طه · الآية 123

﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ

«اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا»: أمرٌ لِاثنَينِ وحالٌ تَجمَع

«اهْبِطَا» فِعلُ أمرٍ مُسنَدٌ إلى ألِفِ الاثنَين، وبِه عادَ العَدَدُ إلى التَّثنِيةِ بَعدَ الإفرادِ في الآيةِ التي قَبلَها.

والهُبوطُ في ه-ب-ط نُزولٌ يَنتَهي إلى انبِساطٍ في مُستَقَرّ، فهو نُزولٌ يَستَقِرُّ بِصاحِبِه، غَيرُ سُقوطٍ يَمُرّ.

و«مِنْهَا» ضَميرٌ يَعودُ إلى المَوضِعِ المَذكورِ في هذا المَقطَعِ ولا يُعيدُ اسمَه.

و«جَمِيعًا» حالٌ من ج-م-ع، ومَعناه ضَمُّ المُتَفَرِّقِ حتّى يَلتَحِم، فالحالُ تَجمَعُ ما فَرَّقَه العَدَد.

«بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ»: جَمعٌ يَقَعُ بَعدَ مُثَنّىً في السَّطرِ نَفسِه

ويَقَعُ ضَميرُ الجَمعِ بَعدَ ألِفِ الاثنَينِ بِأربَعِ كَلِمات، فأُمِرَ اثنانِ وخوطِبَت جَماعة.

فالعَدَدُ في هذه الآيةِ على ثَلاثةِ أطوارٍ مُتَتابِعة: تَثنِيةٌ في الفِعل، ثُمَّ حالٌ تَجمَع، ثُمَّ ضَميرُ جَمعٍ في الجُملةِ بَعدَه، وهذا آخِرُ انتِقالٍ في المَقطَع.

و«عَدُوٌّ» خَبَرٌ مُفرَدٌ نَكِرة، وهو اللَّفظُ نَفسُه الذي قيلَ قَبلَ سِتِّ آيات: إِنَّ هَٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ﴾.

والفَرقُ بَينَ المَوضِعَينِ في مَوقِعِ العَداوةِ دونَ لَفظِها، فهُناكَ عَدُوٌّ يُشارُ إلَيه من خارِجِهِما، والعَداوةُ هُنا بَينَهُم أنفُسِهِم.

وأُعيدَتِ اللّامُ هُناكَ فأُفرِدَ كُلُّ واحِدٍ بِها، وهُنا لامٌ واحِدةٌ تَدخُلُ على نَكِرةٍ في «لِبَعْضٍ»، فالطَّرَفُ الآخَرُ غَيرُ مُعَيَّن.

«فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى»: شَرطٌ مُؤَكَّدٌ ونَكِرةٌ تَجيء

و«إِمَّا» أصلُها أداةُ شَرطٍ لَحِقَتها «ما»، وأُكِّدَ فِعلُ الشَّرطِ بِنونٍ ثَقيلة، فالشَّرطُ في صورَتِه واحتِمالُ وُقوعِه مُؤَكَّدٌ في لَفظِه.

والفِعلُ «يَأْتِي» مَجيءٌ لا إعطاء، فالهُدى يَجيءُ إلَيهِم، ولا يُقالُ إنَّهُم يَطلُبونَه.

وقُدِّمَ «مِّنِّي» على الفاعِل، فعُرِفَتِ الجِهةُ قَبلَ أن يُعرَفَ الجائي، والجِهةُ ضَميرُ مُتَكَلِّمٍ، لا اسمٌ ظاهِر.

و«هُدًى» نَكِرة، جاءَ بِلا تَعريفٍ ولا إضافةٍ ولا وَصف.

وقد كانَ في هذا المَقطَعِ عَرضٌ آخَرُ لِدَلالة: هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾، وذاكَ عَرضٌ بِاستِفهامٍ من قائِلٍ حاضِر، وهذا مَجيءٌ بِشَرطٍ مُؤَكَّدٍ من جِهةٍ تُذكَرُ بِضَميرِها.

«فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ»: النَّكِرةُ تُعَرَّفُ بِالإضافةِ بَعدَ كَلِمَتَين

و«هُدًى» في الشَّرطِ نَكِرة، و«هُدَايَ» في الجَوابِ مُضافٌ إلى ياءِ المُتَكَلِّم، فقد جاءَ مُنَكَّراً ثُمَّ صارَ مُعَرَّفاً بِنِسبَتِه إلى مَن جاءَ مِنه.

و«اتَّبَعَ» من ت-ب-ع على وَزنِ افتَعَل، وأصلُ المادّةِ إفلاتٌ يَتلوه لَحاقٌ ولُصوق، والوَزنُ يَزيدُه تَكَلُّفَ اللُّحوقِ وطَلَبَه.

فالمَشروطُ في الجَوابِ عَمَلٌ يَصنَعُه المُتَّبِع، والشَّرطُ الأوَّلُ مَجيءٌ يَقَعُ لَه، فالمَجيءُ من هُناكَ واللُّحوقُ من هُنا.

«فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ»: نَفيانِ في صورةٍ سَبَقَت في السّورة

وهُما مَنفِيّانِ أُعيدَ مَعَ ثانيهِما حَرفُ النَّفي. والضَّلالُ في ض-ل-ل ذَهابٌ في سَعةٍ لا يَحُدُّه طَريق، والشَّقاءُ في ش-ق-و جَهدٌ مُشتَدٌّ يوصَلُ بِصاحِبِه فلا يُفارِقُه.

فالمَنفِيُّ الأوَّلُ ذَهابٌ عن الطَّريق، والثّاني تَعَبٌ يَلزَم، وأحَدُهُما في السَّيرِ والآخَرُ في السّائِر.

وهذه الصّورةُ بِعَينِها وَقَعَت في هذه السّورةِ من قَبل: لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى﴾، فِعلٌ أوَّلُ واحِدٌ بِلَفظِه، ثُمَّ نَفيٌ ثانٍ يُعطَفُ عَلَيه بِإعادةِ الحَرف.

ونُفِيَ هُناكَ عن الرَّبِّ، ويُنفى هُنا عن تابِعِ هُداه، فهي جُملةٌ على صورةٍ واحِدةٍ في مَقامَينِ مُتَباعِدَين.

خَيطُ ش-ق-و يُغلَقُ هُنا

ووَقَفَت هذه المادّةُ في السّورةِ ثَلاثَ مَرّاتٍ ولا رابِعَ لَها، الأولى في مَطلَعِها: مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ﴾، وهي نَفيٌ عن حامِلِ الكِتاب.

والثّانيةُ في هذا المَقطَع: فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ﴾، وهي تَحذيرٌ لا نَفيَ فيه.

والثّالِثةُ هذه، وهي نَفيٌ عن كُلِّ مَن اتَّبَع، فما نُفِيَ عن واحِدٍ في أوَّلِ السّورةِ يُنفى في آخِرِ هذا المَقطَعِ عن كُلِّ لاحِقٍ بِالهُدى، وبَينَهُما تَحذيرٌ من وُقوعِه.


حَصيلة

«اهْبِطَا» فِعلُ أمرٍ مُسنَدٌ إلى ألِفِ الاثنَينِ يَعودُ بِالعَدَدِ إلى التَّثنِيةِ بَعدَ الإفرادِ في الآيةِ قَبلَها، والهُبوطُ في ه-ب-ط نُزولٌ يَنتَهي إلى انبِساطٍ في مُستَقَرٍّ لا سُقوطٌ يَمُرّ، و«مِنْهَا» ضَميرٌ يَعودُ ولا يُعيدُ الاسم، و«جَمِيعًا» حالٌ من ج-م-ع تَضُمُّ المُتَفَرِّقَ حتّى يَلتَحِم. ثُمَّ يَأتي ضَميرُ جَمعٍ بَعدَ ألِفِ الاثنَينِ بِأربَعِ كَلِمات، فهي ثَلاثةُ أطوارٍ في آيةٍ واحِدة، وهو آخِرُ انتِقالٍ في المَقطَع. و«عَدُوٌّ» خَبَرٌ مُفرَدٌ نَكِرة، وهو اللَّفظُ نَفسُه الذي قيلَ قَبلَ سِتِّ آيات، والفَرقُ في مَوقِعِ العَداوةِ دونَ لَفظِها: فهُناكَ عَدُوٌّ يُشارُ إلَيه من خارِجِهِما، والعَداوةُ هُنا بَينَهُم أنفُسِهِم؛ وأُعيدَتِ اللّامُ هُناكَ فأُفرِدَ كُلُّ واحِدٍ بِها، وهُنا لامٌ واحِدةٌ على نَكِرةٍ فالطَّرَفُ الآخَرُ غَيرُ مُعَيَّن. ثُمَّ شَرطٌ أُكِّدَ فِعلُه بِنونٍ ثَقيلة، وفِعلُه مَجيءٌ لا إعطاء، وذُكِرَتِ الجِهةُ بِضَميرِ المُتَكَلِّمِ قَبلَ الفاعِل، والفاعِلُ نَكِرةٌ بِلا وَصفٍ ولا إضافة. وقد كانَ في هذا المَقطَعِ عَرضٌ آخَرُ لِدَلالةٍ جاءَ بِاستِفهامٍ من قائِلٍ حاضِر، وهذا مَجيءٌ بِشَرطٍ من جِهةٍ تُذكَرُ بِضَميرِها. ثُمَّ تُعَرَّفُ النَّكِرةُ بَعدَ كَلِمَتَينِ بِالإضافةِ إلى ياءِ المُتَكَلِّم، و«اتَّبَعَ» من ت-ب-ع على افتَعَل، وأصلُه إفلاتٌ يَتلوه لَحاقٌ ولُصوق، والوَزنُ يَزيدُه طَلَباً وتَكَلُّفاً، فالمَجيءُ من هُناكَ واللُّحوقُ من هُنا. ثُمَّ مَنفِيّانِ أُعيدَ مَعَ ثانيهِما حَرفُ النَّفي: الضَّلالُ في ض-ل-ل ذَهابٌ في سَعةٍ لا يَحُدُّه طَريق، والشَّقاءُ في ش-ق-و جَهدٌ مُشتَدٌّ يوصَلُ بِصاحِبِه فلا يُفارِقُه؛ وأحَدُهُما في السَّيرِ والآخَرُ في السّائِر. وهذه الصّورةُ بِعَينِها وَقَعَت في السّورةِ من قَبلُ في نَفيَينِ عن الرَّبِّ أوَّلُهُما هذا الفِعلُ بِلَفظِه، فهي جُملةٌ واحِدةُ الصّورةِ في مَقامَينِ مُتَباعِدَين، هُناكَ عن الرَّبِّ وهُنا عن تابِعِ هُداه. وبِهذا يُغلَقُ خَيطُ الشَّقاء، فقد نُفِيَ في مَطلَعِ السّورةِ عن حامِلِ الكِتاب، وحُذِّرَ مِنه في هذا المَقطَع، ويُنفى هُنا عن كُلِّ مَن لَحِقَ بِالهُدى، وهي ثَلاثةُ مَواضِعَ لا رابِعَ لَها.