الشَّقاء
جَهدٌ يَشُقُّ على صاحِبِهِ فيَمتَدُّ بِهِ ولا يَنقَطِعُ عَنه. المُصحَفُ المَنشورُ لا يَكتُبُ الجَذرَ إلّا فِعلاً مُضارِعاً مَنفِيّاً أو مُعَلَّقاً، واسمَ تَفضيلٍ لِمَن بَلَغَ بِهِ الجَهدُ مُنتَهاه.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
- ش: الحَصرُ والضَّمّ، ثُمَّ الجَريانُ النافِذُ المُمتَدّ، ثُمَّ التَّفَشّي
والانتِشارُ الدَّقيق. شِحنَتُه: مَحصورٌ يَنفُذُ ثُمَّ يَتَفَشّى انتِشاراً دَقيقاً في كُلِّ ثَغرةٍ حَولَه.
- ق: العَقدُ والالتِئامُ في العُمق، ثُمَّ الاحتِباسُ والاشتِداد، ثُمَّ
الإطلاقُ القاطِع. شِحنَتُه: ما يَشتَدُّ في العُمقِ حَتّى يَنقَطِعَ عَمّا حَولَه.
- و: العَقدُ والإحاطةُ والاحتِواء، ثُمَّ الوَصلُ المَمدودُ والرَّبط، ثُمَّ
الانفِراجُ والإفضاء. شِحنَتُه: وَصلٌ مَمدودٌ يُفضي بِما قَبلَهُ إلى ما بَعدَه.
النَّواةُ شق (ش + ق) = انتِشارٌ يَشتَدُّ حَتّى يَقطَع: ما ضاقَ مَخرَجُهُ فتَفَشّى، ثُمَّ انعَقَدَ في العُمقِ اشتِداداً يَفصِلُ الجُزءَ عن الجُزء. ومنه الشَّقُّ الذي يَفصِلُ، والشِّقُّ النِّصفُ المَفصول، والمَشَقّةُ ما شَقَّ على حامِلِه. والإغلاقُ بـو يَصِلُ هذا الشَّقَّ بِصاحِبِهِ وَصلاً مَمدوداً، فلا يَقَعُ الشَّقُّ مَرّةً ويَنتَهي، بَل يَستَصحِبُ حامِلَهُ ويَمتَدُّ بِه.
ومنه في كَلامِ العَرَب: شَقَّ عليهِ الأمرُ إذا أثقَلَهُ ولم يُطِقهُ إلّا بِجَهد، والمَشَقّةُ التَّعَبُ الذي يَنالُ صاحِبَهُ في نَفسِه، والشِّقوةُ يُقابِلونَ بِها السَّعادةَ فيَجعَلونَ الأولى امتِداداً في الجَهدِ والثانِيةَ امتِداداً في اليُسر.
الشِّحنةُ الجامِعة: جَهدٌ يَشُقُّ على حامِلِهِ ويَمتَدُّ بِهِ فلا يَنفَكُّ عَنه.
وهذا يَضبِطُ قِراءةَ الكَلِمةِ في المُصحَف: الشَّقاءُ لَيسَ ألَماً عابِراً يَقَعُ ثُمَّ يَزول، بَل حالٌ مَوصولةٌ بِصاحِبِها، ولِذلكَ جاءَ في المَنشورِ فِعلاً مُمتَدَّ الزَّمَنِ لا ماضِياً مُنقَضِياً، وجاءَ اسمَ تَفضيلٍ يُعَيِّنُ الشَّخصَ بِالوَصفِ لا بِالفِعل.
الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن
- لِتَشْقَىٰ (مُضارِعٌ مَنصوبٌ بِلامِ التَّعليل)، ٢٠:٢: الوَزنُ يَجعَلُ
الشَّقاءَ غايةً مَفروضةً، واللّامُ تَنفيها بِنَفيِ ما قَبلَها.
- فَتَشْقَىٰ (مُضارِعٌ مَنصوبٌ في جَوابِ النَّهي)، ٢٠:١١٧: الشَّقاءُ
نَتيجةٌ مُعَلَّقةٌ على فِعلٍ يَقَعُ من غَيرِ صاحِبِه.
- يَشْقَىٰ (مُضارِعٌ مَرفوعٌ في سِياقِ نَفي)، ٢٠:١٢٣: الحالُ المَنفِيّةُ
عَمَّن اتَّبَعَ الهُدى.
- الْأَشْقَى (اسمُ تَفضيلٍ مُعَرَّف)، ٨٧:١١ و٩٢:١٥: لا يَصِفُ فِعلاً
يَقَعُ بَل يُعَيِّنُ صاحِبَ المُنتَهى في الجَهد.
- أَشْقَاهَا (اسمُ تَفضيلٍ مُضافٌ إلى الجَماعة)، ٩١:١٢: التَّفضيلُ
مُقَيَّدٌ بِقَومِه، فهو أشقى أهلِ ثَمودَ لا أشقى النّاسِ جَميعاً.
الجَذرُ قبلَ الوَزن: الجَهدُ المَوصولُ بِصاحِبِه، من الحُروف. والصّيَغُ
بَعدَ ذلكَ تُوَزِّعُهُ بَينَ فِعلٍ يُنفى ووَصفٍ يَثبُت.
الفُروق المَعنويّة
لا فَرعَ مُستَقِلّاً لِلجَذرِ في المَنشور. وما يُشبِهُهُ في الرَّسمِ من «شِقاق» و«يَشَّقَّق» جَذرُهُ ش-ق-ق ويَملِكُهُ shaqq، والفَرقُ بَينَهُما مَوضِعُ الحَرفِ الثالِث: تَضعيفُ القافِ يَرُدُّ الشَّقَّ على نَفسِهِ فيَصيرَ انفِصالاً بَينَ طَرَفَين، والواوُ تَصِلُ الشَّقَّ بِحامِلِهِ فيَصيرَ حالاً واحِدةً في نَفسٍ واحِدة.
المَواضع: مَواقعُ الشَّقاءِ في المُصحَف (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢٠:٢ ﴿مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. أوَّلُ ما يَدخُلُ الجَذرُ في السّورةِ
داخِلٌ مَنفِيّاً: النَّفيُ واقِعٌ على الإنزالِ نَفسِهِ لا على الشَّقاءِ وَحدَه، فالمَنفيُّ أن يَكونَ الشَّقاءُ عِلّةَ التَّنزيل. واللّامُ لامُ تَعليلٍ، والتَّعليلُ هو المَرفوع، فيَبقى القُرآنُ مُنزَلاً وتَبقى الغايةُ غَيرَ الجَهدِ المُمتَدّ. والخِطابُ مُفرَدٌ لِحامِلِ الوَحي، فالشَّقاءُ المَنفِيُّ شَقاءُ الحامِلِ بِما يَحمِل.
- ٢٠:١١٧ ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ﴾: الجَديدُ: انتِقالُ الجَذرِ من نَفيِ العِلّةِ إلى
تَعليقِ النَّتيجة. الفاءُ تَربِطُ الشَّقاءَ بِالإخراجِ من الجَنّة، فيَصيرُ الجَهدُ المُمتَدُّ لازِمَ الخُروجِ من المُستَقَرّ. والفِعلُ مُفرَدٌ «فَتَشْقَىٰ» بَعدَ مُثَنّىً «يُخْرِجَنَّكُمَا»، فالإخراجُ يَقَعُ على اثنَينِ والشَّقاءُ يُذكَرُ في واحِد.
- ٢٠:١٢٣ ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ﴾: الجَديدُ: أوَّلُ اقتِرانٍ بَينَ الشَّقاءِ والضَّلال،
وكِلاهُما مَنفِيٌّ بِـ«لا» عن مُتَّبِعِ الهُدى. والاقتِرانُ يَكشِفُ قِسمةً: الضَّلالُ خَلَلٌ في الطَّريق، والشَّقاءُ خَلَلٌ في حالِ السّائِر، فرَفعُ الهُدى لَهُما مَعاً يَرفَعُ الوَجهَينِ لا وَجهاً واحِداً. وقَد سَبَقَ في الآيةِ نَفسِها ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا﴾، فالنَّفيُ يَقَعُ بَعدَ الهُبوطِ لا قَبلَه: الشَّقاءُ مَرفوعٌ في دارِ الهُبوطِ نَفسِها لِمَنِ اتَّبَع.
- ٨٧:١١ ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى﴾: الجَديدُ: أوَّلُ خُروجٍ من الفِعلِ إلى الوَصفِ. لم
يَعُدِ الشَّقاءُ حَدَثاً يَقَعُ أو يُنفى، بَل صارَ اسماً يُعَيِّنُ صاحِبَه، والتَّفضيلُ يَجعَلُهُ مُنتَهى الدَّرَجةِ لا مُجَرَّدَ واقِعٍ فيها. وفِعلُهُ هُنا «يَتَجَنَّبُ»: الأشقى هو الذي يَجعَلُ الذِّكرى في جانِبٍ ويَمضي في جانِبٍ آخَر، فالجَهدُ المُمتَدُّ ثَمَرةُ تَجَنُّبٍ سابِقٍ لا قَدَرٍ نازِل.
- ٩١:١٢ ﴿إِذِ انبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾: الجَديدُ: إضافةُ التَّفضيلِ إلى جَماعة. «أَشْقَاهَا»
يَنسِبُ الرَّجُلَ إلى قَومِهِ فيَجعَلُهُ أقصاهُم في هذا الوَصف، ومَعنى ذلكَ أنَّ الوَصفَ مُدَرَّجٌ في القَومِ كُلِّهِم وهو طَرَفُه. والفِعلُ المَقرونُ بِهِ «انبَعَثَ»: الجَهدُ المُمتَدُّ يَنبَعِثُ صاحِبُهُ بِهِ إلى الفِعل، فلا يُنتَظَرُ الشَّقاءُ بَعدَ العَمَلِ فَحَسبُ بَل يُدفَعُ بِهِ إلى العَمَل.
- ٩٢:١٥ ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى﴾: الجَديدُ: قَصرُ الصَّلْيِ على الأشقى بِأداةِ
الاستِثناءِ بَعدَ النَّفي. وهذا أوَّلُ مَوضِعٍ يَجعَلُ الوَصفَ حَدّاً يُدخِلُ ويُخرِج: ما قَبلَهُ نَفيٌ عامٌّ «لَا يَصْلَاهَا»، والاستِثناءُ يُعَيِّنُ الداخِلَ وَحدَه. فالجَذرُ الذي دَخَلَ المُصحَفَ عِلّةً مَنفِيّةً يَخرُجُ هُنا حَدّاً فاصِلاً بَينَ صِنفَين.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
hidayaوdalal: ٢٠:١٢٣ تَجمَعُ الثَّلاثةَ في سَطرٍ واحِد:
اتِّباعُ الهُدى يَرفَعُ الضَّلالَ والشَّقاءَ مَعاً، فالهُدى يُصلِحُ الطَّريقَ وحالَ السّائِرِ في آنٍ واحِد.
hubut: الأمرُ بِالهُبوطِ في ٢٠:١٢٣ يَسبِقُ نَفيَ الشَّقاءِ في
السَّطرِ نَفسِه: مَوضِعُ الشَّقاءِ هو دارُ الهُبوط، ورَفعُهُ فيها مَشروطٌ بِالاتِّباع.
saly: ٩٢:١٥ تُخَصِّصُ الصَّلْيَ بِالأشقى، فالوَصفُ مُقَدِّمةٌ
والصَّلْيُ نَتيجةٌ مَقصورةٌ عليه.
dhikr: ٨٧:١١ تَضَعُ الأشقى في مُقابَلةِ الذِّكرى مُباشَرةً:
التَّجَنُّبُ فِعلُهُ، والذِّكرى هي المُتَجَنَّبة.
naqa: ٩١:١٢ تُعَيِّنُ أشقى ثَمودَ ثُمَّ يَأتي ذِكرُ النّاقةِ بَعدَه،
فالوَصفُ يَسبِقُ الجِنايةَ ويُفَسِّرُ انبِعاثَ صاحِبِها.
tazkia: سورةُ الشَّمسِ تَفتَحُ بِفَلاحِ مَن زَكّى ثُمَّ تَنتَهي
إلى انبِعاثِ أشقاها، فالتَّزكِيةُ والشَّقاءُ طَرَفا تَدَرُّجٍ واحِدٍ في النَّفسِ نَفسِها.
الإشكالات المَفتوحة
- هل الشَّقاءُ حالٌ في النَّفسِ أم مَآلٌ يَقَعُ عليها؟ المَنشورُ
يَكتُبُهُ فِعلاً مُعَلَّقاً بِسَبَبٍ (٢٠:١١٧) ووَصفاً سابِقاً على الفِعلِ (٩١:١٢). والحُروفُ تُعطي جَهداً مَوصولاً بِحامِلِه، والوَصلُ يَحتَمِلُ الجِهَتَين. مَوقِفُنا: الشَّقاءُ حالٌ تَنعَقِدُ ثُمَّ يَنبَعِثُ عَنها العَمَل، والمَآلُ ظُهورُها لا ابتِداؤُها.
- لِمَ لَم يَرِدِ الجَذرُ ماضِياً في المَنشور؟ كُلُّ أفعالِهِ مُضارِعة.
والمُضارِعُ يُساوِقُ الامتِدادَ الذي أعطَتهُ الواو، فيَبقى السُّؤالُ عن مَوضِعٍ يُقطَعُ فيهِ الجَهدُ فيُخبَرُ عَنهُ بِالماضي.