الصَّلْي

saly جذر · ص-ل-ي 6 مَواضِعَ في القرآن
التَّعريف الجَذريّ
**لُصوقٌ يَلزَمُ ويَمتَدُّ إلى غَيرِ حَدّ**. لَيسَ الصَّلْيُ احتِراقاً يَقَعُ بِالمَرءِ ولا دُخولاً في حَيِّز، بَل مُلابَسةً يُلصِقُ فيها اللّاصِقُ سَطحَه بِالنّارِ فتَنفُذُ فيه، لا يَرُدُّها ولا تَرُدُّه. ومن هُنا جاءَ من الجَذرِ نَفسِه **اصطَلى** لِمَن دَنا من النّارِ يَلتَمِسُ حَرَّها، فالمادّةُ مادّةُ مُلامَسةٍ لا مادّةُ إهلاك. ولِذلك جاءَ الفاعِلُ في المُسَجَّلِ كُلِّه هو **المُعَذَّبَ نَفسَه** لا النّار.

تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر

ثلاثةُ حُروف:

  • ص: إطباقٌ صَلبٌ لِأقصى اللِّسانِ على الحَنَكِ يَحصُرُ النَّفَسَ في

مَجرىً ضَيِّقٍ خَلفَ الأسنان، فيَجري منه صَفيرٌ غَليظٌ نافِذٌ مُتَّصِلٌ لا انفِجارَ فيه. شِحنَتُه: إطباقٌ صَلبٌ يُمسِكُ ويَضغَطُ في مَضيقٍ ثُمَّ يَنفُذ.

  • ل: تَعَلُّقُ طَرَفِ اللِّسانِ بِأصلِ الثَّنايا التِصاقاً، مَعَ

جَرَيانِ الصَّوتِ مُنسابِاً مُمتَدّاً من جانِبَيه، فيَمضي مُستَقِلاًّ مُنحَرِفاً. شِحنَتُه: التِصاقٌ ثُمَّ امتِدادٌ مُنساب.

  • ي: يَقتَرِبُ وَسَطُ اللِّسانِ من الغارِ اقتِراباً لَيِّناً لا حَبسَ

فيه، فيَسري الصَّوتُ في مَجراهُ مُمتَدّاً ثُمَّ يَنسابُ مُطلَقاً إلى ما بَعدَه. شِحنَتُه: امتِدادٌ لَيِّنٌ يُطلَقُ إلى ما بَعدَه بِلا حَدٍّ يَقِفُ عِندَه.

النَّواةُ صَل (ص + ل) = إمساكٌ صُلبٌ يَلتَصِقُ ثُمَّ يَمتَدّ: قَبضةٌ لا تُفلِتُ ما قَبَضَت، ثُمَّ جَريانٌ مَوصولٌ بِها. والإغلاقُ بِـي يُطلِقُ هذا الامتِدادَ إلى ما بَعدَه بِلا رَبطٍ يَرُدُّه ولا حَدٍّ يَقطَعُه، فيَصيرُ الجَذرُ كُلُّه: لُزوقٌ يُمسِكُ ويَجري إلى غَيرِ غايةٍ يَقِفُ عِندَها.

ومنه في كلامِ العَرَب:

  • صَلَى اللَّحمَ: شَواهُ على النّارِ حتّى أخَذَتْه. والنَّظَرُ فيه

إلى مُلابَسةِ النّارِ لِلمَشويِّ لا إلى إفنائِه.

  • صَلِيَ النّارَ: قاساها ولَزِمَها فوَجَدَ لَفحَها في بَدَنِه.

والفِعلُ من بابِ فَعِلَ يَفعَل، وهو بابُ الأحوالِ التي تَقومُ بِصاحِبِها.

  • اصطَلى: دَنا من النّارِ يَلتَمِسُ حَرَّها. وهو أوضَحُ شاهِدٍ على

أنَّ المادّةَ لَيسَت مادّةَ عُقوبة: لا يُطلَبُ الهَلاكُ ويُطلَبُ الدُّنُوّ.

  • الصِّلاء: النّارُ التي يُصطَلى بِها، أي المَحَلُّ الذي يُلاصَق.
  • الصَّلاية: الحَجَرُ يُسحَقُ عليه، مِمّا يَلزَقُ بِه المَسحوقُ

فيَمتَدُّ عليه.

الشِّحنةُ الجامعةُ لِلجَذرِ ص-ل-ي: مُلابَسةٌ لازِقةٌ تَمتَدُّ ولا تَرجِع.

وهذا يَدفَعُ ثَمَنَه في ثَلاثةِ مَواضِعَ لا يُعطيها السَّطح.

الأوَّل، ولِمَ لَم يَكُنِ الجَذرُ هو ص-ل-و. النَّواةُ صَل واحِدةٌ في المادَّتَين، والفارِقُ حَرفٌ واحِدٌ في آخِرِهِما، وهو نَفسُه الفارِقُ في المَعنى: و وَصلٌ مَمدودٌ يَربِطُ ما قَبلَه بِما بَعدَه، فيَنعَقِدُ بِه طَرَفانِ ويَرجِعُ كُلٌّ إلى صاحِبِه؛ وي انسِيابٌ مُطلَقٌ إلى ما بَعدَه بِلا رَبطٍ يَرُدّ. وهذا يَظهَرُ في المُسَجَّلِ ظُهوراً يُمكِنُ عَدُّه: الجَذرُ المُغلَقُ بِالواوِ يَجري في الاتِّجاهَين، فالعَبدُ يُقالُ لَه ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ ويُقالُ في المُصابِرينَ ﴿عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ﴾؛ والجَذرُ المُغلَقُ بِالياءِ يَجري في جِهَةٍ واحِدة في مَواضِعِه السِّتّةِ كُلِّها: يَصلاها الإنسانُ ولا تَصلاهُ النّار.

الثّاني، ولِمَ كانَ الإنسانُ فاعِلاً. لو كانَ الجَذرُ اسماً لِلإحراقِ لَكانَ الأصلُ أن تُسنَدَ النّارُ فاعِلةً والإنسانُ مَفعولاً، كَما يُقالُ أحرَقَتْه. والمُسَجَّلُ يَعكِسُ ذلك في سِتّةٍ من سِتّة: المَحَلُّ مَنصوبٌ دائِماً والصّالي مَرفوعٌ دائِماً. واللُّصوقُ فِعلُ اللّاصِقِ لا فِعلُ المُلاصَق، فبِنيَةُ الجُملةِ تابِعةٌ لِشِحنةِ الجَذرِ لا لِلمُصادَفة. ويُقابِلُه في المُسَجَّلِ نَفسِه أنَّ الإدخالَ يُسنَدُ إلى غَيرِ الدّاخِل: ﴿مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ (٣:١٩٢). فالفِعلانِ يَقَعانِ على النّارِ نَفسِها ويَختَلِفانِ في مَن يَفعَل.

الثّالِث، ولِمَ كانَ ضِدُّه في القرآنِ لَفظَ مَسافةٍ لا لَفظَ بَرد. تُقابِلُ السّورَتانِ اللَّتانِ فيهِما «الأشقى» الصَّلْيَ بِالتَّجَنُّبِ لا بِالنَّجاةِ ولا بِالإطفاء: ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى﴾ (٨٧:١١) و﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾ (٩٢:١٧). والجَنْبُ الجانِب، فضِدُّ الصَّلْيِ أن تَكونَ في جانِبِ الشَّيءِ لا أن يَبرُدَ عَنك. وهذا لا يَستَقيمُ إلّا إذا كانَ مَضمونُ الجَذرِ التِصاقاً لا حَرارة.

الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن

  • اصْلَوْهَا (أمرٌ لِجَماعةٍ مُتَّصِلٌ بِضَميرِ النّار): مَوضِعٌ

واحِد. والواوُ فيه واوُ الجَماعةِ لا لامَ الكَلِمة، ولامُ الكَلِمةِ مَحذوفةٌ لِلبِناء، وهو ما يُخفي الجَذرَ عن كُلِّ مَسحٍ يَطلُبُ الياءَ ظاهِرة.

  • يَصْلَى (مُضارِعٌ لِلغائِبِ يَنصِبُ النّارَ بِلا حَرفِ جَرّ):

مَوضِعٌ واحِد، ويَقَعُ صِلةً لِمَوصولٍ يُعَرِّفُ صاحِبَه.

  • تَصْلَىٰ (مُضارِعٌ مُسنَدٌ إلى مُؤَنَّث): مَوضِعٌ واحِد، وفاعِلُه

«وُجوه» لا أشخاص.

  • يَصْلَاهَا (مُضارِعٌ مُتَّصِلٌ بِضَميرِ المَحَلّ): مَوضِعان، وهُما

وَجهانِ مُتَقابِلانِ في الخَبَر: مَنفيٌّ مَحصورٌ بِـ«لا... إلّا» (٩٢:١٥)، ومُثبَتٌ بِلا نَفيٍ ولا حَصر (١٧:١٨). فالحَصرُ حُكمُ المَوضِعِ لا حُكمُ الصّيغة، والصّيغةُ واحِدةٌ في الحالَين.

  • سَيَصْلَىٰ (المُضارِعُ مَسبوقاً بِسينِ الاستِقبال): مَوضِعٌ واحِد،

وهو المَوضِعُ الوَحيدُ الذي يُنسَبُ فيه الفِعلُ إلى رَجُلٍ بِعَينِه.

الجَذرُ قَبلَ الوَزن: الشِّحنةُ واحِدة، والذي تُوَزِّعُه الصِّيَغُ هو

الزَّمَنُ لا الجِهة. أمرٌ حاضِرٌ في مَشهَدٍ قائِم، ومُضارِعٌ

مُطلَقٌ في أربَعةِ مَواضِع، ومُستَقبَلٌ بِالسّين. أمّا الجِهةُ فلا

تَتَبَدَّل: الصّالي مَرفوعٌ والمَحَلُّ مَنصوبٌ في المَواضِعِ السِّتّةِ

بِلا استِثناء. ولا يَرِدُ الجَذرُ في المُسَجَّلِ ماضِياً ولا مَبنِيّاً

لِلمَجهولِ ولا مَصدَراً ولا اسمَ فاعِل.

الفُروق المَعنويّة: مَفاهيمُ مُجاوِرةٌ من جُذورٍ أُخرى

  • salat (الصَّلاة، ص-ل-و): **جَذرٌ آخَرُ لا صيغةٌ أُخرى من هذا

الجَذر، ولِذلك خَلا حَقلُ الأقرِباءِ في صَدرِ هذا المَفهوم. اللّامُ الأخيرةُ هُناكَ واوٌ وهي هُنا ياء، والفَرقُ في الشِّحنةِ تامٌّ: الصَّلاةُ وَصلٌ ذو طَرَفَينِ يَرجِعُ كُلُّ طَرَفٍ فيه إلى صاحِبِه، والصَّلْيُ لُصوقٌ في جِهةٍ واحِدةٍ لا رَجعَ فيه. وأقوى ما يَفصِلُ بَينَهُما أنَّ سورةَ الأعلى تَجمَعُهُما في آيَتَين**: ﴿الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَىٰ﴾ في الثّانيةَ عَشرة، ثُمَّ ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ﴾ في الخامِسةَ عَشرة. رَسمانِ مُتَقارِبانِ في سورةٍ واحِدة، أحَدُهُما مَآلُ الأشقى والآخَرُ فِعلُ مَن تَزَكّى. فلَو كانا مادّةً واحِدةً لَكانَ في السّورةِ تَناقُضٌ ظاهِر، ولَيسَ فيها تَناقُض.

  • dukhul (الدُّخول، د-خ-ل): عُبورُ حَدٍّ نُفوذاً إلى حَيِّزٍ

يَلتَحِقُ بِه الدّاخِل. والفَرقُ في مَوضِعِ الفِعلِ وفي فاعِلِه: الدُّخولُ يَقتَضي حَدّاً وداخِلاً وحَيِّزاً، والصَّلْيُ لا يَقتَضي إلّا سَطحَينِ يَتَلاصَقان. ولِذلك جازَ في المُسَجَّلِ أن يُقالَ «تُدخِلِ النّارَ» بِإسنادِ الفِعلِ إلى غَيرِ الدّاخِل، ولم يَجُز في الصَّلْيِ مَرّةً واحِدة.

  • nar (النّار، ن-و-ر): انبِعاثٌ داخِليٌّ مُحيطٌ جارٍ لا يَنقَطِع.

والفَرقُ فَرقُ المَحَلِّ والهَيئة: النّار يَقرَأُ ما هي النّار، وهذا المَفهومُ يَقرَأُ كَيفَ تُلقى. ولا يَلزَمُ من ذِكرِ النّارِ صَلْيٌ: في المُسَجَّلِ نارٌ تُتَّقى ونارٌ يُنقَذُ من شَفا حُفرَتِها ونارٌ تَأكُلُ قُرباناً.

  • المَسّ (م-س-س): لَيسَ لَه في المُعجَمِ مَفهومٌ يُحالُ عليه، ويُقابِلُ

الصَّلْيَ مُقابَلةً دالّة. في ٣:٢٤ يُحكى عنهُم قَولُهُم ﴿لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ﴾: فيَختارونَ أدنى ألفاظِ المُلامَسةِ ويَجعَلونَ النّارَ فاعِلةً ويَحُدّونَها بِأمَد. وثَلاثةُ هذه الوُجوهِ تَنقَلِبُ في الصَّلْي: مُلابَسةٌ لا مَسّ، والإنسانُ فاعِلٌ لا النّار، ولا أمَدَ يُذكَر.

  • الإحراق (ح-ر-ق): لا مَفهومَ لَه كَذلك. والفَرقُ بِنيَويٌّ لا

مِقداريّ: الإحراقُ فِعلُ النّارِ في الشَّيءِ حتّى يَفنى، والصَّلْيُ فِعلُ الشَّيءِ في مُلاصَقَتِه النّارَ وهو باقٍ. ولِذلك أمكَنَ أن يُقالَ بَعدَ الصَّلْيِ ﴿ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَىٰ﴾ (٨٧:١٣)، ولا يَستَقيمُ مِثلُ ذلك بَعدَ إحراقٍ يُفني.

  • taqwa (التَّقوى، و-ق-ي): فِعلُ حِراسةٍ يَنعَكِسُ على الذّاتِ

فيُقيمُ بَينَها وبَينَ ما يَضُرُّها حائِلاً. فهي وِقايةٌ تَفصِل، والصَّلْيُ لُصوقٌ لا فاصِلَ فيه. ولِذلك جاءَ الأتقى في ٩٢:١٧ مُجَنَّباً والأشقى في ٩٢:١٥ صالِياً في سورةٍ واحِدةٍ وبِضَميرِ نارٍ واحِدة.

المَواضع: مَواقعُ الصَّلْيِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)

  • ١٧:١٨ ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا﴾: الصّيغةُ خارِجَ الحَصر. الجَديدُ: «يَصْلَاهَا» بِعَينِ رَسمِها في ٩٢:١٥، وهي هُنا مُثبَتةٌ بِلا نَفيٍ ولا استِثناء وهُناكَ مَحصورةٌ بِـ«لا... إلّا». فيَسقُطُ أن يَكونَ اللَّفظُ مَحصوراً بِبِنيَتِه، ويَصيرُ الحَصرُ حُكمَ المَقامِ في تِلكَ السّورةِ وَحدَها. وهو المَوضِعُ الوَحيدُ الذي يُجعَلُ فيه المَحَلُّ جَعلاً ويُخَصُّ بِاللّام قَبلَ الصَّلْي: «جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ»، فيَتَقَدَّمُ الفِعلَ تَمليكٌ لا تَسمِيَةٌ ولا وَعد. ومَعَ ذلك يَبقى الإسنادُ على حالِه: الجاعِلُ غَيرُه والصّالي هو، فالتَّمليكُ من خارِجٍ واللُّصوقُ منه. ويَقَعُ بَعدَ ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ﴾، فتُقابِلُ لامُ العاجِلةِ لامَ جَهَنَّمَ ويُقرَأُ الصَّلْيُ خِتامَ ما عُجِّل. وحالاهُ «مَذْمُومًا مَّدْحُورًا» وَصفانِ لِلصّالي لا لِلمَحَلّ، وهُما إبعادٌ وطَردٌ يَقَعانِ عليه وهو لاصِقٌ، فيَجتَمِعُ في الآيةِ دَفعٌ عن مَوضِعٍ ولُزومٌ لِمَوضِع. انظُر mashia وirada.
  • ٣٦:٦٤ ﴿اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾: قاعِدةُ البَيتِ التي بُنِيَت عليها القِراءة. الجَديدُ: الصّيغةُ الوَحيدةُ التي يَقَعُ فيها الجَذرُ أمراً لا خَبَراً، فيُقالُ فيها لِلمُخاطَبينَ عن أنفُسِهِم، وصيغةُ الأمرِ تُسنِدُ الفِعلَ إلى المَأمورِ بِه لا إلى غَيرِه. وهو المَوضِعُ الوَحيدُ الذي تَكونُ فيه النّارُ ضَميراً عائِداً على مُعَيَّنٍ سَبَقَ تَسمِيَتُه: ﴿هَٰذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ قَبلَها، فالمُلابَسةُ تَقَعُ على مَوعودٍ مَعروفٍ لا على نارٍ مُبهَمة. والباءُ في «بِما كُنتُم» سَبَبِيّةٌ تَربِطُ اللُّزومَ في الجَزاءِ بِلُزومٍ في الفِعل: «كُنتُم تَكفُرون» صيغةُ الدَّيدَنِ المُتَّصِل، فما لَزِمَ لَزِم. انظُر الكُفر.
  • ٨٧:١٢ ﴿الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَىٰ﴾: الجَذرُ يَصيرُ تَعريفاً. الجَديدُ: يَنتَقِلُ من الأمرِ إلى الخَبَر، ويَقَعُ صِلةً لِمَوصولٍ يُحَدِّدُ «الأشقى»، فلا يُذكَرُ الصَّلْيُ حَدَثاً يَقَعُ بِصاحِبِه بَل عَلامةً تُعَرِّفُ بِه. وهو المَوضِعُ الوَحيدُ الذي تُعَرَّفُ فيه النّارُ بِأل وتُوصَفُ بِصيغةِ تَفضيل («الكُبرى»)، فيَقَعُ اللُّصوقُ على النّارِ في جِنسِها لا على نارٍ بِعَينِها. ويَسبِقُه ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى﴾، فيَجتَمِعُ في شَخصٍ واحِدٍ جانِبٌ يُبعَدُ عن الذِّكرى وسَطحٌ يُلصَقُ بِالنّار: هُما فِعلانِ في المَوضِعِ لا في القَلب. انظُر الذِّكر.
  • ٨٨:٤ ﴿تَصْلَىٰ نَارًا حَامِيَةً﴾: الفاعِلُ يَصيرُ سَطحاً. الجَديدُ: يُسنَدُ الفِعلُ لِأوَّلِ مَرّةٍ إلى غَيرِ الأشخاص، فالفاعِلُ «وُجوه»، والوَجهُ سَطحٌ لا ذات. فيَتَأكَّدُ أنَّ المادّةَ مادّةُ مُلاقاةِ سَطحٍ بِسَطحٍ لا مادّةُ استِهلاكِ جِرم. وهو أوَّلُ مَوضِعٍ تَرِدُ فيه النّارُ نَكِرةً مَوصوفةً، ووَصفُها «حامِيَة» احتِواءٌ يَحتَدِم، فيَلتَقي في الآيةِ لُصوقٌ من جِهةِ الوَجهِ واحتِواءٌ من جِهةِ النّار. ووُقوعُه بَعدَ ﴿عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ﴾ يَجعَلُ المُلابَسةَ مُنتَهى قِيامٍ مُجهِدٍ لا عُقوبةً مُبتَدَأةً بَعدَ سُكون. انظُر الحامِية.
  • ٩٢:١٥ ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى﴾: الجَذرُ يَدخُلُ حَيِّزَ الحَصر. الجَديدُ: أوَّلُ نَفيٍ يَرِدُ على هذا الفِعل، وأوَّلُ قَصرٍ لَه على صِنفٍ واحِد، فيَنتَقِلُ من وَصفِ الواقِعِ إلى تَحديدِ مَن يَقَعُ منه. والتَّركيبُ «لا... إلّا» يَجعَلُ الصَّلْيَ والأشقَوِيّةَ مُتَلازِمَينِ لا يَنفَكُّ أحَدُهُما عن الآخَر. وأدَقُّ ما يُضيفُه أنَّ ضِدَّه في السّورةِ نَفسِها يُبنى لِلمَجهول: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾. فالمُجَنَّبُ يُجَنِّبُه غَيرُه، والصّالي يَصلى بِنَفسِه، والضَّميرُ في الفِعلَينِ عائِدٌ على نارٍ واحِدة. وهذا التَّقابُلُ داخِلَ سورةٍ واحِدةٍ هو أوثَقُ شاهِدٍ في المُسَجَّلِ على أنَّ إسنادَ الصَّلْيِ إلى صاحِبِه مَقصود. انظُر التَّقوى.
  • ١١١:٣ ﴿سَيَصْلَىٰ نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾: الجَذرُ يَدخُلُ الزَّمَن. الجَديدُ: تَدخُلُ سينُ الاستِقبالِ لِأوَّلِ مَرّة، فيُنقَلُ الصَّلْيُ من مَشهَدٍ قائِمٍ أو حُكمٍ مُطلَقٍ إلى خَبَرٍ يُنتَظَرُ وُقوعُه. وهو المَوضِعُ الوَحيدُ الذي يُسنَدُ فيه الفِعلُ إلى عَينٍ مُسَمّاةٍ لا إلى صِنف: كانَ المَأمورونَ جَماعةً، والأشقى وَصفاً، والوُجوهُ جَمعاً، وهُنا رَجُلٌ بِعَينِه. ويَتَقَدَّمُه ﴿مَا أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾، فيَقَعُ اللُّصوقُ حَيثُ سَقَطَ الاجتِلاب: ما جَذَبَه إلى نَفسِه لم يَلزَمْه، والذي لَزِمَه لم يَجذِبْه. انظُر اللَّهب.

التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى

  • مَعَ النّار في ٨٨:٤ و١١١:٣: المَفهومانِ يَلتَقِيانِ في

مَوضِعَين، والقِسمةُ بَينَهُما ثابِتة: النّار يَقرَأُ النّارَ في نَفسِها، وَقوداً وانبِعاثاً وحَيِّزاً مُقابِلاً لِلجَنّة، وهذا المَفهومُ يَقرَأُ هَيئةَ اللِّقاءِ بِها. ومَواضِعُ الصَّلْيِ الأربَعةُ الأُخرى تُسَمّي مَحَلَّ اللُّصوقِ أيضاً أو تُحيلُ عليه بِضَمير، ولا يُقرَأُ منها هُنا إلّا ما يَتَعَلَّقُ بِالمُلابَسة.

  • مَعَ الحامِية في ٨٨:٤: الآيةُ الواحِدةُ تَحمِلُ الجَذرَينِ في

طَرَفَيها، فتُقرَأُ من جِهَتَين: لُصوقٌ يَبذُلُه الوَجهُ واحتِواءٌ تَبذُلُه النّار، ولا يَتِمُّ المَشهَدُ بِأحَدِهِما وَحدَه.

لِمَوصوفٍ واحِد، فيُقرَأُ القِيامُ المُجهِدُ الذي لا ثَمَرةَ لَه مُقَدِّمةً لِلُصوقٍ لا انفِكاكَ منه. الجَذرانِ مُتَعاقِبانِ في هَيئةٍ واحِدة: قِيامٌ يَحمِلُ ثُمَّ سَطحٌ يَلزَق.

  • مَعَ التَّقوى في ٩٢:١٥ و٩٢:١٧: الجَذرانِ يَتَقابَلانِ في

آيَتَينِ من سورةٍ واحِدة، ويَعودُ ضَميرُ النّارِ فيهِما على مَرجِعٍ واحِد. الوِقايةُ حائِلٌ يُقامُ والصَّلْيُ التِصاقٌ يَقَع، فالفَرقُ بَينَ الرَّجُلَينِ فَرقُ فاصِلٍ بُنِيَ أو لم يُبنَ.

  • مَعَ الكَسب في ١١١:٢ و١١١:٣: السّورةُ تَنفي الغَناءَ عن

المَكسوبِ ثُمَّ تُثبِتُ الصَّلْي، فيَقَعُ الجَذرانِ في آيَتَينِ مُتَتابِعَتَينِ على جِهَتَينِ مُتَقابِلَتَين: جَذبٌ إلى النَّفسِ لم يَنفَع، ولُصوقٌ بِالنّارِ لَزِم.

  • مَعَ الخُلود في ٨٧:١٢ و٨٧:١٣: يَتلو الصَّلْيَ نَفيُ

المَوتِ ونَفيُ الحَياةِ مَعاً، فيُقرَأُ اللُّصوقُ الذي لا يَنقَطِعُ حالاً مُنعَقِدةً لا مُدّةً تُعَدّ.

الإشكالات المَفتوحة

  • **إسنادُ الفِعلِ إلى المُعَذَّبِ في المَواضِعِ السِّتّة: أهو حُكمُ

الجَذرِ أم حُكمُ البابِ الصَّرفيّ؟** «صَلِيَ يَصلى» من بابِ فَعِلَ يَفعَل، وهو بابُ الأحوالِ التي تَقومُ بِصاحِبِها (فَرِحَ، مَرِضَ، عَطِشَ)، فقد يُقالُ إنَّ الرَّفعَ لَيسَ إسنادَ فِعلٍ بَل إسنادَ حال. والذي يُقَوّي أنَّه مَقصودٌ في المَعنى شاهِدانِ من المُسَجَّل: مُقابَلَتُه بِالمَبنيِّ لِلمَجهولِ في ضِدِّه (٩٢:١٧)، ومُقابَلَتُه بِفِعلِ الإدخالِ المُسنَدِ إلى غَيرِ الدّاخِل (٣:١٩٢). وهذا تَرجيحٌ لا حَسم. مَفتوح.

  • «اصْلَوْها»: أمرُ تَكليفٍ أم أمرُ تَوبيخ؟ الثّاني هو المُوافِقُ

لِلمَقام، وعليه لا يَصِحُّ أن يُبنى على الصّيغةِ وَحدَها حُكمٌ في الاختِيار. ولَو أُسقِطَ هذا المَوضِعُ من دَليلِ الإسنادِ لَبَقِيَتِ المَواضِعُ الخَمسةُ الباقيةُ على حالِها، فالدَّليلُ لا يَنهار. مَفتوح.

  • هل ص-ل-و وص-ل-ي أصلانِ أم أصلٌ واحِدٌ تَشَعَّب؟ النَّواةُ

صَل واحِدةٌ فيهِما، والفَرقُ في الحَرفِ الأخيرِ وَحدَه. القِراءةُ هُنا تَفصِلُ بَينَهُما فَصلاً تامّاً في الشِّحنةِ والاتِّجاه، ولا تَقطَعُ في أصلِهِما البَعيد. ولَو رُدّا إلى أصلٍ واحِدٍ لَبَقِيَ الفَرقُ الذي قامَ عليه الدَّليلُ (اتِّجاهٌ واحِدٌ في مُقابِلِ اتِّجاهَين) قائِماً كَما هو. مَفتوح.

  • **المُسَجَّلُ لا يَحوي من هذه المادّةِ ماضِياً ولا مَصدَراً ولا اسمَ

فاعِلٍ ولا مَبنِيّاً لِلمَجهول.** فكُلُّ ما تَقَدَّمَ مَبنيٌّ على المُضارِعِ والأمرِ وَحدَهُما. وقد نُشِرَتِ الإسراءُ وطه في 2026-08-17 فلم تَزيدا عليه إلّا مُضارِعاً سادِساً (١٧:١٨)، وطه لا تَحمِلُ من الجَذرِ شَيئاً. فالغِيابُ قائِمٌ على سِتِّ سُوَرٍ الآن، ويُختَبَرُ عِندَ نَشرِ سُوَرٍ جَديدة.

  • سَقَطَ قَيدُ الحَصرِ ولم يَسقُط ما بُنِيَ عليه. كانَ في §٢ أنَّ

«يَصْلَاهَا» لا تَرِدُ إلّا مَنفِيّةً مَحصورةً بِـ«لا... إلّا»، ونَقَضَته ١٧:١٨ مُثبَتةً. والمَقروءُ الآنَ أنَّ الحَصرَ في ٩٢:١٥ صَنيعُ السّورةِ لا صَنيعُ الصّيغة: هُناكَ يُقابَلُ الأشقى بِالأتقى فيَحتاجُ المَقامُ إلى قَصر، وهُنا يُساقُ الخَبَرُ مُفرَداً فلا يَحتاج. ويَبقى السُّؤالُ مَفتوحاً: أهُوَ فَرقُ مَقامٍ حَقّاً أم قِلّةُ مَوضِعَين لا يُقاسُ عَلَيهِما؟ مَفتوح.

مَواضِعُ هذا المَفهومِ في القرآن