القُعود

qu3ud جذر · ق-ع-د 7 مَواضِعَ في القرآن
التَّعريف الجَذريّ
**أخذُ مَوضِعٍ والثَّباتُ فيه حتّى يَصدُرَ عنه ما بَعدَه**. لَيسَ القُعودُ في الجَذرِ ضِدَّ القِيامِ ولا تَخَلُّفاً عن عَمَل، بَل **التِحامٌ بِمَوضِعٍ يَثبُتُ فيه ثُمَّ يَنفُذُ عنه دَفع**. ولِذلك سُمِّيَت بِه القاعِدةُ التي يَقومُ عَلَيها البَيت، والمَقعَدُ الذي يُبَوَّأُ لِلقِتال، والقُعودُ على النّار، والمَقعَدُ الذي يَنتَهي إلَيه مَن أفرَطَ فيُذَمّ. والحُكمُ لا يَجيءُ من الجَذرِ في مَوضِعٍ واحِدٍ من سَبعة، بَل مِمّا تَعَلَّقَ بِه المَوضِعُ ومِمّا خَرَجَ منه، أو مِمّا لم يَخرُجْ.

تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر

  • ق :: انعِقادُ أقصى اللِّسانِ على أقصى الحَنَكِ يَحبِسُ خَلفَه

النَّفَسَ مُشتَدّاً ثُمَّ يَنقَطِعُ عنه بِإطلاقٍ قاطِع. والقانونُ يَعُدُّ «قع» شاهِداً على وَجهِ الاحتِباسِ والاشتِداد. فالمَبدَأُ إمساكٌ شَديدٌ لا يُفلِت.

  • ع :: قَبضٌ يَلتَحِمُ في أقصى الحَلقِ على رِقّة، يَجري فيه

النَّفَسُ مُمتَدّاً في أضيَقِ المَجاري وأعمَقِها فيَظهَرُ من العُمقِ إلى الخارِج. فالوَسَطُ التِحامٌ بِمَوضِعٍ يَظهَرُ أثَرُه.

  • د :: إطباقُ طَرَفِ اللِّسانِ على أُصولِ الثَّنايا يَحبِسُ

النَّفَسَ بِضَغطٍ ثابِتٍ ثُمَّ يَنفَتِحُ عنه دَفعةً نافِذةً مُمتَدّةً إلى الأمام. فالمُنتَهى ثَباتٌ يَصدُرُ عنه دَفعٌ مُمتَدٌّ إلى قُدّام.

النَّواةُ قع (ق + ع) = احتِباسٌ يَشتَدُّ حتّى يَلتَحِمَ بِمَوضِعٍ ويَظهَرَ فيه. والإغلاقُ بِـد يُثَبِّتُ هذا الالتِحامَ بِضَغطٍ، ولا يَقِفُ عِندَ التَّثبيتِ بَل يُبقي فيه الدَّفعَ إلى ما أمامَه. فيَصيرُ الجَذرُ كُلُّه: التِحامٌ بِمَوضِعٍ يَثبُتُ فيه ثُمَّ يَنفُذُ عنه.

ومنه في كلامِ العَرَب:

  • القاعِدة: ما بُنِيَ عَلَيه غَيرُه. لا تُسَمّى قاعِدةً لِأنَّها

سافِلة، بَل لِأنَّها لَزِمَت مَوضِعَها فقامَ عَلَيها ما فَوقَها.

  • المَقعَد: مَوضِعُ الاستِقرارِ لا هَيئَةُ الجالِس، فهو اسمُ مَكانٍ

لا اسمُ حال.

  • القَعيد: مُلازِمُ الرَّجُلِ الذي لا يُفارِقُ مَوضِعَه منه.

الشِّحنةُ الجامعةُ لِلجَذرِ ق-ع-د: لُزومُ مَوضِعٍ بِثَباتٍ يَصدُرُ عنه شَيء. وهذا هو ما تَدفَعُه القِراءةُ ولا يُعطيه السَّطح: على مَعنى «الجُلوسِ» يَبقى ٢:١٢٧ شُذوذاً يُلتَمَسُ له عُذر، إذ لا يَجلِسُ حَجَر. وعلى هذه القِراءةِ تَكونُ القاعِدةُ أصرَحَ مَواضِعِ الجَذرِ لا أغرَبَها: هي الشَّيءُ الذي لَزِمَ مَوضِعَه فقامَ عَلَيه غَيرُه. وبِها يَجتَمِعُ ما لا يَجتَمِعُ بِغَيرِها: أساسُ بَيت، ومَوقِفُ مُقاتِل، وهَيئةُ ذاكِر، ومَجلِسُ ناظِرٍ إلى نار. أربَعَتُها مَوضِعٌ ثَبَتَ وخَرَجَ منه عَمَل: البَيتُ يَعلو القاعِدة، والقِتالُ يَخرُجُ من المَقعَد، والذِّكرُ يَخرُجُ من القاعِد، والنَّظَرُ يَخرُجُ من القُعودِ على النّار.

ويَبقى في المُسَجَّلِ وَجهٌ خامِسٌ يَعمَلُ بِالنَّفي: مَقعَدُ مَن أفرَطَ فَلَم يَخرُجْ منه شَيء (١٧:٢٢ و١٧:٢٩ و٣:١٦٨). وهو لا يَنقُضُ القِراءةَ بَل يُتِمُّها من طَرَفِها الآخَر: إذا لَزِمَ المَوضِعَ ولم يَصدُرْ عنه دَفعٌ لَحِقَ صاحِبَه الذَّمُّ في اللَّفظِ نَفسِه («مَذْمُومًا»، «مَّخْذُولًا»، «مَلُومًا»، «مَّحْسُورًا»). فالقيمةُ في الصُّدورِ لا في اللُّزوم، ولِذلك كانَ غِيابُ الصُّدورِ هو مَحَلَّ الذَّمِّ وَحدَه.

الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن

سَبعةُ مَواضِعَ في السُّوَرِ المَنشورة، وخَمسةُ أوزان، والفِعلُ منها ثَلاثة:

  • الجَمعُ على فَواعِل «الْقَوَاعِدَ» (٢:١٢٧): جَمعُ قاعِدة، اسمٌ

لِما بُنِيَ عَلَيه غَيرُه، وهو الوَجهُ الوَحيدُ الذي لا يُوصَفُ بِه بَدَن.

  • اسمُ المَكانِ مَجموعاً «مَقَاعِدَ» (٣:١٢١): جَمعُ مَقعَدٍ على

مَفاعِل، فالمُسَمّى المَوضِعُ لا الهَيئةُ ولا الحَدَث.

  • الفِعلُ الماضي «وَقَعَدُوا» (٣:١٦٨): لازِمٌ بِلا مَفعولٍ ولا

حَرفِ جَرّ.

  • المُضارِعُ مَنصوباً بِفاءِ السَّبَبِيَّة «فَتَقْعُدَ» (١٧:٢٢

و١٧:٢٩): بِلَفظٍ واحِدٍ في المَوضِعَين، جَواباً لِنَهيٍ قَبلَه، ومَعَه حالانِ لِلقاعِدِ لا مُتَعَلَّقٌ لِلقُعود.

  • فُعولٌ في مَوضِعِ الحال «وَقُعُودًا» (٣:١٩١): هَيئةٌ لِلبَدَنِ

مَعطوفةٌ على هَيئَتَينِ أُخرَيَين.

  • فُعولٌ في مَوضِعِ الخَبَر «قُعُودٌ» (٨٥:٦): الوَزنُ نَفسُه

مَرفوعاً، فيَنتَقِلُ من وَصفِ حالٍ عارِضةٍ إلى الإخبارِ بِهَيئةٍ راسِخة.

ويُقرَأُ من هذا الإحصاءِ ثَلاثةُ أُمور. الأوَّل أنَّ الجَذرَ في المُسَجَّلِ اسمٌ في أربَعةٍ من سَبعة: يُسَمّي مَواضِعَ وهَيئات، ولا يَغلِبُ عَلَيه الإخبارُ عن حَدَثٍ وَقَع. والثّاني أنَّ المَواضِعَ الثَّلاثةَ التي جاءَ فيها فِعلاً هي بِأعيانِها المَواضِعُ الثَّلاثةُ التي وَقَعَ فيها الذَّمّ، فالفِعلِيَّةُ والذَّمُّ اقتَرَنا في ثَلاثةٍ من ثَلاثةٍ ولم يَفتَرِقا مَرّة: ٣:١٦٨ يُرَدُّ فيها على القاعِدينَ، و١٧:٢٢ ﴿مَذْمُومًا مَّخْذُولًا﴾، و١٧:٢٩ ﴿مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾. وكانَ هذا مُقتَرِناً مَرّةً واحِدةً قَبلَ نَشرِ الإسراء، فصارَ مُطَّرِداً في ثَلاث. والثّالِث أنَّ الجَذرَ لا يُنسَبُ إلى اللهِ في المُسَجَّلِ بِوَجهٍ من الوُجوه، لا فاعِلاً ولا مَوصوفاً ولا مُبَوِّئاً: القَواعِدُ يَرفَعُها بَشَرٌ في ٢:١٢٧، والمَقاعِدُ يُبَوِّئُها بَشَرٌ في ٣:١٢١، والمَنهِيُّ في ١٧:٢٢ و١٧:٢٩ مُخاطَبٌ مَخلوق. فالمَواضِعُ في هذا الجَذرِ صَنعةُ الخَلقِ لا فِعلُ الخالِق، وهذا يُفارِقُ ما عَلَيه أكثَرُ جُذورِ الاستِقرار.

الجَذرُ قَبلَ الوَزن: الشِّحنةُ في السَّبعةِ واحِدةٌ (لُزومُ مَوضِعٍ

يَصدُرُ عنه شَيء)، والوَزنُ يُحَوِّلُ جِهةَ النَّظَرِ لا المَعنى:

فاعِلةٌ ومَفعَلٌ يُسَمّيانِ المَوضِعَ نَفسَه، وفُعولٌ يُسَمّي هَيئةَ

اللّازِمِ له، والفِعلُ وَحدَه يُدخِلُ الزَّمَنَ فيَصيرُ لِلُزومِ

المَوضِعِ وَقتٌ يُحاسَبُ عَلَيه.

الفُروق المَعنويّة: مَفاهيمُ مُجاوِرةٌ من جُذورٍ أُخرى

  • iqama (الإقامة، ق-و-م): وهي المُقابِلُ المُتَوَقَّع، وقد

جَمَعَتهُما ٣:١٩١ في نَسَقٍ واحِدٍ («قِيَامًا وَقُعُودًا») فلَم تُفاضِلْ بَينَهُما ولم تَجعَلْ أحَدَهُما حالَ رِضاً والآخَرَ حالَ تَقصير. فالتَّقابُلُ بَينَهُما هَيئِيٌّ لا حُكميّ، وهذا يَنقُضُ القِراءةَ التي تَجعَلُ القُعودَ في ذاتِه نَقصاً.

  • maqam (المَقام، ق-و-م): والمَقامُ والمَقعَدُ كِلاهُما اسمُ

مَكانٍ من جَذرِ ثَبات، والفَرقُ بَينَهُما في المُسَجَّلِ فَرقُ دَوام: «مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ» في ٢:١٢٥ مَوضِعٌ يُنسَبُ إلى صاحِبِه ويَبقى بَعدَه ويُتَّخَذُ مُصَلّى، و«مَقَاعِدَ» في ٣:١٢١ مَواضِعُ تُوَزَّعُ لِساعَتِها ثُمَّ تَنقَضي. فذاكَ مَوضِعٌ حَفِظَ صاحِبَه، وهذا مَوضِعٌ حَفِظَه صاحِبُه.

  • sukun (السُّكون، س-ك-ن): السُّكونُ إيواءٌ إلى مَحَلٍّ يُؤوى

إلَيه («اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ»، ٢:٣٥)، والقُعودُ لُزومُ مَوضِعٍ يُعمَلُ منه. فالمَسكَنُ غايةُ الحَرَكة، والمَقعَدُ مَبدَؤُها.

  • i3tizal (الاعتِزال، ع-ز-ل): الاعتِزالُ مُفارَقةُ شَيءٍ

بِالبُعدِ عنه، والقُعودُ لُزومُ مَوضِعٍ بِعَينِه، ولا تَلازُمَ بَينَهُما. و٣:١٦٨ تُبَيِّنُ الفَرقَ: الذينَ قَعَدوا لم يَعتَزِلوا، بَل قَعَدوا وخاطَبوا إخوانَهُم من مَقاعِدِهِم. فالقُعودُ لا يَقطَعُ الصِّلةَ، ولِذلك أمكَنَ أن يَصدُرَ عنه قَول.

  • bina (البِناء، ب-ن-ي) وraf3 (الرَّفع، ر-ف-ع): القاعِدةُ

في ٢:١٢٧ مَفعولُ الرَّفعِ لا مَحَلُّه، فيُقالُ «يَرْفَعُ ... الْقَوَاعِدَ» ولا يُقالُ يَرفَعُ عَلَيها. فالأساسُ في هذا الجَذرِ داخِلٌ في المَبنيِّ مَرفوعٌ مَعَه، لا شَيءٌ سابِقٌ عَلَيه مَتروكٌ تَحتَه.

  • tuma2nina (الطُّمَأنينة، ط-م-ن): وهي الوَجهُ المُقابِلُ لِهذا

المَفهومِ في المُدَوَّنةِ كُلِّها، ومَوضِعُ الفَرقِ في القِسمِ الخامِس.

وأمّا القِيامُ والجُلوسُ والأساس فلا مَفهومَ لِواحِدٍ منها إلى الآن، فيُذكَرُ الأوَّلُ هُنا نَثراً بِلا إحالة، ومَتى كُتِبَ وَجَبَ تَحقيقُ ما أُعلِنَ في القِسمِ الرّابِع عِندَ ٣:١٩١.

المَواضع: مَواقعُ القُعودِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)

  • ٢:١٢٧ ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾: قاعِدةُ البَيت، وهي قاعِدةُ هذا المَفهومِ أيضاً. الجَديدُ: يَدخُلُ الجَذرُ المُسَجَّلَ حَجَراً لا بَدَناً، فأوَّلُ ما يُسَمّى بِه ما يَقومُ عَلَيه غَيرُه، لا مَن تَرَكَ القِيام. و«مِنَ الْبَيْتِ» تَجعَلُ القَواعِدَ جُزءاً من المَبنيِّ لا شَيئاً تَحتَه، والفِعلُ الواقِعُ عَلَيها «يَرْفَعُ»، فالقاعِدةُ تُرفَعُ ولا تُوضَع. ويُوصَلُ بِالمَوضِعِ الثّابِتِ طَلَبٌ صاعِد: «رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا»، فيَظهَرُ من أوَّلِ مَوضِعٍ أنَّ القُعودَ مَبدَأُ صُدورٍ لا مُنتَهى سُكون. انظُر bayt وraf3 وtaqabbul وibrahim وismail.
  • ٣:١٢١ ﴿تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾: مَقعَدٌ لِلقِتالِ لا عنه. الجَديدُ: يَنتَقِلُ الجَذرُ إلى البَدَن، وأوَّلُ بَدَنٍ يُوصَفُ بِه بَدَنٌ في المَعرَكةِ لا خارِجَها، فيَبطُلُ أن يَكونَ المَقعَدُ في نَفسِه تَخَلُّفاً. واللّامُ في «لِلْقِتَالِ» تُعَلِّقُ المَوضِعَ بِما يَخرُجُ منه، وهي أوَّلُ مُتَعَلِّقٍ يُصَرَّحُ بِه لِلجَذر. والمَقاعِدُ تُبَوَّأُ ولا تُختار، فيُفصَلُ بَينَ لُزومِ المَوضِعِ ومَن عَيَّنَه: المُلازِمُ مُؤمِنٌ والمُبَوِّئُ غَيرُه. انظُر qital وiman.
  • ٣:١٦٨ ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾: أوَّلُ الأفعال، وأوَّلُ مَوضِعٍ بِلا مُتَعَلِّق. الجَديدُ: هُنا أوَّلاً يَجيءُ الجَذرُ فِعلاً، وهُنا أوَّلاً لا يُذكَرُ لَه مُتَعَلِّقٌ البَتّة: لا «مِن» ولا «لِـ» ولا «على». فالمَوضِعُ الذي لَزِموه لا يُسَمّى، وما يَخرُجُ منه يُسَمّى: قَولٌ في القَتلى. ويُقَدَّمُ «قَالُوا» على «وَقَعَدُوا» في اللَّفظِ فيَصيرُ القُعودُ حالاً لِلقَولِ لا خَبَراً مُستَقِلّاً، ويُرَدُّ عَلَيهِم بِما قالوا لا بِما لَزِموا: «فَادْرَءُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ». فالذَّمُّ نازِلٌ بِالكَلامِ ومَحمولٌ على الهَيئة. وهذا المَوضِعُ والذي قَبلَه في سورةٍ واحِدةٍ وفي سِياقِ قِتالٍ واحِدٍ تَسوقُه السّورة، والفارِقُ بَينَهُما لَفظٌ واحِد: «لِلْقِتَالِ» هُناك، ولا شَيءَ هُنا. انظُر nifaq وmawt وqatl.
  • ٣:١٩١ ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ﴾: هَيئةٌ من ثَلاثٍ لا تَفاضُلَ بَينَها. الجَديدُ: يُذكَرُ القُعودُ مَعَ ضِدِّه في نَسَقٍ واحِدٍ بِواوِ العَطف، فلا يُقَدَّمُ عَلَيه ولا يُؤَخَّرُ عنه في الحُكم؛ وثالِثَتُهُما «وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ» تَستَوعِبُ ما بَقِيَ من هَيئاتِ البَدَن، فالثَّلاثةُ إحصاءٌ لا تَفضيل. وهذا أوَّلُ اقتِرانٍ لِلجَذرِ بِعَمَلٍ مَحمود، والعَمَلُ ذِكرٌ وتَفَكُّرٌ يَخرُجانِ من الهَيئةِ أيّاً كانَت، فتَتِمُّ صورةُ الجَذرِ في أنقى صُوَرِها: المَوضِعُ لا قيمةَ له في نَفسِه، وقيمَتُه فيما نَفَذَ عنه. انظُر dhikr وtafakkur وiqama وnar.
  • ١٧:٢٢ ﴿لَّا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولًا﴾: الفِعلُ جَواباً لِفاءِ السَّبَبِيَّة. الجَديدُ: يَجيءُ الجَذرُ مُضارِعاً لِأوَّلِ مَرّة، ومَنصوباً بِفاءٍ بَعدَ نَهي، فيَصيرُ القُعودُ نَتيجةً لِفِعلٍ سابِقٍ لا هَيئةً تُختار. ولا مُتَعَلِّقَ لَه هُنا أيضاً، وإنَّما يوصَلُ بِه حالانِ لِلقاعِدِ كِلاهُما مَبنيٌّ لِلمَفعولِ في مَعناه: ﴿مَذْمُومًا﴾ يَذُمُّه غَيرُه، و﴿مَّخْذُولًا﴾ يَخذُلُه غَيرُه. فيَنقَلِبُ اتِّجاهُ الجَذر: في المَواضِعِ قَبلَه يَصدُرُ عَنِ القاعِدِ شَيء، وهُنا يَقَعُ عَلَيه. والمَنهِيُّ عنه ﴿تَجْعَلْ﴾ وَضعٌ في غَيرِ مَوضِع، وجَزاؤُه أن يُترَكَ صاحِبُه في مَوضِعِه: النَّهيُ عن الوَضعِ وجَزاؤُه القُعود. انظُر ilah وshirk.
  • ١٧:٢٩ ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾: الفِعلُ نَفسُه بَينَ طَرَفَي إفراط. الجَديدُ: اللَّفظُ هو لَفظُ ١٧:٢٢ بِحُروفِه ﴿فَتَقْعُدَ﴾، والنَّهيُ قَبلَه مُزدَوَج: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ﴾ وَ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾. فقُعودٌ واحِدٌ جَزاءٌ لِطَرَفَينِ مُتَضادَّين، وهو أصرَحُ ما في المُسَجَّلِ على أنَّ الجَذرَ لا يُسَمّي جِهةً بَل يُسَمّي الانتِهاءَ إلى مَوضِع. والحالانِ كَما في ٢٢: ﴿مَلُومًا﴾ من غَيرِه، و﴿مَّحْسُورًا﴾ مُنقَطِعاً لا شَيءَ عِندَه يُخرِجُه. وفي «مَحسور» تَمامُ المُقابَلةِ مَعَ ٢:١٢٧ و٣:١٢١: هُناكَ مَوضِعٌ يَصدُرُ عنه بَيتٌ وقِتال، وهُنا مَوضِعٌ لا يَصدُرُ عنه شَيءٌ لِأنَّ صاحِبَه اِستَنفَدَ ما يَصدُرُ بِه. انظُر bukhl وinfaq.
  • ٨٥:٦ ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾: التَّعدِيَةُ بِـ«على»، واقتِرانُ القُعودِ بِالشُّهود. الجَديدُ: يُعَدّى الجَذرُ بِـ«على» لِأوَّلِ مَرّة، فيَصيرُ المَوضِعُ فَوقَ شَيءٍ لا فيه، والمَقعودُ عَلَيه نار. والآيةُ التي تَليها ﴿وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ تُعيدُ التَّركيبَ بِحُروفِه: ضَميرُ جَماعة، ثُمَّ «على»، ثُمَّ اسمٌ على وَزنِ فُعول. فالقُعودُ والشُّهودُ جُملةٌ واحِدةٌ قيلَت مَرَّتَين: بَدَنٌ ثَبَتَ فَوقَ النّار، وعَينٌ ثَبَتَت على ما يُفعَل. وهذا أوضَحُ شاهِدٍ على أنَّ الجَذرَ لا يَحمِلُ الحُكم: صيغةُ ٨٥:٦ هي صيغةُ ٣:١٩١ بِعَينِها، والفارِقُ ما تَحتَ القاعِدِ وما خَرَجَ منه. انظُر nar وshahid وukhdud.

التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى

  • مَعَ raf3 وbayt في ٢:١٢٧: المَفاهيمُ الثَّلاثةُ تَقرَأُ

الفِعلَ الواحِدَ من ثَلاثِ جِهات. raf3 يَقرَأُ الحَرَكةَ صاعِدة، وbayt يَقرَأُ المَبنيَّ تامّاً، وهذا المَفهومُ يَقرَأُ ما لَزِمَ مَوضِعَه فأمكَنَ الرَّفع. ولا يَتِمُّ المَشهَدُ بِواحِدٍ منها.

  • مَعَ qital في ٣:١٢١ وnifaq في ٣:١٦٨: السّورةُ تَستَعمِلُ

الجَذرَ مَرَّتَينِ في سِياقٍ واحِد، مَرّةً لِمَوضِعٍ يُقاتَلُ منه ومَرّةً لِهَيئةٍ يُتَكَلَّمُ منها. فالمُقابَلةُ لَيسَت بَينَ قُعودٍ وقِيام، بَل بَينَ قُعودٍ لَه مُتَعَلَّقٌ وقُعودٍ بِلا مُتَعَلَّق.

  • مَعَ dhikr وtafakkur في ٣:١٩١: المَفهومانِ يَقرَآنِ العَمَل،

وهذا المَفهومُ يَقرَأُ الظَّرفَ البَدَنيَّ الذي أُسقِطَ اشتِراطُه. والفائِدةُ في اجتِماعِها: العَمَلُ الأرفَعُ لا يَشتَرِطُ الهَيئةَ الأرفَع.

  • مَعَ shahid في ٨٥:٦-٧: آيَتانِ مُتَتابِعَتانِ على تَركيبٍ

واحِدٍ ووَزنٍ واحِد، فيُقرَأُ القُعودُ والشُّهودُ فِعلاً واحِداً مَوصوفاً بِعُضوَين. وهو أقوى ما في المُسَجَّلِ على أنَّ ما يَصدُرُ عن المَقعَدِ هو المَحكومُ عَلَيه.

  • مَعَ tuma2nina في المُدَوَّنةِ كُلِّها: الجَذرانِ يُسَمِّيانِ

بَدَناً أو قَلباً كَفَّ عن الحَرَكة، ويَفتَرِقانِ في الجِهة. ق-ع-د يُغلَقُ بِـد ومُنتَهاها دَفعٌ نافِذٌ إلى الأمام، فالقُعودُ قاعِدةٌ يَصدُرُ عنها شَيء (بَيتٌ، قِتالٌ، ذِكرٌ، نَظَر). وط-م-ن يُغلَقُ بِـن ومُنتَهاها احتِواءٌ في جَوف، فالطُّمَأنينةُ وِعاءٌ يُصَبُّ فيه ولا يَخرُجُ منه شَيء. ويُصَدِّقُ هذا المَحَلُّ من جِهةٍ واحِدةٍ لا مِنهُما مَعاً: ق-ع-د في المُسَجَّلِ لا يَقَعُ على قَلبٍ ولا نَفسٍ في مَوضِعٍ واحِدٍ من سَبعة، وهذا مُطَّرِد. وأمّا ط-م-ن فمَواضِعُه أربَعةٌ لا ثَلاثة، ثَلاثةٌ منها في الباطِنِ («لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي» ٢:٢٦٠، «وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم» ٣:١٢٦، «النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ» ٨٩:٢٧) والرّابِعُ حالٌ لِماشٍ («مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ» ١٧:٩٥)، فيَخرُجُ عن دَعوى «لا يُغادِرُ الباطِن». فالقِسمةُ تامّةٌ من جِهةِ هذا الجَذرِ ناقِصةٌ من جِهةِ ذاك، ويُقَيَّدُ الحُكمُ بِما ثَبَت: ق-ع-د لا يَدخُلُ الباطِن.

الإشكالات المَفتوحة

  • أمِنَ الجَذرِ «القَواعِد» في مَعناه أم هو اشتِراكٌ لَفظيّ؟

القِراءةُ المُعلَنةُ هُنا تَجعَلُها أصرَحَ مَواضِعِه، ولَيسَ في المَنشورِ إلّا مَوضِعٌ واحِدٌ يَختَبِرُها. ولَو فُصِلَت لَبَقِيَ المَفهومُ قائِماً بِسِتّةِ مَواضِعَ ولَسَقَطَ أقوى شاهِدٍ على أنَّ الجَذرَ يُسَمّي مَوضِعاً لا هَيئةَ بَدَن. يُترَكُ مَفتوحاً ويُعلَنُ التَّرجيح.

  • لا قُعودَ في المَنشورِ مُتَعَدِّياً بِـ«عَن». وهو أشهَرُ ما

يُنتَظَرُ لِمَعنى التَّخَلُّف، ومَعَ ذلك جاءَتِ المَواضِعُ المَذمومةُ الثَّلاثةُ (٣:١٦٨ و١٧:٢٢ و١٧:٢٩) عارِيَةً من كُلِّ مُتَعَلِّق. وقد كانَ هذا مَبنِيّاً على مَوضِعٍ واحِدٍ فصارَ على ثَلاثةٍ بَعدَ نَشرِ الإسراء، فضَعُفَ احتِمالُ المُصادَفة. أهو أثَرُ قِلّةِ المَواضِعِ السَّبعةِ أم خاصّةٌ في الاستِعمال؟ يُختَبَرُ عِندَ نَشرِ سُوَرٍ جَديدةٍ فيها الجَذر.

  • «قُعُودًا» في ٣:١٩١: مَصدَرٌ أم جَمعُ قاعِد؟ إن كانَ مَصدَراً

فالمَعنى ذاكِرينَ في حالِ قُعود، وإن كانَ جَمعاً فالمَعنى ذاكِرينَ قاعِدين. والوَزنُ يَحتَمِلُهُما، و«قِيَامًا» التي قَبلَه تَحتَمِلُهُما كَذلك، فلا يَحسِمُ العَطفُ شَيئاً. والفَرقُ عَمَليّ: على الأوَّلِ يَكونُ المَذكورُ الحَدَثَ، وعلى الثّاني الذّات.

  • الفِعلُ ثَلاثةٌ من سَبعة، وهي المَذمومةُ وَحدَها. أهذا حُكمٌ في

الجَذرِ (أنَّه لا يَصيرُ حَدَثاً إلّا حينَ يُحاسَبُ عَلَيه) أم مُصادَفةُ عَدَدٍ صَغير؟ كانَ الاقتِرانُ مَرّةً واحِدةً فصارَ ثَلاثاً من ثَلاث، وسَبعةُ مَواضِعَ ما تَزالُ أقَلَّ من أن يُبنى عَلَيها حُكمُ غِياب، لكنَّ الاطِّرادَ في الأفعالِ كُلِّها لا يُهمَل.

مَواضِعُ هذا المَفهومِ في القرآن