آل عمران · الآية 112

﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ

«ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا»: الذِّلَّةُ تُلازِمُهم حيثُ وُجِدوا

يُبنى «ضُربت» للمجهولِ فتَبرُزُ الذِّلّةُ نائبَ فاعلٍ مؤَخَّراً، ويُقَدَّمُ «عليهم» ليَحُدَّ مَن تَقَعُ عليه. والضَّربُ من ض-ر-ب: ضَمٌّ ثقيلٌ يَجري مُستَرسِلاً ثمّ يَحتَبِسُ تحتَ ضَغط، فيُقيمُ وَقعاً يَلزَمُ المَحلّ. والذِّلّةُ من ذ-ل-ل: إبرازٌ يَتَعَلَّقُ ويمتَدُّ ثمّ يُكثِّفُ تَكرارُ اللامِ خُضوعَ الحَرَكة. و«أين ما» تَفتَحُ المكانَ حيثُ ثُقِفوا، أي حيثُ وقعَ عليهم الإدراكُ والظَّفَرُ الملفوظ، فيَصيرُ الوَقعُ لازِماً لهم في كلِّ مَوضِعٍ يَبلُغُهم فيه ذلك الإدراك.

«إِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ»: الاستِثناءُ يَتَعَلَّقُ بوَصلَين

و«إلا» تَفتحُ مَخرَجاً من الحالِ السابقة، وتَصِلُه الباءُ بحَبلٍ من الله وحَبلٍ من الناس. والحَبلُ من ح-ب-ل احتِواءٌ باطنٌ يَتَّصِلُ ويَتماسَكُ ثمّ يَمتَدُّ في تَعَلُّق، فيَحمِلُ معنى الوَصلِ الذي يَمنَعُ الانفِلات. وتَكرارُ الاسمِ مع «من» مرّتَين يَحفَظُ مَصدَرَ كلِّ حَبلٍ كما نَطَقَت به الآية، فالمَخرَجُ المذكورُ وَصلانِ، وليسا وَصلاً واحِداً: حَبلٌ مَصدَرُه الله، وحَبلٌ مَصدَرُه الناس، وكلٌّ منهما مُثبَتٌ بمِثلِ ما أُثبِتَ به الآخَر.

«وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ»: رُجوعٌ بحِملٍ ووَقعٌ ثانٍ

وتَعطِفُ الواوُ فِعلَهم «باءوا»، والباءُ تَصِلُ رُجوعَهم بغَضبٍ من الله. والغَضبُ من غ-ض-ب غَورٌ يَجتَمِعُ بثِقَلٍ ثمّ يَحتَبِسُ ويَضغط، فيَصيرُ حِملاً راجِعاً معهم، لا انفعالاً بشريّاً مُستَورَداً. ثمّ أُعيدَت جُملةُ الضَّربِ نفسُها مع «المسكنة»، والسُّكونُ من س-ك-ن: حَصرٌ يَكتُمُ ويَحتَبِسُ ثمّ يَنطوي في احتِواء، فتَرسُمُ المسكنةُ حالاً مُثقِلةً تُمسِكُ صاحبَها، والتَّكرارُ يُحيطُ المَقطعَ بوَقعَين.

«ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ... وَيَقْتُلُونَ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ»: الكُفرُ وقَتلُ الأنبياءِ يَحمِلانِ إلى الذِّلَّةِ والغَضَب

و«ذلك» عائدٌ إلى الذِّلّةِ والغَضبِ والمسكنة، والباءُ داخلةٌ على التَّعليلِ فلا يَبقى الحُكمُ بلا سببٍ ملفوظ. و«كانوا» مع المضارعَينِ تَحمِلُ استمرارَ الكُفرِ بآياتِ الله وقتلِ الأنبياء. والإضافةُ تُثبِتُ الآياتِ لله، والجَمعُ «الأنبياء» يَجعَلُ الفِعلَ مُتَكَرِّراً على صِنفٍ واحِد، فيَشتَدُّ به ثِقَلُ التَّعليل. ويأتي «بغير حق» قيداً يَنفي عن القتلِ أيَّ ثُبوتٍ صحيح. فالحُكمُ مُسنَدٌ إلى أفعالٍ متكرِّرةٍ مذكورة، لا إلى أصلٍ أو نَسَبٍ لجماعة.

«ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ»: تَعليلٌ ثانٍ يَكشِفُ العِصيانَ والتَّجاوُز

وتُعيدُ الآيةُ «ذلك» والباءَ، فتَفتَحُ طبقةً ثانيةً من السَّبب: بما عصَوا وكانوا يَعتدون. والعِصيانُ يُصوِّرُ انفِصالاً عن الأمرِ الذي يُمسِكُ صاحِبَه، والماضي «عصوا» يُثبِتُ وقوعَه، وأمّا «كانوا يعتدون» فيَحمِلُ استمرارَ الاعتداء. وأصلُ ع-د-و ظُهورٌ من العُمقِ يَندفِعُ نافذاً ثمّ يَتَّصِلُ في امتِدادٍ يتجاوزُ الحدّ، وصيغةُ الافتِعالِ تُدخِلُ الفاعِلَ في حَرَكةِ التَّعدّي. والتَّعليلانِ يَجعلانِ المَآلَ تابعاً للعملِ الموصوف.


حَصيلة

تَضرِبُ الآيةُ الذِّلّةَ والمسكنةَ على فاعِلينَ عَيَّنَتهم الضمائرُ والأفعالُ، وتَستثني وَصلاً من الله ووَصلاً من الناس، فيَبقى المَخرَجُ مُعَلَّقاً بحَبلٍ قائمٍ لا بحالٍ ذاتيّة. وبينَ الوَقعَين يَرجِعونَ بغَضبٍ من الله. ثمّ تُعلِّلُ هذه الأحوالَ مرّتَين بالكُفرِ بالآيات، وقتلِ الأنبياء بغيرِ حق، والعِصيان، والاعتداءِ المستمر، ولا تَترُكُها أحكاماً موروثة. فالمِيزانُ فِعليٌّ صَريح، وأيُّ تَعميمٍ عِرقيٍّ خارجٌ عن حدودِ النَّظم.