الشمس · الآية 12

﴿إِذِ انبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِذِ انبَعَثَ أَشْقَاهَا

«انبَعَثَ»: النُّهوضُ من سُكون

الجذرُ (ب-ع-ث) في العربيّةِ يَدُلُّ على النُّهوضِ بَعد السُّكون، الإِخراجِ من الخَفاءِ إلى الظُّهور. ومنه «بَعَثَ الرَّسولَ» (أَخرَجَه إلى مَهَمَّتِه)، و«البَعث» في الآخِرَةِ إِخراجُ المَوتى إلى الحَياة. والصيغَةُ «انبَعَثَ» مُطاوَعةٌ على وَزنِ «انفَعَل»: قامَ بَعد سُكون، خَرَجَ بدَفعٍ من داخِل.

وفي الآيةِ يَنبَعِثُ أَشقاهم، أَيّ يَنهَضُ من جُلوسٍ أو سُكونٍ ليَفعَلَ فِعلاً مَخصوصاً. الفِعلُ المُطلَقُ هنا، لَيس مَنسوباً إلى قَومٍ يَدفَعونَه، بَل إلى نَفسِه. هو الذي قامَ بنَفسِه، انفِعالاً بداخلِه. ولَكنَّ القَومَ مَعروفونَ بطَغواهم في الآيةِ السابقة، فما يَنبَعِثُ منه يَنبَعِثُ بحُكمِ ما يَحمِلُه القَومُ من فَيضٍ خارِجٍ عن الحَدّ. هو يَدُهُم في الفِعل.

«أَشقاها»: الذي بَلَغَ فيهم غايَةَ الشَّقاء

صيغَةُ «أَفعَل» في العربيّةِ صيغَةُ تَفضيل. «أَشقى» تَعني الذي بَلَغَ في الشَّقاءِ أكثرَ من غَيره. والشَّقاءُ في الجذر (ش-ق-و) جَهدٌ ومُكابَدَةٌ وتَعَبٌ يُعاني منه صاحِبُه ولا يَخرُجُ بثَمَرَة. ومَن بَلَغَ في هذا المَوضِعِ غايَتَه، صارَت حَياتُه كلُّها كَدّاً لا يَنتَفِعُ بِه. الشَّقاءُ في هذه الصورَةِ مَوقِفٌ مِن نَفسِه قَبلَ أن يَكونَ مَوقِفاً مِن غَيرِها.

والإضافَةُ «أَشقاها» إلى ضَميرِ ثَمودَ تَجعَلُه واحِداً منهم لا غَريباً عَنهم. هو ابنُ طَغواهم وثَمَرَتُها. وما خَرَجَ منهم من فَيضٍ في الآيةِ السابقة تَجَسَّدَ في هذا الواحِدِ الذي انبَعَثَ. وكأنَّ كلَّ قَومٍ يَكونُ فيهم مَن يَتَلَقّى ما يَجمَعونَه من نَزَعاتٍ ويُؤَدّيها فِعلاً مَرئيّاً. أَشقاهم هو يَدُ القَومِ في الفِعلِ القَبيح.

اللَّحظَةُ المُحَدَّدَة

«إذ» في صَدرِ الآيةِ تَجعَلُ ما بَعدَها لَحظَةً مَخصوصَةً في الزَّمَن. القَومُ كَذَّبوا في الآيةِ السابقة بصيغَةٍ ماضِيَةٍ مُطلَقة، ولكنَّ التَّكذيبَ يَنزِلُ هنا في وَقتٍ بِعَينِه: حِينَ انبَعَثَ أشقاهم. وكأنَّ التَّكذيبَ كانَ في النُّفوسِ كامِناً، ثمّ خَرَجَ في فِعلِ أحَدِهم. وما يَأتي في الآيَتَين التاليَتَين هو وَصفُ هذا الفِعلِ بَعد أن انبَعَثَ صاحِبُه.

والقارئُ الذي يَقِفُ على هذه الآية يَنتَظِرُ أن يَعرِفَ ما الذي فَعَلَه أَشقاهم. السورةُ تُؤَخِّرُ الإِخبارَ آيَةً واحِدَة، تَذكُرُ فيها ما قِيلَ لَهم قَبلَ الفِعل، ثمّ تَذكُرُ الفِعلَ نَفسَه في الآيةِ التالية لها. وفي هذا التَّأخيرِ بَلاغَةٌ: السامِعُ يَنتَظِرُ كَما انتَظَرَ القَومُ بَلاغَ الرَّسول قَبلَ تَكذيبِه.


حَصيلة

السَّببُ الذي ذُكِرَ في الآيةِ السابِقَةِ يَجِدُ هنا لَحظَةَ تَجَسُّدِه. «إذِ» ظَرفُ زَمَنٍ يُحَدِّد: حِينَ «انبَعَث» من الجِذرِ ب-ع-ث، النُّهوضُ بَعدَ سُكونٍ بِدافِعٍ من داخِل. «أَشقاها» أَفعَلُ تَفضيلٍ: أكثَرُهُم شَقاءً، أبلَغُهُم في التَّعَبِ بِلا ثَمَرَة. السورةُ تُسَمِّيه بِمَنزِلَتِه بَين قَومِه لا باسمِه: مَوضِعٌ اجتِماعيٌّ يُشارُ إلَيه. الفاعِلُ في كلِّ جَماعَةٍ دَسَّت نَفسَها هو مَن بَلَغَ في الطَّغوى قِمَّتَها فيَتَصَدَّرُ فِعلَها في الخارِج.