البَواء
الرُّجوعُ إلى مَنزِلٍ يَلزَمُ صاحِبَه. يَرجِعُ الرّاجِعُ بِما لَزِمَه، ويُنزِلُ المُنزِلُ غَيرَه حَيثُ يَلزَمُه المَكان.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
- ب: التِقاءٌ رَخوٌ لِلشَّفَتَينِ يُمسِكُ النَّفَسَ مُحتَبَساً ثُمَّ
يَنفَتِحُ عَنهُ خارِجاً. شِحنَتُه: الاتصالُ والتمسُّك.
- و: حَرفُ مَدٍّ بَينَ الحَرفَين. شِحنَتُه: الوَصلُ المَمدود.
- ء: انطِباقٌ تامٌّ لِلوَتَرَينِ يَقطَعُ مَجرى النَّفَسِ من أصلِه،
فيَحتَبِسُ مَضغوطاً ثُمَّ يَنفَتِحُ دَفعةً واحِدة. شِحنَتُه: القطعُ والانطباقُ التامّ.
النَّواةُ بء (ب + ء) = اتِّصالٌ مُتَمَسِّكٌ يَنطَبِقُ على مَوضِعِه انطِباقاً تامّاً. وامتدادُ الواوِ بَينَهُما يُطيلُ هذا الاتِّصالَ ويَحمِلُه إلى مَوضِعِ انطِباقِه. فيَصيرُ الجَذرُ كُلُّه: اتِّصالٌ بِمَوضِعٍ أو بِأمرٍ يَتَمَسَّكُ بِه صاحِبُه حتّى يَنطَبِقَ عَلَيه فلا يَنفَكّ: مَنزِلٌ يُتَّخَذُ مُقاماً لازِماً، وما يَنتَهي إلَيه المَرءُ فيَلزَمُه.
ومنه في كَلامِ العَرَب: باءَ بِالشَّيءِ رَجَعَ بِهِ ولَزِمَه ولَم يَنفَكَّ عَنه، وتَبَوَّأَ المَنزِلَ اتَّخَذَه مُقاماً يَأوي إلَيه، والمَباءةُ مَنزِلُ القَومِ يَرجِعونَ إلَيه، وباءَ فُلانٌ بِفُلانٍ إذا صارَ كُفأَهُ فلَزِمَه مِثلُ ما لَزِمَه.
الشِّحنةُ الجامِعة: مَنزِلٌ يُتَّخَذُ مُقاماً لازِماً، وما يَنتَهي إلَيه المَرءُ فيَلزَمُه.
الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن
- بَاءُوا (ماضٍ مُسنَدٌ إلى واوِ الجَماعة، مُتَعَدٍّ بِالباء)، ٢:٦١
و٢:٩٠ و٣:١١٢: الجَمعُ يَجعَلُ اللُّزومَ واقِعاً على جَماعةٍ لا على أفرادٍ مُتَفَرِّقين، والباءُ تَحمِلُ إلَيهِم ما رَجَعوا بِه.
- بَاءَ (ماضٍ مُفرَدٌ، مُتَعَدٍّ بِالباء)، ٣:١٦٢: الإفرادُ يَجعَلُ
اللُّزومَ وَصفَ صِنفٍ يُقابَلُ بِصِنفٍ آخَر.
- تُبَوِّئُ (مُضارِعٌ على فَعَّلَ، مُتَعَدٍّ بِنَفسِه)، ٣:١٢١:
التَّضعيفُ يَنقُلُ الجَذرَ من رُجوعِ الفاعِلِ إلى إنزالِ الفاعِلِ غَيرَه، فالمُبَوِّئُ يُلزِمُ المَكانَ مَن يُنزِلُه فيه.
الجَذرُ قبلَ الوَزن: اتِّصالٌ بِمَوضِعٍ أو بِأمرٍ يَتَمَسَّكُ بِه صاحِبُه
حتّى يَنطَبِقَ عَلَيه فلا يَنفَكّ، من الحُروف.
والتَّضعيفُ يَنقُلُ الجِهةَ ولا يُنشِئُ المَعنى.
الفُروق المَعنويّة
لا فَرعَ مُستَقِلّاً لِلجَذرِ في المَنشور. والفَرقُ القائِمُ فَرقُ جِهة: المُجَرَّدُ يَرجِعُ بِصاحِبِه إلى ما لَزِمَه فيُقرَنُ بِغَضَبٍ أو سَخَط، والمُضَعَّفُ يُنزِلُ غَيرَه مَنزِلاً فيُقرَنُ بِمَقاعِدَ لِلقِتال. والجامِعُ بَينَهُما أنَّ المَكانَ في الحالَتَينِ يَلزَمُ صاحِبَه.
المَواضع: مَواقعُ البَواءِ في المُصحَف (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:٦١ ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ﴾:
مَوضِعُ الافتِتاح. الجَذرُ يَدخُلُ المُصحَفَ ماضِياً مُعَدّىً بِالباء: الرّاجِعُ لا يَرجِعُ فارِغاً بَل يَرجِعُ بِما يَلزَمُه. وقَد سَبَقَه ضَربُ الذِّلّةِ والمَسكَنة، والفَرقُ بَينَ الفِعلَينِ بَيِّن: الضَّربُ يَنزِلُ من خارِجٍ عَلَيهِم، والبَواءُ رُجوعٌ بِأنفُسِهِم إلى ما صارَ لازِماً لَهُم. انظُر الذِّلَّة، المَسكَنة، الغَضَب.
- ٢:٩٠ ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ﴾: الجَديدُ: تَراكُمُ المَرجوعِ بِه. «غَضَبٍ
على غَضَبٍ» يَجعَلُ الحَيِّزَ الذي يَلزَمُ صاحِبَه قابِلاً لِلطَّبَقات، والفاءُ تَرُدُّه سَبَبِيّاً إلى ما قَبلَها من شِراءِ أنفُسِهِم بِالكُفر. فالبَواءُ يَتَّسِعُ بِقَدرِ ما استَأنَفَ صاحِبُه، ولا يُلغي السّابِقَ لاحِقُه.
- ٣:١١٢ ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ﴾:
الجَديدُ: انقِلابُ التَّرتيب. كانَ الضَّربُ في ٢:٦١ سابِقاً لِلبَواء، وهنا يَتَقَدَّمُ البَواءُ على ضَربِ المَسكَنة، فيُقرَأُ الأوَّلُ لُزوماً يَنطَبِقُ عَلَيهِم والثّاني أثَراً يَنزِلُ بَعدَه. وقَد سَبَقَ في الآيةِ استِثناءٌ بِحَبلٍ من اللهِ وحَبلٍ من النّاس: لِلَّزومِ مَنفَذٌ مَوصولٌ إن أُخِذَ بِه. انظُر الحَبل.
- ٣:١٢١ ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾:
الجَديدُ: أوَّلُ وَجهٍ مُتَعَدٍّ بِنَفسِه، وأوَّلُ بَواءٍ لا غَضَبَ فيه. المُبَوِّئُ يُنزِلُ غَيرَه مَنازِلَ ويُلزِمُه إيّاها، والمَنازِلُ مُسَمّاةٌ «مَقاعِدَ لِلقِتال». فالجَذرُ يُظهِرُ وَجهَه الآخَر: لُزومُ الحَيِّزِ صاحِبَه قَد يَكونُ تَمكيناً يُقيمُه في مَوضِعِه لا عُقوبةً تُلزِمُه إيّاه. انظُر القِتال، القُعود.
- ٣:١٦٢ ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَن بَاءَ بِسَخَطٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ﴾:
الجَديدُ: أوَّلُ إفرادٍ لِلفِعل، وأوَّلُ مُقابَلةٍ صَريحةٍ بَينَ البَواءِ واتِّباعِ الرِّضوان. والمَرجوعُ بِهِ «سَخَط» لا «غَضَب»، ويُذكَرُ المَأوى بَعدَه مَوصولاً بِه: البَواءُ يُسَمّي اللُّزومَ والمَأوى يُسَمّي المَكان، فاجتِماعُهُما يَكمُلُ بِهِ ما تُعطيهِ الحُروفُ من اتِّصالٍ مُتَمَسِّكٍ يَنطَبِقُ على مَوضِعِه. انظُر الرِّضا، المَأوى.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
ghadab: ثَلاثةٌ من مَواضِعِ الجَذرِ تُعَدّي البَواءَ بِغَضَبٍ
(٢:٦١، ٢:٩٠، ٣:١١٢)، فالغَضَبُ هو المَرجوعُ بِهِ الغالِبُ في المَنشور.
dhillaوmaskana: ٢:٦١ و٣:١١٢ تَجمَعانِ البَواءَ إلى ضَربِ
الذِّلّةِ والمَسكَنة، فِعلٌ يَنزِلُ من خارِجٍ وفِعلٌ يَرجِعُ بِهِ صاحِبُه، والتَّرتيبُ بَينَهُما يَنقَلِبُ بَينَ المَوضِعَين.
habl: ٣:١١٢ تَستَثني بِـ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ﴾، فالحَبلُ المَوصولُ هو
النَّقيضُ البِنيَويُّ لِلُزومٍ لا يَنفَكّ.
qital: ٣:١٢١ تَجعَلُ المُبَوَّأَ لَهُ مَقاعِدَ لِلقِتال، فالتَّبويءُ
إقامةٌ في مَوضِعِ عَمَلٍ لا في مَوضِعِ جَزاء.
qu3ud: ٣:١٢١ تُسَمّي المَنازِلَ مَقاعِدَ، فالإنزالُ يَنتَهي إلى
قُعودٍ يَثبُتُ فيهِ صاحِبُه.
rida: ٣:١٦٢ تُقابِلُ البَواءَ بِالسَّخَطِ باتِّباعِ الرِّضوان،
فالمُقابَلةُ بَينَ لُزومٍ يُرجَعُ بِهِ واتِّباعٍ يُقصَدُ إلَيه.
iwa2: ٣:١٦٢ تَعطِفُ المَأوى على البَواء، فالجَذرانِ يَقتَسِمانِ
المَشهَدَ: هذا لِلُّزومِ وذاكَ لِلمُستَقَرّ.
ruju3: البَواءُ رُجوعٌ مَقطوعٌ لا عَودةَ بَعدَه، والرُّجوعُ في
المَنشورِ أوسَعُ يَحتَمِلُ الأوبةَ والمَصير.
الإشكالات المَفتوحة
- أَيُقالُ البَواءُ رُجوعاً أم لُزوماً؟ الحُروفُ تُعطي اللُّزومَ:
اتِّصالٌ مُتَمَسِّكٌ يَنطَبِقُ على مَوضِعِه انطِباقاً تامّاً، والرُّجوعُ من كَلامِ العَرَبِ لا من الحُروف. والمَوقِفُ أنَّ الرُّجوعَ مَرحَلةٌ واللُّزومَ نَتيجةٌ، ولِذلكَ لَم يَستَقِمْ في مَواضِعِه أن يُقالَ رَجَعوا بِغَضَبٍ ثُمَّ فارَقوه.
- لِمَ اختُصَّ ٣:١٦٢ بِـ«سَخَط» دونَ «غَضَب»؟ المَوضِعُ الوَحيدُ الذي
أُفرِدَ فيهِ الفِعلُ هو الوَحيدُ الذي أُفرِدَ فيهِ المَرجوعُ بِهِ بِلَفظٍ آخَر. المَسألةُ مَفتوحةٌ: هل الاختِلافُ لِمُقابَلةِ الرِّضوانِ في صَدرِ الآيةِ أم لِفَرقٍ في المَرجوعِ بِه.