آل عمران · الآية 59

﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ

«إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ»: شَبَهٌ مَحدودٌ يَضبِطُه ما بَعدَه

تَفتَحُ «إنّ» الجملةَ بالتوكيد، ثمّ تَضعُ مثلَ عيسى «عند الله» قبلَ أن تَصله بمثلِ آدم. والمثلُ من م-ث-ل، وأصلُه تلاصقٌ يتجمّعُ بكثافةٍ دقيقة، ثمّ يمتدُّ متعلّقاً بوجهِ شبهٍ يَستقلُّ عن سائرِ الوجوه. وكافُ التشبيهِ تُقيمُ مقابلةً يَشرحُ امتدادُ الآيةِ وجهَها وحدودَها، و«عند الله» تَجعلُ معيارَ المقابلةِ في الجهةِ التي نصَّ عليها الكلام.

«خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ»: المَثَلُ يَتَّجِهُ إلى فِعلِ الخَلق

وبعدَ التشبيهِ تأتي جملةُ «خلقه» فتَفتحُ محلَّ القياسِ من داخلِ النص. والخلقُ من خ-ل-ق اختراقٌ نافذٌ يمتدُّ متعلّقاً، ثمّ ينعقدُ في بنيةٍ ملتئمة. والضميرُ يعودُ إلى آدمَ المذكورِ قريباً، فتُسندُ نشأتُه إلى الفاعلِ الواحدِ الذي سمّته الجملةُ السابقة. و«من تراب» تُسمّي مبدأَ الخلق، والترابُ من ت-ر-ب أجزاءٌ تَمَّ قَطعُها فجَرَت مُستَرسِلةً، ثُمَّ اتَّصَلَت بِما تَلقاه وتَمَسَّكَت بِه، ويَثبتُ بذلك طرفُ القياسِ في أصلِه المخلوق.

«ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن»: مِن الخَلقِ إلى أَمرٍ مُواجِه

وتأتي «ثمّ» فتُرتِّبُ القولَ بعدَ ذِكرِ الخَلق، من غيرِ أن تُعطي مِقدارَ الفاصِلِ أو تَفاصيلَه. و«قال له» تُثبِتُ القائلَ والمُخاطَبَ وصِلةَ القولِ بينَهما، ثمّ يَنضَغِطُ القولُ كلُّه في كَلِمةِ أَمرٍ واحِدة: «كن». والكَونُ من ك-و-ن، ومادّتُه كَتمٌ يُمسِكُ الإمكانَ في باطِن، ثمّ يُخرِجُه من الباطنِ إلى الظُّهور. والأَمرُ يَطلُبُ وجودَ المأمورِ مُباشَرةً، ولا يَصِفُ أداةً أو مَشقّةً أو مُدّة، وبهذا يَرجِعُ المَثَلُ إلى سُلطانِ القولِ الذي تَنتَقِلُ به النَّشأةُ إلى الكَون.

«فَيَكُونُ»: الأَمرُ يَبلُغُ تَحَقُّقَه بلا واسِطة

وتَأتي الخاتِمةُ بالفاءِ التي تَصِلُ النَّتيجةَ بما قَبلَها، وأوثِرَت على الواوِ التي قد تَجمعُ فِعلَينِ فحسب. و«يكون» فِعلٌ مُضارِع، فيَعرِضُ الكَونَ حَيّاً أمامَ السَّمعِ بَعدَ «كن»، ولا يَحبِسُه في حِكايةٍ ماضِية. وبينَ الأَمرِ والفِعلِ تَكرارٌ للجذرِ نَفسِه: ك-و-ن في الطَّلب، ثمّ ك-و-ن في التَّحَقُّق. ولا تَزيدُ الآيةُ سبَباً مُستَقِلاً بينَهما، والفاءُ نَفسُها هي جِسرُ البِنية، وبذلك يَصيرُ الشَّبَهُ المَذكورُ شَبَهاً في الخَلقِ المُسنَدِ إلى الله والقَولِ الذي يَبلُغُ بالكَونِ إلى ظُهورِه.


حَصيلة

تُقيمُ الآيةُ مُقابَلةً بينَ مَثَلِ عيسى ومَثَلِ آدم عندَ الله، ثمّ تَمنَعُ المَثَلَ من التَّفلُّتِ إلى كلِّ وَجهٍ حينَ تَشرَحُ مَسارَه: خَلقٌ يُسنَدُ إلى فاعِلِه، ومَبدأٌ يُسمّى تراباً، وقَولٌ يَأتي في كَلِمةِ الأَمر، وكَونٌ تَصِلُه الفاءُ بها. فالثِّقَلُ في نِسبةِ الخَلقِ والقَولِ والتَّحَقُّقِ إلى مَصدَرٍ واحد، وليس في مادّةٍ تَستَقِلُّ بقُوّتِها. وما لم تُفصِّلْه الآيةُ من كَيفيّةٍ أو مُدّةٍ يَبقى خارجَ القِراءة.