النساء · الآية 162

﴿لَّٰكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ ۚ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ ۚ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَٰئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

لَّٰكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ ۚ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ ۚ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَٰئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا

«لَّٰكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ»: استِدراكٌ يَفصِلُ داخِلَ الجَماعةِ الواحِدة

تَبدَأُ الآيةُ بِـ«لكِنْ» مُخَفَّفةً، وهي أداةُ استِدراك، يُستَدرَكُ بِها ما قد يُفهَمُ من الكَلامِ قَبلَها أنَّه يَعُمُّ الجَماعةَ كُلَّها، وقد خُتِمَتِ الآيةُ السّابِقةُ بِعَذابٍ أُعِدَّ «لِلكافِرينَ مِنهُم». فتَعودُ «مِنهُم» هُنا بِعَينِها، والضَّميرُ فيها يَرجِعُ إلى الجَماعةِ التي عُدَّت أسبابُها في الآيتَينِ قَبلَها، ويَخرُجُ مِنها صِنفٌ غَيرُ المُغَطّين: «الرّاسِخونَ في العِلم». فالجَماعةُ الواحِدةُ فيها مَن أُعِدَّ لَه العَذاب، وفيها مَن يُوعَدُ الأجر، والفاصِلُ بَينَهُما ما وُصِفَ بِه كُلٌّ مِنهُما.

والرُّسوخُ من ر-س-خ مَسكةٌ تَثبُتُ في مَجرىً دَقيقٍ ثُمَّ تَنفُذُ إلى العُمق، فالرّاسِخُ ثابِتٌ قد دَخَلَ في ما هو فيه حتّى صارَ من داخِلِه. و«في» تَجعَلُ العِلمَ أرضاً نَفَذوا فيها، والعِلمُ من ع-ل-م ما يَظهَرُ من العُمقِ فيُدرَكُ ويُمسَكُ في النَّفس، فالرُّسوخُ فيه نُفوذٌ إلى عُمقِ ما عُلِم. ويَرِدُ «الرّاسِخونَ في العِلم» في الكِتابِ في مَوضِعَين: هُنا، وفي الآيةِ السّابِعةِ من سورةِ آلِ عِمران، وهُناكَ عُرِّفوا بِما يَقولون: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾، ويُعَرَّفونَ هُنا بِما يَثِقونَ بِه: «بِما أُنزِلَ إلَيكَ وما أُنزِلَ من قَبلِك». فالرُّسوخُ في المَوضِعَينِ يَظهَرُ ثِقةً تَجمَعُ ما نَزَلَ كُلَّه في مَقامٍ واحِد، «كُلٌّ من عِندِ رَبِّنا» هُناك، وما أُنزِلَ إلَيكَ وما أُنزِلَ من قَبلِكَ هُنا، وهي خِلافُ قَولِ مَن حَكَتهُمُ السّورةُ في الآيةِ الخَمسينَ بَعدَ المِئة: نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾.

«يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ»: ثِقةٌ تَضُمُّ الإنزالَينِ مَعاً

و«المُؤمِنونَ» مَعطوفٌ على «الرّاسِخون»، ويَبقى مَفتوحاً أن تَمتَدَّ إلَيه «مِنهُم» فيَكونوا المُؤمِنينَ من تِلكَ الجَماعة، أو أن يَكونَ اسماً لِلمُؤمِنينَ عامّةً ضُمّوا إلى الرّاسِخين. ويَحتَمِلُ بِناءُ الجُملةِ أن يَكونَ «يُؤمِنونَ» ما يُخبَرُ بِه عن هذَينِ الاسمَين، فيُوصَفوا بِالثِّقة، وأن يَكونَ المُخبَرُ بِه «أولئكَ سَنُؤتيهِم» في آخِرِ الآية، و«يُؤمِنونَ» وَصفاً لِحالِهِم في الطَّريقِ إلَيه. والثِّقةُ من أ-م-ن سُكونٌ يَستَقِرُّ في الدّاخِلِ فيَخرُجُ مِنه أمانٌ لِمَن حَولَ صاحِبِه، وجاءَ الفِعلُ مُضارِعاً فجَعَلَها ثِقةً جارِيةً تَتَجَدَّد. والفِعلانِ «أُنزِلَ» مَبنِيّانِ لِما لم يُسَمَّ فاعِلُه، من ن-ز-ل، ما يُحفَظُ في عُلُوٍّ ثُمَّ يَنحَدِرُ حتّى يَحُلَّ بِمَوضِعِه، والفَرقُ بَينَهُما في ما يَلي كُلّاً مِنهُما: «إلَيكَ» لِلأوَّل، و«من قَبلِكَ» لِلثّاني.

وهذه العِبارةُ بِحُروفِها، «بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ»، تَرِدُ في الكِتابِ في ثَلاثةِ مَواضِع: في الآيةِ الرّابِعةِ من سورةِ البَقَرةِ وَصفاً لِقَومٍ يُؤمِنونَ بِها، وفي الآيةِ السِّتّينَ من هذه السّورةِ دَعوىً يَزعُمُها قَوم: يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾، وهُنا وَصفاً لِلرّاسِخينَ ومَن عُطِفَ عَلَيهِم. فالثِّقةُ التي كانَت هُناكَ مَزعومةً، تَقتَرِنُ بِإرادةِ التَّحاكُمِ إلى الطّاغوت، هي هُنا صِفةٌ جارِيةٌ في المُضارِع، والفَرقُ بَينَ المَوضِعَينِ في الفِعلِ الذي يَسبِقُ العِبارة: «يَزعُمونَ أنَّهُم آمَنوا» هُناك، و«يُؤمِنونَ» هُنا.

«وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ»: اسمٌ يَخرُجُ عن نَسَقِ ما حَولَه

ثُمَّ يَأتي في وَسَطِ الأسماءِ المَرفوعةِ اسمٌ على غَيرِ رَفعِها: «والمُقيمينَ الصَّلاةَ»، بِالياءِ والنّون، وقَبلَه «الرّاسِخونَ» و«المُؤمِنون»، وبَعدَه «المُؤتونَ» و«المُؤمِنون»، كُلُّها بِالواوِ والنّون. والياءُ في هذا الجَمعِ عَلامةُ النَّصبِ والجَرِّ مَعاً، فيَحتَمِلُ اللَّفظُ وَجهَين: أن يَكونَ مَنصوباً على المَدحِ والاختِصاص، بِفِعلٍ مُقَدَّرٍ من مَعنى المَدحِ أو التَّخصيص، فيَنقَطِعَ عن نَسَقِ ما قَبلَه لِيَلتَفِتَ إلَيه السَّمع؛ وأن يَكونَ مَجروراً مَعطوفاً على ما دَخَلَت عَلَيه الباءُ في «بِما أُنزِلَ»، أو على الضَّميرِ في «قَبلِك»، فيَكونَ المُقيمونَ الصَّلاةَ مِمّا تَقَعُ عَلَيه الثِّقة، أو مِمَّن أُنزِلَ من قَبلِهِم. ولِلوَجهِ الأوَّلِ نَظيرٌ في الكِتاب، اسمٌ مَنصوبٌ يَأتي بَعدَ مَرفوعٍ في عَدِّ صِفاتٍ مَحمودة: وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ۖ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ﴾.

والإقامةُ من ق-و-م إمساكُ الشَّيءِ مَجموعاً من داخِلِه حتّى يَنتَصِب، و«أقامَ» على أفعَلَ يَجعَلُ الفاعِلَ هو الذي يَنصِبُ غَيرَه، فمُقيمُ الصَّلاةِ يُمسِكُها قائمةً فلا تَسقُط. والصَّلاةُ من ص-ل-و إمساكٌ يَتَعَلَّقُ بِما يَصِلُه ثُمَّ يُمَدُّ وَصلاً دائماً، فهي وَصلٌ يُقامُ ويُتابَع. وعلى الوَجهِ الأوَّلِ يَكونُ الخُروجُ عن النَّسَقِ تَنبيهاً على هذه الصِّفةِ من بَينِ صِفاتِ القَوم: الثِّقةُ بِما أُنزِل، والإيتاءُ، والثِّقةُ بِاللهِ واليَومِ الآخِرِ مَرفوعةٌ جَميعاً، والمُقيمونَ الصَّلاةَ وَحدَهُم على غَيرِ الرَّفع.

«وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ... أُولَٰئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا»: إيتاءٌ يُقابِلُه إيتاء

ثُمَّ تَعودُ الأسماءُ المَرفوعة: «والمُؤتونَ الزَّكاةَ»، والإيتاءُ من أ-ت-ي على أفعَل، جَعلُ الشَّيءِ يَبلُغُ غَيرَه، والزَّكاةُ من ز-ك-و نَماءٌ يَخرُجُ مِمّا اكتَنَزَ في الشَّيءِ فيَزيدُ بِه ويَصفو، فالمُؤتونَ الزَّكاةَ يُبلِغونَ غَيرَهُم ما يَكونُ بِه النَّماءُ والصَّفاء. ثُمَّ «والمُؤمِنونَ بِاللهِ واليَومِ الآخِر»، فتَعودُ الثِّقةُ في آخِرِ العَدِّ كما كانَت في أوَّلِه، مُتَعَلِّقةً هُنا بِاللهِ وبِاليَومِ الذي يَأتي بَعدَ الأيّام.

ويُختَمُ العَدُّ بِـ«أولئكَ»، إشارةً تَجمَعُ المَوصوفينَ كُلَّهُم، ثُمَّ «سَنُؤتيهِم»، من الجِذرِ الذي سُمِّيَ بِه إيتاؤُهُمُ الزَّكاة، فيُسَمّى جَزاؤُهُم بِالفِعلِ الذي سُمِّيَ بِه عَطاؤُهُم. والسّينُ تُقَرِّبُ الوَعدَ في المُستَقبَل، والفِعلُ مُسنَدٌ إلى المُتَكَلِّمِ بِضَميرِ الجَمع، و«أجراً عَظيماً» نَكِرةٌ مَوصوفة. وقد جاءَ في الآيةِ الثّانيةِ والخَمسينَ بَعدَ المِئةِ وَعدٌ لِمَن آمَنوا بِاللهِ ورُسُلِه ولم يُفَرِّقوا بَينَ أحَدٍ مِنهُم: أُولَٰئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾، وتُختَمُ هذه بِوَعدٍ لِمَن وَثِقوا بِما أُنزِلَ إلَيكَ وما أُنزِلَ من قَبلِك، فالآيتانِ تَعِدانِ بِالإيتاءِ قَوماً جَمَعوا الثِّقةَ ولم يُقَسِّموها.


حَصيلة

تَستَدرِكُ الآيةُ بِـ«لكِنْ» على ما خُتِمَت بِه الآيةُ قَبلَها، فتَعودُ إلى «مِنهُم» نَفسِها لِتُسَمّيَ صِنفاً آخَرَ من الجَماعة: الرّاسِخينَ في العِلم، والرُّسوخُ من ر-س-خ ثَباتٌ يَنفُذُ إلى العُمق، ومَعَهُمُ المُؤمِنونَ مِنهُم أو عامّةً. ويُوصَفونَ بِثِقةٍ من أ-م-ن تَجمَعُ ما أُنزِلَ إلى المُخاطَبِ وما أُنزِلَ من قَبلِه، وهي عِبارةٌ كانَت في الآيةِ السِّتّينَ دَعوى، والرّاسِخونَ في سورةِ آلِ عِمرانَ عُرِّفوا بِقَولٍ يَجمَعُ ما نَزَلَ كُلَّه: «كُلٌّ من عِندِ رَبِّنا». ثُمَّ يَخرُجُ «المُقيمينَ الصَّلاةَ» وَحدَه عن رَفعِ ما حَولَه، فيَحتَمِلُ أن يَكونَ مَنصوباً على المَدحِ والاختِصاص، وأن يَكونَ مَجروراً مَعطوفاً على ما تَقَعُ عَلَيه الثِّقة. ثُمَّ يُذكَرُ المُؤتونَ الزَّكاةَ والمُؤمِنونَ بِاللهِ واليَومِ الآخِر، ويُجمَعونَ في «أولئكَ»، ويُوعَدونَ أجراً عَظيماً بِفِعلِ الإيتاءِ نَفسِه الذي وُصِفوا بِه.