طه · الآية 2

﴿مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ

«مَا أَنزَلْنَا»: أينَ يَقَعُ النَّفي

«ما» نافِيةٌ تَدخُلُ على الجُملةِ لا على مُفرَد، فما دَخَلَ في حَيِّزِها دَخَلَ في النَّفي، ولَيسَ الفِعلُ وَحدَه هو الدّاخِل. والجُملةُ فِعلٌ ومَفعولٌ وجارٌّ ومَجرور، ثُمَّ لامٌ تُعَلِّلُ في آخِرِها.

واللّامُ الأخيرةُ داخِلةٌ في حَيِّزِ «ما» كَدُخولِ سِواها، فالمَنفِيُّ إنزالٌ لِهذه الغاية، والإنزالُ نَفسُه خارِجٌ عن النَّفي. ولِذلك جاءَتِ الآيةُ التّالِيةُ بِاستِثناءٍ يُثبِتُ غايةً أُخرى ولا يُثبِتُ الإنزال، لِأَنَّ الإنزالَ لم يَكُنْ مَحَلَّ النَّفيِ حتّى يُستَدرَك.

فهو نَفيٌ يَرفَعُ العِلّةَ ويَترُكُ الفِعلَ قائِماً.

«أَنزَلْنَا»: دَفعةٌ واحِدةٌ يَتَعَدّى بِها الفِعل

وأصلُ ن-ز-ل نُفوذٌ من مُحتَبَسٍ يَنتَهي إلى مَحَلٍّ فيَلزَمُه، ومنه «المَنزِل» لِما يُحَلُّ فيه فيُقامُ بِه، فالنُّزولُ في أصلِه استِقرارُ الهابِطِ حَيثُ انتَهى، لا مُرورُه.

وجاءَ هُنا على وَزنِ أَفعَلَ: «أنزَلنا»، وأفعَلُ بابُ التَّعدِيةِ في دَفعةٍ واحِدة، والحَدَثُ فيه واحِدٌ لا يُجَزَّأ. وسَتَعودُ المادّةُ نَفسُها بَعدَ آيَتَينِ على وَزنٍ آخَرَ يُفَرِّقُ الحَدَثَ على دَفَعات، وتِلكَ صيغَتانِ لِمادّةٍ واحِدةٍ في مَطلَعٍ واحِد.

و«عَلَيْكَ» حَرفُ استِعلاءٍ وضَمير، والنّازِلُ يَقَعُ من فَوق، والمُخاطَبُ تَحتَه مَوضِعُ وُقوعِه، ولِذلك صَحَّ أن يُتَوَهَّمَ الثِّقَل، فجاءَ النَّفيُ في مَوضِعِه.

«الْقُرْآنَ»: مَجموعٌ يُنطَقُ بِه

والجَذرُ ق-ر-أ ضَمُّ المُتَفَرِّقِ ثُمَّ إخراجُه مَنطوقاً، ومنه «قَرَأ» إذا جَمَعَ الحُروفَ فأخرَجَها مُبَيَّنة، فالقِراءةُ جَمعٌ ثُمَّ إظهار، وهي غَيرُ نَقلِ عَينٍ من مَكانٍ إلى مَكان.

و«القُرآن» على وَزنِ فُعلانَ لِلحَدَثِ المُكَثَّف، وهو اسمٌ لِما يُجمَعُ فيُنطَق. وجاءَ مَعرِفةً مَنصوباً بَينَ الفِعلِ وعِلَّتِه، فهو المَحمولُ لا الحامِل، والّذي نَزَلَ مَعلومٌ مُعَيَّن، والّذي نُفِيَ هو ما يُقصَدُ بِه.

«لِتَشْقَىٰ»: تَعَبٌ يوصَلُ بِصاحِبِه فلا يُفارِقُه

ومادّةُ ش-ق-و جَهدٌ يَشتَدُّ ويَنتَشِرُ ثُمَّ يوصَلُ بِصاحِبِه فيَدوم، ومنه «شَقِيَ» إذا تَعِبَ فلم يَظفَر، و«الشَّقاء» تَعَبٌ مَوصولٌ بِفَواتِ الثَّمَرة. فالذي في الجَذرِ مَشَقّةٌ تَلتَصِقُ بِمَن وَقَعَت عَلَيه، ولا يَقِفُ عِندَ مَشَقّةٍ تَمُرّ.

وهذا هو المَنفِيُّ بِعَينِه، فلم يُنفَ عن المُخاطَبِ الجَهدُ ولا التَّعَب، والمَنفِيُّ أن يَكونَ التَّعَبُ الّذي لا يُثمِرُ هو ما نَزَلَ الكِتابُ لِأجلِه. وفَرقٌ بَينَ أن تُنفى المَشَقّةُ وأن يُنفى أن تَكونَ هي المَقصودَة.

ولَو كانَ المُرادُ نَفيَ التَّعَبِ لَقيلَ «لا تَشقى»، وعُدِلَ عن ذلك إلى «لِتَشقى» بِلامٍ تُعَلِّل، والنَّفيُ بِـ«ما» يَقَعُ على القَصدِ الذي تُعَلِّلُه اللّام، لا على الوُقوع.


حَصيلة

تَفتَتِحُ الآيةُ بِـ«ما» نافِيةٍ تَدخُلُ على الجُملةِ بِتَمامِها، وفي آخِرِ الجُملةِ لامٌ تُعَلِّل، فيَقَعُ النَّفيُ على الإنزالِ مَقروناً بِعِلَّتِه لا على الإنزالِ وَحدَه. والفِعلُ من ن-ز-ل، نُفوذٌ من مُحتَبَسٍ يَنتَهي إلى مَحَلٍّ فيَلزَمُه، وجاءَ على أَفعَلَ في دَفعةٍ واحِدةٍ لا تُجَزَّأ، و«عَلَيْكَ» يَجعَلُ المُخاطَبَ مَوضِعَ الوُقوعِ من فَوق. والمَحمولُ «الْقُرْآنَ» من ق-ر-أ، ضَمُّ المُتَفَرِّقِ ثُمَّ إخراجُه مَنطوقاً، على وَزنِ فُعلانَ لِلحَدَثِ المُكَثَّف. والمَنفِيُّ «لِتَشْقَىٰ» من ش-ق-و، تَعَبٌ يَشتَدُّ ثُمَّ يوصَلُ بِصاحِبِه فلا يُفارِقُه. والآيةُ لا تُخبِرُ بِأنَّ الحَملَ خَفيف، ولا بِأنَّ الجَهدَ مَرفوع، ومَضمونُها أنَّ التَّعَبَ الّذي لا يُثمِرُ لَيسَ هو الغايةَ الّتي نَزَلَ لَها ما نَزَل. فقد رُفِعَتِ الغايةُ وبَقِيَ الفِعل، وتُرِكَ المَوضِعُ فارِغاً حتّى تَملَأَه الآيةُ الّتي بَعدَها.