البقرة · الآية 61

﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ۖ قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ۚ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ ۗ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۗ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ۖ قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ۚ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ ۗ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۗ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ

«لَن نَصبِرَ عَلى طَعامٍ واحِد... فَادعُ لَنا رَبَّك»: جذرا (ص ب ر) و(د ع و) في إعلانِ فَصلِ العُروَة

والصَّبرُ مَبنِيٌّ على نَواةِ «صب»، والصّادُ فيها صَلابةٌ وإطباق، والباءُ اتِّصالٌ وتَمَسُّك، ثُمَّ تَمتَدُّ بِالرّاء، فهو صَلابةٌ مُتَمَسِّكةٌ مُمتَدّة، أي قُوّةُ إمساكِ الوِعاءِ التي لا تَنقَطِع. فقَولُهُم «لَن نَصبِر» إعلانٌ بِإسقاطِ بُنيةِ الإمساك، لا ضَجَرٌ عابِر. ثُمَّ جاءَتِ الصّيغةُ الفاصِلة: «فَادعُ لَنا رَبَّك». والدُّعاءُ من الجِذرِ (د ع و)، وهو طَلَبُ الحُضورِ عِندَ البُعد، والضَّميرُ في «لَنا» جَعَلَهُمُ المُستَفيدينَ من غَيرِ أن يَكونوا أصحابَ الرّابِطة. وقالوا «رَبَّك» دونَ «رَبَّنا»، فالإقرارُ بِالعَلاقةِ مَوجود، غَيرَ أنَّه مُرَكَّبٌ عَبرَ وَسيطٍ لا يُلزِمُهُم بِالانتِسابِ المُباشِر. فحينَ يَنفَلِتُ الصَّبرُ، وهو إمساكُ الوِعاء، يَكونُ الانتِسابُ نَفسُه قد انفَلَتَ قَبلَه، فتَبقى العَلاقةُ قائِمةً عِندَ الوَسيطِ وَحدَه.

«يُخرِج لَنا مِمّا تُنبِتُ الأَرض»: جذر (ن ب ت) وطَلَبُ الانتِقالِ مِنَ العَطاءِ المُنزَلِ إلى العَطاءِ المَزروع

والجِذرُ (ن ب ت) يَصِفُ خُروجَ النَّبتِ من الأرضِ بِسَوقِه الرَّقيق. والأصنافُ المَذكورةُ في الآيةِ (بَقل، قِثّاء، فوم، عَدَس، بَصَل) كُلُّها مَحاصيلُ سَطحِيّةٌ تَنبُتُ من تُربةٍ رَخوةٍ على السُّهول، لا أشجارٌ راسِخةٌ ولا فاكِهةٌ عالِية. فالمَطلَبُ إذَن تَحويلٌ في بُنيةِ العَطاءِ ذاتِها: المَنُّ والسَّلوى (الآية 57) عَطاءٌ يَنزِلُ على القَومِ دونَ حَرثٍ ولا شَرطٍ أرضِيّ، وتِلكَ بُنيةُ عُلُوٍّ مَحفوظة، وما طَلَبوه مَشروطٌ بِالأرض: بِسَهلٍ وتُربةٍ وزِراعةٍ ودَورةٍ زَمَنِيّة. والفارِقُ في البُنيةِ لا في الذَّوق، فقد كانَ الطَّلَبُ انتِقالاً من عَطاءٍ مُعَلَّقٍ بِالبُنيةِ العُليا إلى عَطاءٍ مُعَلَّقٍ بِالسُّطوحِ الأرضِيّة، وعلى هذا يَتَرَتَّبُ الأمرُ بِالهُبوطِ إلى مَوضِعٍ يُناسِبُ هذا النَّوعَ من الإنتاج.

«أَتَستَبدِلونَ الَّذي هُو أَدنى بِالَّذي هُو خَير»: جذرا (ب د ل) و(د ن و) في نِداءِ المُقابَلَةِ البِنيَويَّة

والاستِبدالُ من (ب د ل)، وقد سَبَقَ تَحليلُه في آيةِ التَّبديل، وهو إحلالُ ظُهورٍ بَديلٍ يَحتَبِسُ مَوضِعَ الأصلِ مَعَ الحِفاظِ على إطارِه. وأمّا «أدنى» فمِنَ الجِذرِ (د ن و)، ومَعناه الأقرَبُ الأرضِيّ، وفيه مَعنى القُصورِ زِيادةً على الرَّداءة، أي ما هو في مُتَناوَلِ اليَدِ داخِلَ الحَدِّ المَحدود. و«خَيرٌ» من (خ ي ر)، وهو ما يُفَضَّلُ اختِيارُه لأنَّه أرقى وأوسَع. والاستِفهامُ في «أتَستَبدِلون» لِلإنكار، والمُرادُ بِه التَّحذيرُ من تَفعيلِ آلِيّةِ التَّبديلِ نَفسِها، أي وَضعِ الأقرَبِ المَحدودِ في مَوضِعِ الأعلى المُستَدام، ولم يُرَدْ بِه المُفاضَلةُ بَينَ طَعامَينِ على مائِدة. ومَنِ اختارَ «الأدنى» جَعَلَ القُصورَ مَرجِعَه، فلا يُنتَظَرُ مِنه بَعدُ بِناءٌ يَتَجاوَزُ حَدَّه.

«اهبِطوا مِصراً... فَإنَّ لَكُم ما سَأَلتُم»: جذرا (ه ب ط) و(م ص ر) في استِجابَةِ البِنيَةِ لِلإرادَة

والهُبوطُ قد سَبَقَ في السّورةِ عِندَ أوَّلِ اهْبِطُوا، وهو انتِقالٌ من الأعلى إلى الأسفَلِ في المَوضِعِ والمَرتَبةِ مَعاً. والجِذرُ (م ص ر) يَحمِلُ مَعنى الحَدِّ والحاجِز، ومِنه «تَمصيرُ» البَلَد، أي تَحديدُ حُدودِه، فالنَّكِرةُ «مِصراً» مَوضِعٌ مُعَيَّنٌ مُحَدَّدٌ مُحاطٌ بِحَدّ، وليسَت عَلَماً على البَلَدِ المَعروف. فالأمرُ «اهبِطوا مِصراً» استِجابةٌ بِنيَوِيّةٌ لِطَلَبِهِم، لا عُقوبةٌ مَفصولةٌ تُساقُ إلَيهِم: مَنِ اختارَ المَحصولَ السَّطحِيَّ نُقِلَ إلى مَوضِعٍ تُربَتُه تُنتِجُه، ضِمنَ حُدودٍ مَضبوطة. والتَّعقيبُ بِـ«فَإنَّ لَكُم ما سَألتُم» تَقريرٌ لِهذه السُّنّة، وهي أنَّ الإجابةَ في حُدودِ السُّؤال، فمَن سَألَ الأدنى نالَه، ولكِن في المَوضِعِ الذي يَقبَلُه.

«ضُرِبَت عَلَيهِمُ الذِّلَّةُ والمَسكَنَة... باؤوا بِغَضَبٍ... ذَلِكَ بِما عَصَوا وكانوا يَعتَدون»: سَلسَلَةُ الجُذورِ في التِصاقِ الأَثَر

و«ضُرِبَت» من (ض ر ب)، والمُرادُ بِه هُنا تَثبيتُ الشَّيءِ في مَوضِعِه، لا الضَّربُ العِقابِيّ، ومِنه ضَربُ الخَيمة، وضُرِبَ الأجَل. والذِّلّةُ من (ذ ل ل)، وهي اختِراقٌ حادٌّ يَلتَصِقُ بِالنَّفسِ ولا يَنفَكّ. والمَسكَنةُ من (س ك ن)، وهي في هذا المَوضِعِ سُكونٌ سَلبِيّ، أي جُمودٌ في الباطِنِ بِلا حَراك. فالصّورةُ أنَّ وَصفَينِ اثنَينِ ثُبِّتا عَلَيهِم في مَواضِعِهِما: الأوَّلُ يَخرِقُ ويَلتَصِق، والثّاني يَشُلُّ الحَرَكةَ الدّاخِلِيّة. ثُمَّ «باؤوا» من (ب و أ)، ومَعناه رَجَعوا بِحِملٍ يُرافِقُهُم فيَصيرُ لَهُم مَنزِلاً، فالغَضَبُ لم يَنزِلْ عَلَيهِم مُفرَداً، وإنَّما صارَ رَحلاً يَحمِلونَه. ثُمَّ عَلَّلَ النَّصُّ ذلك: «ذَلِكَ بِأنَّهُم كانوا يَكفُرونَ بِآياتِ الله (ك ف ر: تَغطِيَة) ويَقتُلونَ النَّبِيّينَ بِغَيرِ الحَقّ (ق ت ل لِلصَّوتِ الحامِل، لا لِلجَسَدِ فَقَط)»، ثُمَّ «ذَلِكَ بِما عَصَوا وكانوا يَعتَدون»، و(ع ص ي) رَفضُ الرّابِطة، و(ع د و) تَجاوُزُ الحَدّ. فالسِّلسِلةُ البِنيَوِيّةُ واحِدة: تَغطِيةٌ، فقَتلٌ لِلحامِل، فعِصيانٌ، فتَجاوُزٌ لِلحَدّ، وأثَرُها في المَوضِعِ التِصاقٌ وجُمود.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: فـ«الاستِبدالُ» إحلالُ (ب د ل) ما هو قَريبٌ قاصِرٌ (د ن و) في مَوضِعِ ما كانَ عالِيَ البُنيةِ مُستَدامَ العَطاء، وليسَ تَفضيلَ طَعامٍ على طَعام. والاستِجابةُ بِنيَوِيّة: «فَإنَّ لَكُم ما سَألتُم» (ه ب ط إلى م ص ر)، ثُمَّ يَلتَصِقُ الأثَرُ اختِراقاً (ذ ل ل) وجُموداً (س ك ن)، والعَودةُ بِحِملٍ (ب و أ بِغَضَب) عَلامةٌ على أنَّ مَن تَرَكَ الأعلى لم يَخرُجْ مِنه إلى فَراغ، فمَخرَجُه إلى مَوضِعٍ أدنى حَدّاً يَقبَلُ طَلَبَه فيَحمِلُه.


حَصيلة

هذه الآيةُ أطوَلُ آياتِ هذا القِطاع، وفيها لَحظةُ التَّحَوُّلِ الحاسِم، إذ لم يَعُدْ مَن صَبَرَ على الْمَنِّ وَالسَّلْوَىٰ يَستَطيعُ المُضِيَّ في الصَّبر: لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾، وهو انهِيارُ وِعاءِ الصَّبرِ أمامَ الرَّغبةِ في التَّنَوُّع. وأجابَهُم موسى بِسُؤالٍ كاشِف: أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾، و«أدنى» من (د-ن-و)، ومَعناه الأقرَبُ في المَرتَبةِ والأقَلُّ قَدراً. ثُمَّ جاءَ الجَوابُ عن الطَّلَب: «اهبِطوا مِصراً»، والتَّنوينُ في «مِصراً» يَفتَحُ المَعنى، فهي مَدينةٌ ما، لا مِصرُ بِعَينِها. ثُمَّ وَقَعَ ما لم يَكُن في الحُسبان: وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾. و«ذِلّة» من (ذ-ل-ل)، وهي هَوانٌ يَنفُذُ في النَّفسِ كالاختِراقِ الحادِّ ثُمَّ يَلتَصِقُ بِها فلا يَنفَكّ، و«مَسكَنة» من (س-ك-ن)، وهي ثَباتٌ في الفَقرِ دونَ حَرَكةٍ تُخرِجُ مِنه. فمَن تَرَكَ ما هو خَيرٌ طَلَباً لِما هو أدنى نالَ ما سَأل، غَيرَ أنَّه دَفَعَ ثَمَنَه إهانةً راسِخة.