الليل · الآية 15

﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى

«لا ... إلّا»: الحَصرُ القاطِع

والأداةُ المُرَكَّبَةُ «لا ... إلّا» تَحصُر، فلا يَفعَلُ هذا الفِعلَ إلّا صاحِبُ هذه الصِّفَة. والحَصرُ هُنا قاطِعٌ في وَجهَين: لا أحَدَ غَيرَ الأَشقى يَصلاها، والأَشقى نَفسُه لا يَفعَلُ شَيئاً غَيرَ صِلائها، فالفِعلُ والفاعِلُ يَلتَقيانِ في حَصرٍ مُتَقابِل.

وفي اختيارِ هذه الصّيغَةِ بَلاغَةٌ مَقصودَة، فلَو جاءَ «يَصلاها الأَشقياء» لَكانَ المَعنى أنَّ كُلَّ شَقِيٍّ يَصلاها، ولَو جاءَ «الأَشقى يَصلاها» لَكانَ بِمَعنى أنَّ الأَشقى يَفعَلُ هذا، والحَصرُ بِـ«لا ... إلّا» يَفعَلُ شَيئاً ثالِثاً، إذ يَجعَلُ الصِّلاءَ والأَشقَوِيَّةَ مُتَلازِمَين، لا يَنفَكُّ أحَدُهُما عنِ الآخَر: فإذا كانَ ثَمَّةَ صِلاءٌ فثَمَّةَ أَشقى، وإذا كانَ ثَمَّةَ أَشقى فثَمَّةَ صِلاء.

«يَصلاها»: مُلامَسَةُ النّارِ، لا مُجَرَّدُ دُخولِها

والجِذرُ ص-ل-ي حرفيّاً قَبضٌ صَلبٌ يَمتَدُّ ويَتَعَلَّقُ بِمُلامَسَةٍ شَديدَة، وفي العَرَبيّةِ «صَلَيتُ بِالنّار» إذا تَعَرَّضتُ لِحَرِّها بِقُربٍ مُباشِر، ومِنه «الصِّلاء» (التَّعَرُّضُ لِلنّارِ بِمُلامَسَة)، و«اصطَلى بِالنّار» (دَنا مِنها فأصابَه حَرُّها). والكَلِمَةُ مَخصوصَةٌ بِمُلامَسَةِ النّارِ التي تَترُكُ أثَرَها على المَلموس، ولم تُوضَعْ عامَّةً لِكُلِّ نَوعٍ مِن دُخولٍ في نار.

وفي ذلكَ تَنبيه، فالنّارُ التي يَتَلَظّى لَهيبُها لا يَدخُلُها الإنسانُ كَدُخولِ غُرفَة، فهو يَلتَصِقُ بِها التِصاقَ مَن يُمَسُّ بِها، ويَتَّخِذُ مِنها صَلاءً يَطبَعُه. والصّيغَةُ في المُضارِعِ «يَصلاها» تَدُلُّ على الاستِمرار، فهُوَ صَلاءٌ مُتَواصِلٌ يَدوم، لا صَلاءٌ يَنتَهي بِلَحظَة.

«الأَشقى»: التَّفضيلُ في الشَّقاء

والجِذرُ ش-ق-ي يَدُلُّ على عُسرٍ يَنشَقُّ ويَنفَصِل، أي حالَةٍ مَفصولَةٍ عنِ الرّاحَةِ بِجَفاف، ومِنه «الشَّقاء» (التَّعَبُ المُتَواصِلُ بِغَيرِ راحَة)، و«شَقيَ بِكذا» (تَعَرَّضَ لَه بِغَيرِ مَلاذ). والصّيغَةُ هُنا «الأَشقى» صيغَةُ تَفضيل، أي مَن بَلَغَ الشَّقاءَ غايَتَه، فالذي يَصلاها أشقاهُم، دونَ كُلِّ شَقِيّ، والتَّفضيلُ يُضَيِّقُ المَدى ويُعَيِّنُ المَوقِف.

وفي اختيارِ صيغَةِ التَّفضيلِ بِالألِفِ واللّامِ نَوعٌ مِنَ الإطلاق، فـ«الأَشقى» المُعَرَّفُ يُعَيِّنُ مَوقِفاً مَفتوحاً يَدخُلُ فيه كُلُّ مَن صَدَقَت عَلَيه الصِّفاتُ التي سَتَأتي في الآيةِ التّالِيَة، وهي التي سَتَكشِفُ هذا الأَشقى: الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾، أي كَلِمَتانِ تُعَيِّنانِ الصِّنف.

المَوقِعُ في السورة

وفي مَوقِعِ هذه الآيةِ مِنَ السّورَةِ نُكتَةٌ مُهِمَّة، فالنّارُ التي تَلَظّى لِلأَشقى تَحديداً، ولم تُجعَلْ لِكُلِّ مَن خالَفَ في صَغيرَة، ولا لِكُلِّ مَن عَثَرَ في طَريقِه. والأَشقى صِنفٌ يَجمَعُ كُلَّ الصِّفاتِ التي وُصِفَت في القُطبِ الثّاني: بَخِلَ، واستَغنى، وكَذَّبَ بِالحُسنى، وهذا الجَمعُ هُوَ الذي يَجعَلُ صاحِبَه أشقى الأَشقياء.

وفي هذا تَخفيفٌ على القارِئِ مِن زاويَة، وتَشديدٌ مِن زاويَةٍ أُخرى: فالتَّخفيفُ أنَّ النّارَ لا يَدخُلُها مَن عَثَرَ ثُمَّ عاد، والتَّشديدُ أنَّ مَن أكمَلَ الجَمعَ بَينَ خِصالِ القُطبِ الثّاني فقَد جَمَعَ نَفسَه في صَلاءِ النّار. والحَصرُ بِـ«لا ... إلّا» قاطِعٌ يَدفَعُ القارِئَ إلى السُّؤالِ الواحِد: أَفي عَوامِلي ما يَجمَعُ بَيني وبَينَ الأَشقى؟


حَصيلة

النّارُ المُنذَرُ بِها لَيسَت لِكُلِّ أحَد: «لا يَصلاها إلّا الأَشقى». والجِذرُ ش-ق-ي التَّعَبُ في غَيرِ ثَمَرَة، والمُعَرَّفُ بِالتَّفضيلِ «الأَشقى» لا النَّكِرَة. والحُكمُ دَقيق، فهُوَ لِمَن بَلَغَ في الشَّقاءِ غايَتَه، وليسَ كُلُّ مَن سَلَكَ طَريقَ البُخلِ بِالدَّرَجَةِ ذاتِها، وهذا التَّمييزُ يَحمي القارِئَ مِنَ التَّيَئُّسِ الجَزافيّ، والنّارُ لِمَنِ انتَهى إلى أقصى المَسافَةِ عنِ التَّزكِيَة.