِ كُلِّه،

فـ«فِي الْعِلْمِ» تَليه في المَرَّتَين، والعِلمُ مَدخَلُه الوَحيد.

  • مَعَ الإيمان في ٣:٧ و٤:١٦٢: يَتبَعُ الرُّسوخَ في المَرَّتَينِ فِعلٌ من

أ-م-ن: «آمَنَّا بِهِ» قَولاً، و«يُؤْمِنُونَ» صِفةً جارِية، ومُتَعَلَّقُه في المَرَّتَينِ ما نَزَلَ كُلُّه. ويُقابِلُه في السّورةِ نَفسِها قَولُ مَن يُقَسِّم: «نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ» (٤:١٥٠).

  • مَعَ الطَّبع في ٤:١٥٥ و٤:١٦٢: في السِّياقِ الواحِدِ طَبعٌ على قُلوبِ

القَومِ بِكُفرِهِم، ثُمَّ راسِخونَ «مِنْهُمْ». الطَّبعُ ضَغطٌ يَقَعُ على القَلبِ من غَيرِه فيُظهِرُ فيه شَكلَ ما طُبِعَ بِه، والرُّسوخُ دُخولٌ يُمسِكُ صاحِبَه من داخِل، فيَفصِلُ المَوضِعانِ في الجَماعةِ الواحِدةِ بَينَ قُلوبٍ طُبِعَت وقُلوبٍ دَخَلَتِ العِلم.

  • مَعَ الأَلباب في ٣:٧: تُختَمُ الآيةُ بِـ«وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ».

اللُّبُّ النَّواةُ الدّاخِليّةُ المُكتَنِزة، والرُّسوخُ دُخولٌ إلى الدّاخِل، فتَجتَمِعُ في الآيةِ صِفَتانِ من جِهةِ الباطِن.

الإشكالات المَفتوحة

  • الرُّسوخُ حالٌ في صاحِبِه أم صِفةٌ لِلعِلم؟ القرآنُ يُسنِدُ الجَذرَ إلى

القَومِ ويَجعَلُ العِلمَ ظَرفاً، ولا يَصِفُ بِه العِلمَ نَفسَه. وقِراءةُ الجَذرِ تُوافِقُ ذلك: الدّاخِلُ هو المُمسَك. والمَوضِعانِ كُلُّ ما في القرآن، فلا شاهِدَ يَختَبِرُ الوَجهَ الآخَر. مَفتوح.

  • لِماذا لا فِعلَ لِلجَذرِ في القرآن؟ التَّثبيتُ يُطلَبُ ويُفعَل، والرُّسوخُ

يَرِدُ وَصفاً وَحدَه. أذلك لِأنَّ الدُّخولَ في المَسلَكِ الضَّيِّقِ يَحصُلُ بِقَطعِه شَيئاً فشَيئاً فيُوصَفُ بَعدَ حُصولِه، أم لِقِلّةِ المَواضِع؟ مَفتوح.

  • ما الذي يَبلُغُه الرّاسِخ؟ ثَمَرَتُه في المَوضِعَينِ جَمعٌ لا تَفصيل:

«كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا» في ٣:٧، و«بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ» في ٤:١٦٢. أيَدُلُّ ذلك على أنَّ العُمقَ الذي يَبلُغُه الدّاخِلُ في العِلمِ مَوضِعُ اجتِماعِ فُروعِه، أم اتَّفَقَ المَوضِعانِ لِسِياقِهِما؟ مَفتوح.

مَواضِعُ هذا المَفهومِ في القرآن