طه · الآية 117

﴿فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ

«فَقُلْنَا يَا آدَمُ»: نِداءٌ لِواحِدٍ والمَقامُ فيه اثنان

فاءُ تَعقيبٍ على الآيةِ التي قَبلَها، وهو قَولٌ بَعدَ قَولٍ من المُتَكَلِّمِ نَفسِه.

ثُمَّ نِداءٌ بِالاسمِ الصَّريح، ولم يُنادَ الاثنانِ ولا نودِيَتِ الأُخرى، مَعَ أنَّها ستُذكَرُ في الآيةِ نَفسِها.

فالخِطابُ يَبدَأُ مُفرَداً، وهذا أوَّلُ مَواضِعِ الانتِقالِ بَينَ العَدَدَينِ في هذه الآية، وهي انتِقالاتٌ يُقرَأُ تَرتيبُها.

«إِنَّ هَٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ»: إشارةٌ بَعدَ تَسمِية، ولامانِ لا لام

وقد سُمِّيَ في الآيةِ التي قَبلَها، ويُشارُ إلَيه هُنا بِـ«هَٰذَا»، فنُقِلَ من الاسمِ إلى الإشارة، فحَضَرَ في المَشهَدِ حُضورَ من يُرى.

و«عَدُوٌّ» خَبَرٌ مُفرَدٌ نَكِرة، والعَداوةُ من ع-د-و بُروزٌ ثابِتٌ من العُمقِ يُحيطُ بِالطَّرَفِ الآخَر، فهي حالٌ تُطبِقُ على المُقابِلِ، لا فِعلٌ يَقَعُ مَرّةً.

ثُمَّ أُعيدَتِ اللّام: «لَّكَ وَلِزَوْجِكَ»، ولَو قيلَ «لَكُما» لَجُمِعا في حَرفٍ واحِد.

وإعادةُ اللّامِ تَجعَلُ العَداوةَ مُتَعَلِّقةً بِكُلِّ واحِدٍ على حِدَة، فهو عَدُوٌّ لِهذا وعَدُوٌّ لِتِلك، لا عَدُوٌّ لِلاثنَينِ مَجموعَين.

و«زَوْجِكَ» مُضافٌ إلى المُخاطَبِ ولا يُسَمّى، ومادّةُ ز-و-ج اقتِرانُ اثنَينِ يَصيرانِ واحِداً في الحُكم، فالتَّعريفُ بِالاقتِرانِ دونَ الاسم.

«فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ»: نَهيٌ في صيغةِ الغائِبِ وضَميرُه مُثَنّى

و«لا» ناهِيةٌ دَخَلَت على فِعلٍ مُسنَدٍ إلى غائِب، وأُكِّدَ الفِعلُ بِنونٍ ثَقيلة، فصورَتُه نَهيٌ لَه وحاصِلُه تَحذيرٌ لَهُما.

ومَفعولُه ضَميرُ المُثَنّى: «كُمَا»، فالخُروجُ المَخوفُ خُروجُ اثنَينِ مَعاً لا خُروجُ واحِد.

والإخراجُ من خ-ر-ج، وأصلُه نُفوذٌ يَنتَهي إلى بُروزٍ ظاهِر، وهو هُنا على وَزنِ أفعَلَ، أي نَقلُ غَيرِه من داخِلٍ إلى خارِج.

و«الْجَنَّةِ» من ج-ن-ن، وهو جَوفٌ يَحتَوي ما فيه فيَحجُبُه عَمَّن خارِجَه، فالمَوضِعُ يُعَرَّفُ بِالسَّترِ نَفسِه، والخُروجُ مِنه خُروجٌ من السَّترِ إلى الانكِشاف.

«فَتَشْقَىٰ»: مُفرَدٌ بَعدَ مُثَنّى

والفاءُ لِلسَّبَبِيّة، والفِعلُ بَعدَها مَنصوب، فما بَعدَها مُتَرَتِّبٌ على ما قَبلَها.

والفِعلُ مُسنَدٌ إلى مُخاطَبٍ مُفرَد، أي أنَّهُما خَرَجا اثنَينِ وشَقِيَ واحِد.

وهذا الانتِقالُ يُقرَأُ ولا يُسَوّى، والآيةُ تَملِكُ صيغةَ المُثَنّى وقد استَعمَلَتها قَبلَ كَلِمة، فعُدولُها عنها هُنا اختِيار.

ويَتَّصِلُ بِه ما بَعدَه: إِنَّ لَكَ﴾ ثُمَّ وَأَنَّكَ﴾، كِلاهُما بِكافِ المُفرَد، فالكَلامُ يَدخُلُ في المُفرَدِ ولا يَعودُ إلى المُثَنّى.

«تَشْقَىٰ»: ثاني ثَلاثةِ مَواضِعَ في السّورة

والشَّقاءُ من ش-ق-و جَهدٌ مُشتَدٌّ يوصَلُ بِمَن وَقَعَ عَلَيه فلا يُفارِقُه، وهو مادّةٌ تَرِدُ في هذه السّورةِ ثَلاثَ مَرّاتٍ ولا رابِعَ لَها.

أوَّلُها في مَطلَعِ السّورةِ نَفيٌ عن المُخاطَبِ بِها: مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ﴾، وقد نُفِيَ فيه أن يَكونَ الشَّقاءُ غايةَ ما نَزَل.

وهذه ثانِيَتُها، وهي وَحدَها تَحذيرٌ من وُقوعِه، ولَيسَت نَفياً.

وثالِثَتُها بَعدَ سِتِّ آياتٍ نَفيٌ عن تابِعِ الهُدى، فالتَّحذيرُ يَقَعُ بَينَ نَفيَين، وما نُفِيَ عن حامِلِ الكِتابِ في أوَّلِ السّورةِ هو ما حُذِّرَ مِنه هُنا وما يُنفى عن التّابِعِ هُناك.


حَصيلة

فاءٌ تُعَقِّبُ قَولاً بِقَولٍ من المُتَكَلِّمِ نَفسِه، ثُمَّ نِداءٌ بِالاسمِ الصَّريحِ لِواحِدٍ في مَقامٍ فيه اثنان. ثُمَّ إشارةٌ بَعدَ تَسمِية، فقد سُمِّيَ في الآيةِ التي قَبلَها ويُشارُ إلَيه هُنا، فحَضَرَ حُضورَ من يُرى. و«عَدُوٌّ» خَبَرٌ مُفرَدٌ نَكِرة، والعَداوةُ من ع-د-و بُروزٌ ثابِتٌ من العُمقِ يُحيطُ بِالطَّرَفِ الآخَر، فهي حالٌ تُطبِقُ لا فِعلٌ يَقَعُ مَرّة. ثُمَّ أُعيدَتِ اللّامُ وعُدِلَ عن «لَكُما»، وإعادَتُها تَجعَلُ العَداوةَ مُتَعَلِّقةً بِكُلِّ واحِدٍ على حِدَة. و«زَوْجِكَ» مُضافٌ إلى المُخاطَبِ لا يُسَمّى، ومادّةُ ز-و-ج اقتِرانُ اثنَينِ يَصيرانِ واحِداً في الحُكم، فالتَّعريفُ بِالاقتِرانِ دونَ الاسم. ثُمَّ نَهيٌ في صيغةِ الغائِبِ مُؤَكَّدٌ بِنونٍ ثَقيلة، صورَتُه نَهيٌ لَه وحاصِلُه تَحذيرٌ لَهُما، ومَفعولُه ضَميرُ المُثَنّى، فالخُروجُ المَخوفُ خُروجُ اثنَينِ مَعاً. والإخراجُ من خ-ر-ج نُفوذٌ يَنتَهي إلى بُروزٍ ظاهِر، على وَزنِ أفعَلَ، والجَنّةُ من ج-ن-ن جَوفٌ يَحتَوي ما فيه فيَحجُبُه عَمَّن خارِجَه، فالخُروجُ مِنها خُروجٌ من السَّترِ إلى الانكِشاف. ثُمَّ فاءُ سَبَبِيّةٍ وفِعلٌ مَنصوبٌ مُسنَدٌ إلى مُخاطَبٍ مُفرَد، فقد خَرَجا اثنَينِ وشَقِيَ واحِد. والآيةُ تَملِكُ صيغةَ المُثَنّى وقد استَعمَلَتها قَبلَ كَلِمة، فعُدولُها عنها اختِيارٌ يُقرَأُ ولا يُسَوّى، ويَتَّصِلُ بِه ما بَعدَه فيَبقى الخِطابُ مُفرَداً ولا يَعودُ إلى المُثَنّى. والشَّقاءُ من ش-ق-و جَهدٌ مُشتَدٌّ يوصَلُ بِمَن وَقَعَ عَلَيه فلا يُفارِقُه، وهذا ثاني ثَلاثةِ مَواضِعَ لَه في السّورةِ لا رابِعَ لَها، فقد نُفِيَ في مَطلَعِها عن المُخاطَبِ بِالكِتاب، وحُذِّرَ مِنه هُنا، ويُنفى بَعدَ سِتِّ آياتٍ عن تابِعِ الهُدى، فيَقَعُ التَّحذيرُ بَينَ نَفيَين.