البلد · الآية 16
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«أَوْ»: عَطفٌ يُوَسِّعُ بابَ الإطعام
تَعطِفُ «أو» هذا المُطعَمَ على ما قَبلَه، فلا تَحصُرُ الإطعامَ في وَجهٍ واحِد. بَعدَ ذي المَقرَبةِ يَأتي «أو مِسكيناً»، فيُفتَحُ البابُ لِمَن لا قَرابةَ بَينَه وبَينَ المُطعِم. والعَطفُ هنا لا يُخَيِّرُ تَخفيفاً، بل يَمُدُّ مَدى المَن: إنِ انقَطَعَتِ القَرابةُ بَقِيَتِ الحاجةُ سَبَباً.
فالآيةُ تَنقُلُ المَيدانَ من الدائرةِ القَريبةِ إلى الغَريبِ المُلصَقِ بِالأرض، وكِلاهُما مَوضِعُ اقتِحامٍ لِلعَقَبة. «أو» لا تُرَخِّصُ في تَركِ أحَدِهِما، بل تَجمَعُ الوَجهَين تَحتَ فِعلٍ واحِد: الإطعامُ في يَومِ المَسغَبة.
«مِسكيناً»: مَن أسكَنَته الحاجةُ فلم يَبرَح
الجِذرُ س-ك-ن يَدورُ على ثُبوتٍ بَعدَ حَرَكةٍ وهُدوءٍ يَلزَمُ مَوضِعَه. والسَّكَنُ ما يُسكَنُ إليه، والسَّكينةُ هُدوءٌ يَستَقِرّ، والمِسكينُ من هذا: لا اسمَ راحةٍ هو، بل اسمُ مَن أسكَنَته الحاجةُ وأقعَدَته، فثَبَتَ في مَوضِعِ الفاقةِ لا يَملِكُ عنه تَحَوُّلاً. ليسَ سُكونُه راحةً، بل عَجزٌ يُمسِكُه.
فالمِسكينُ في بِنيَتِه مَن سَكَنَ إلى الأرضِ اضطِراراً، وثَقُلَت عليه الحَرَكةُ حتّى لَزِمَ مَكانَه. ولِذا جاءَ بَعدَه ما يُحَدِّدُ هذا السُّكونَ ويُريهِ في صورَتِه: «ذا مَترَبة». الكَلِمةُ تُسَمّي الحالَ، والتي بَعدَها تُلصِقُها بِالتُّراب.
«ذا مَترَبة»: صاحِبُ تُرابٍ لَزِقَ بِه
«ذا» صِيغةُ صاحِبٍ ومالِكٍ لِشَيء، لكِنَّ ما يَملِكُه هنا «مَترَبة»: مَوضِعُ التُّرابِ ولُصوقُه. الجِذرُ ت-ر-ب يَدورُ على دِقّةِ التُّرابِ والتِصاقِه، فالتَّريبُ مَن لَصِقَ بِالتُّرابِ من فَقرٍ، والمَترَبةُ هَيئةُ من لا شَيءَ تَحتَه يَفصِلُه عنِ الأرض. فمِلكُه الوَحيدُ هو التُّرابُ نَفسُه: لا فِراشَ ولا حائِلَ بَينَه وبَينَ ما يَستَقِرُّ عليه.
فاجتَمَعَ الوَصفان: «مِسكيناً» أسكَنَته الحاجة، و«ذا مَترَبة» ألصَقَته بِالتُّراب. الأوّلُ يَقولُ إنَّه لا يَبرَح، والثاني يُريكَ أينَ ثَبَت: على الأرضِ عارياً منها. وهذا المُلصَقُ بِالتُّرابِ هو وَجهُ العَقَبةِ التي قيلَ إنَّها لم تُقتَحَم: إطعامُه اقتِحامٌ لِلعُسر.
حَصيلة
تَعطِفُ «أو» مُطعَماً ثانياً على الأوّلِ فتُوَسِّعُ بابَ الإطعامِ من القَريبِ إلى الغَريب. و«المِسكين» من س-ك-ن: مَن أسكَنَته الحاجةُ وأقعَدَته فثَبَتَ في مَوضِعِ الفاقةِ لا تَحَوُّلَ له، سُكونُ عَجزٍ لا سُكونُ راحة. و«ذا مَترَبة» من ت-ر-ب: صاحِبُ تُرابٍ لَزِقَ به، لا حائِلَ بَينَه وبَينَ الأرض. فالوَصفان مَعاً يَرسُمان من ثَبَّتَته الفاقةُ على التُّرابِ عارياً منه، وإطعامُه في يَومِ المَسغَبةِ هو الوَجهُ المَطلوبُ لاقتِحامِ العَقَبة.