آل عمران · الآية 121

﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

«وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ»: الغُدوُّ يَخرُجُ من الأهلِ مُبكِّراً

تَعطفُ الواوُ «إذ» على السياقِ وتَفتحُ زمناً ماضياً يُستحضرُ للفهم. والغدوُّ من غ-د-و، وهو غورٌ يَدفعُ نافذاً ثمّ يتصلُ في امتدادٍ ممدود، فيَحملُ حركةَ الذهابِ في أولِ النهار. وتاءُ المخاطبِ تُسندُ الفعلَ إلى واحد، و«من أهلك» تُعيّنُ مبدأَ الخروج، والأهلُ من أ-ه-ل: قطعٌ يَفتحُ مجرىً خالياً ثمّ يمتدُّ في تعلّق، فيَرسمُ حيزَ القربِ الذي خرجَ منه.

«تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ»: المُؤمِنونَ يُوضَعونَ في مَقاعِدِ القِتال

و«تبوّئ» حالٌ من فاعِلِ «غدوت»، يَصِلُ الخُروجَ بعملٍ جارٍ وقتَه. ومادّةُ ب-و-ء اتِّصالٌ مُتَمَسِّكٌ يَنطَبِقُ على مَوضِعِه انطِباقاً تامّاً، فيُقيمُ صاحِبَه في مَنزِلٍ يَلزَمُه، وفي التَّشديدِ شُحنةٌ مُستدامةٌ متكرِّرةٌ في التَّهيئةِ والتَّوزيع. ومَفعولُ الفِعلِ المؤمنون، واسمُ الفاعِلِ فيهم يَحمِلُ طبيعةَ الثِّقةِ الفاعِلةَ المستمرّة. فالعملُ تَبوِئةٌ لأصحابِ الثِّقةِ واحداً بعدَ آخرَ في مواضِع، وليس حَشداً مُبهَماً.

«مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ»: المَواضِعُ تُربَطُ بغايَتِها الملفوظة

وتأتي «مقاعد» مفعولاً ثانياً للتبوئة، فتُعيّنُ ما يُبوّأُه المؤمنون. والقعودُ من ق-ع-د، وهو عقدٌ يَظهرُ من العمقِ ثمّ يَثبتُ تحتَ احتباسٍ وضغط، فيُقيمُ موضعاً ممسوكاً. والجمعُ دالٌّ على تعدّدِ المواقع، واللامُ تَصلُها بالقتال، والقتالُ من ق-ت-ل عَقدٌ في العُمقِ يَنقَطِعُ فيَنفَلِتُ ما كانَ مَعقوداً بِه، وفي صيغةِ المفاعلةِ معنى المواجهة، فتَظهرُ حركةُ التبوئةِ ترتيباً لمقاعدَ متعددةٍ لهذه المواجهة.

«وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ»: السَّمعُ والعِلمُ يُحيطانِ بالمَشهد

وتُختَمُ الآيةُ بالواوِ وجُملةٍ اسميّةٍ يَتقدَّمُها اسمُ الله، ولها خَبَران. والسَّمعُ من س-م-ع حَصرٌ يَجتَمِعُ في ضَمٍّ ثمّ يَظهَرُ من العُمق، فيَبلُغُ المَسموعَ ويَحتَويه، و«سميع» صيغةُ مُبالغةٍ فيها سَعةٌ وثَبات. وأمّا «عليم» فمن ع-ل-م، ومعناه ظُهورٌ من العُمقِ يَمتَدُّ ويَجتَمِعُ في وَحدةٍ مَعلومة، وهو كذلك صيغةُ مُبالغة. فما قيلَ في التَّبوِئةِ وما حَمَلَته الحَرَكاتُ داخِلٌ في السَّمعِ والعِلم.


حَصيلة

تَستحضِرُ الآيةُ زمناً مُحدَّداً بأفعالِه: خُروجٌ في الغَداةِ من الأهل، وتَبوِئةٌ جاريةٌ للمؤمنينَ مَقاعِدَ غايتُها القِتال. والضمائرُ والأفعالُ تُقيمُ المَشهدَ من داخلِ اللفظ، ففيه فاعِلٌ واحِدٌ يَخرُج، وجَماعةٌ تُوضَعُ في مَواضِع، وغايةٌ تَصِلُها اللّامُ بالقِتال. ثمّ تَجمعُ الخاتمةُ ما يُسمَعُ وما يُعلَمُ تحتَ اسمِ الله، فتَربِطُ التَّرتيبَ الخارجيَّ بما لا يَخفى من أقوالِ أصحابِه وأحوالِهم.