الطارق · الآية 7

﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ

«يَخرُج» فِعلٌ مُضارِعٌ يُحَرِّكُ الصورَة

جاءَ الفِعلُ هنا مُضارِعاً: «يَخرُج»، فهو حاضِرٌ يَتَجَدَّد، وعُدِلَ به عن الماضي الذي انتَهى، فالماءُ الدّافِقُ يَخرُجُ من المَوضِعِ نَفسِه كُلَّما خُلِقَ منه إنسان، والصيغَةُ تَجعَلُ الصورَةَ مُتَكَرِّرَةً غَيرَ حَدَثٍ عَرَضيّ.

وفي «من» مَعنى المُجاوَزَةِ والابتِداء، أي أنَّه يَخرُجُ من مَوضِعٍ مَعروف، و«بَين» الصُّلبِ والتَّرائِب تُحَدِّدُ هذا المَوضِعَ بِعَمودَين، واحِدٌ خَلف، والثاني أَمام، فكأنَّ الماءَ يَنبَثِقُ من قَلبِ الجِسم، حَيثُ يَلتَقي ظَهرٌ صُلبٌ وصَدرٌ مُتَرابِب.

«الصُّلب» و«التَّرائِب»: عَمودانِ في الجِسم

و«الصُّلب» مُفرَدٌ مُذَكَّر، و«التَّرائِب» جَمعُ تَريبَة، والإفرادُ والجَمعُ مَقصودانِ في النَّظم، فالصُّلبُ عَمودٌ واحِدٌ مُمتَدٌّ، والتَّرائِبُ عِظامٌ مُتَعَدِّدَةٌ تَتَآلَف، وبِهما يَكونُ الجِسمُ في صورَتِه ظَهراً مَشدوداً وصَدراً من أَجزاءٍ تَلتَقي.

ويُلَوِّنُ الجِذرانِ الصورَة، فالصُّلبُ من «صَلَبَ»، أي اشتَدَّ ولم يَلِن، والتَّرائِبُ من جِذرِ ت-ر-ب الذي يَجمَعُ التُّرابَ والتَّريبَة، والتُّرابُ ما يَلتَصِقُ ويَتَجَمَّعُ في طَبَقات، والتَّريبَةُ من العَظمِ ما يَتَّصِلُ كَطَبَقاتٍ في الصَّدر. فالإنسانُ في خُروجِه يَخرُجُ من بَين شِدَّةٍ خَلفيَّةٍ وتَآلُفٍ أَمامِيّ.

صورَةٌ تَشريحيَّةٌ بِغَير تَفصيل

وتَكتَفي الآيةُ بِكَلِمَتَين تَشريحيَّتَين، ولا تَمضي إلى تَفصيلٍ في عَمَلِ الأَعضاء، فالصُّلبُ والتَّرائِبُ يُؤَطِّرانِ المَوضِعَ ولا يَدخُلانِ في وَصفِه بِكُلِّ تَفاصيلِه، والإنسانُ مَدعُوٌّ إلى أن يَتَأَمَّلَ الإطارَ دونَ استِكشافِ الأَعضاءِ من داخِل.

وهذا التَّوقيتُ يَتَكَرَّرُ في السورة، فيُتَأَمَّلُ في صورَةٍ بِكَلِمَتَين أو ثَلاث، ثمَّ يُنتَقَلُ إلى مَشهَدٍ آخَر، والسورةُ تَنتَقِلُ في الآيةِ التّاليَةِ إلى ما يَتَفَرَّعُ على هذا الخُروج: إِنَّهُ عَلَىٰ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾، فالذي أَخرَجَه أَوَّلَ مَرَّةٍ قادِرٌ على إعادَتِه، والخُروجُ والرَّجعُ يَتَلازَمان.


حَصيلة

تُكملُ هذه الآيةُ صورةَ الأصلِ التي طلبَت الآيةُ الخامسةُ التأمُّلَ فيها: يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾. والفعلُ «يَخرج» مضارعٌ متجدِّد، يدلُّ على حركةٍ تتكرّرُ في كلِّ مرّةٍ يُخلَقُ فيها إنسان، دونَ حادثةٍ انقضت. و«الصُّلب» من -ص-ل-ب- ما اشتَدَّ ولم يَلِن، وهو عمودُ الظهرِ الممتدّ. و«التَّرائب» جمعُ تريبة من -ت-ر-ب-، وهي عظامُ الصدرِ التي تتّصلُ بالأضلاع كطبقاتٍ تتآلف. فالصُّلبُ خلف، والترائبُ أمام، والجسمُ بينهما، والإنسانُ في خروجِه يخرجُ من بينِ صلابةٍ خلفيّةٍ وتآلُفٍ أمامي، ولا يخرجُ من فراغ. وتكتفي الآيةُ بهذا الإطارِ التشريحيّ ولا تستطردُ في التفاصيل، لأنّ المقصودَ التأمُّلُ في صورةِ الأصلِ لا استكشافُ الأعضاءِ من الداخل، ثمّ تنتقلُ الآيةُ التاليةُ إلى ما يتفرَّعُ على هذا الخروج.