البقرة · الآية 90

﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَىٰ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَىٰ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ

«اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ» (ش ر ي) + (ن ف س): السِّلعةُ هيَ الذّاتُ لا الأَمَد

تَتَكامَلُ هذهِ الآيةُ مَع الآيةِ 86، لَكِنَّها تَنقُلُ مَوضِعَ السِّلعة. الآيةُ 86 قالَت اشتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنيا بِالآخِرَة: أَعطَوا الأَبعَدَ وَأَخَذوا الأَقرَب. وهذهِ الآيةُ تَقولُ اشتَرَوا بِهِ أَنفُسَهُم: أَعطَوا ذاتَهُم نَفسَها ثَمَناً. والجَذرُ (ن ف س) في اللِّسانِ العَرَبيّ يَحمِلُ النَّفَسَ والحَياة، كَما يَحمِلُ المَركَزَ الذي يَعيشُ بِهِ الإنسان. فَالبَذلُ هُنا لَيسَ لِفَضاءٍ زَمَنيٍّ مُتَأَخِّر، بَل لِلمَركَزِ الذي بِهِ يَعيشُ المَرءُ مَركَزيَّتَه. وفي ذَلِكَ تَصعيدٌ لِلصَّفقةِ: مَن يَبذُلُ أَبعَدَ في مُقابِلِ أَقرَب، يَبقى صاحِبَ أَقرَب؛ ومَن يَبذُلُ ذاتَه، لا يَبقى لَهُ ما يُوصَفُ بِالصّاحِب. ولِذَلِكَ سَبَقَ الذَّمُّ بِئسَما في أَوَّلِ الآية: السِّلعةُ أَرخَصُ مِن أن تَستَحِقَّ ثَمَنَها.

«بَغْيًا» (ب غ ي): المُحَرِّكُ الدَّفينُ لِلكُفر

الجَذرُ (ب غ ي) في العَرَبيّةِ يَحمِلُ مَعنى الطَّلَبِ المُجاوِزِ لِلحَدّ، ومِنهُ «بَغى» بِمَعنى اعتَدى، و«بُغيَة» بِمَعنى مَطلَب. والقُرآنُ يَكشِفُ هُنا عَن الدّافِعِ الباطِنِيّ: لَم يَكفُروا لأنَّ الحُجَّةَ لَم تَكتَمِل، ولا لأنَّ الكِتابَ لَم يُصَدِّقْ ما عِندَهُم. الحُجَّةُ قائِمة، والتَّصديقُ مُستَوفى. المُحَرِّكُ الحَقيقيُّ بَغياً أَن يُنَزِّلَ اللهُ مِن فَضلِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِه﴾: ضِيقُ النَّفسِ أن يَنزِلَ الفَضلُ في غَيرِ مَن تُوَقِّعُه. فَالكُفرُ في هذا المَقطَعِ لا يَسبِقُ البَغي، بَل يَلحَقُه؛ الكُفرُ لِسانٌ لِدَفعٍ نَفسانيٍّ، لا قَرارٌ مَعرِفيٌّ مُستَقِلّ. وهذا مِن أَدَقِّ المَواضِعِ القُرآنيّةِ التي تُميِّزُ بَينَ الاعتِراضِ العِلميِّ والاعتِراضِ البَغَويّ.

«مِنْ فَضْلِهِ عَلَىٰ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ»: فَضلٌ لا يُحَدُّ بِبَيت

اختَلَطَ عِندَهُم فَضلُ اللهِ بِسِلالةٍ بَعيَنِها، فَصارَ ما نَزَلَ في غَيرِ السِّلالةِ مَرفوضاً لا بِحُجَّةٍ بَل بِقَصدٍ أَساسيٍّ أنَّ الفَضلَ لَهُم وَحدَهُم. والقُرآنُ يَقَصُّ هذا الخَيطَ بِعِبارَةٍ واضِحة: مِن فَضلِه الإضافةُ إلى اللهِ ناقِلةٌ لِلمِلكيّة؛ الفَضلُ فَضلُه، لا أَرضَ قَبيلة. عَلى مَن يَشاءُ مَجالُ التَّنزيلِ بِإرادَتِه، لا بِحَقٍّ مُسَبَّقٍ تَمتَلِكُهُ جَماعة. مِن عِبادِه الدّائِرةُ دائِرةُ العُبوديّة، وَهيَ مَفتوحةٌ لِكُلِّ مَن دَخَلَها؛ لا يُوَرَّثُ فيها مَقامٌ بِالنَّسَب. ولِذَلِكَ يَقَعُ البَغيُ فَضلاً عَن الكُفر: حِينَ يَظُنُّ الظّانُّ أنَّ بَيتاً مِن بُيوتِ البَشَرِ يَملِكُ بابَ السَّماء.

«فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ» (ب و أ) + (غ ض ب): الرُّجوعُ إلى المَأوى المُضاعَف

الجَذرُ (ب و أ) يَدُلُّ على الرُّجوعِ إلى مَأوى، ومِنهُ «مَباءة» و«بَوَّأَ». فَـ«باءوا» ليسَ مُجَرَّدَ انتِقالٍ في حال، بَل رُجوعٌ إلى مَنزِلٍ يَحمِلونَ إلَيهِ ما جَمَعوا. والغَضَبُ في القُرآنِ حُضورُ قَطيعةٍ بَينَ اللهِ وبَينَ مَن يَسلُكُ نَمَطاً مَحدوداً، لا هَيَجانٌ نَفسانيٌّ يُسقَطُ على الذّاتِ الإلَهيَّة. وكَرارُ «غَضَبٍ عَلى غَضَب» يَرسِمُ مُضاعَفةَ القَطيعة: قَطيعةٌ بِسَبَبِ الكَسبِ السّابِقِ الذي مَرَّ في السِّياقِ (تَحريف، قَتلُ أَنبِياء، نَقضُ مِيثاق)، وقَطيعةٌ بِسَبَبِ الكُفرِ بِالكِتابِ الجَديدِ المُصَدِّق. فَالرُّجوعُ مَكانُ استِقرارٍ مُضاعَفٍ لِلقَطيعة.

«عَذَابٌ مُهِينٌ» (ه و ن): إذهابُ القيمةِ لا تَحطيمُ الجَسَد

الجَذرُ (ه و ن) يَدُلُّ على خِفَّةِ القَدرِ وإذهابِ القيمة، لا على شِدَّةِ الضَّربِ أو عُنفِ العُقوبة. فَـ«مُهين» وَصفٌ دَقيقٌ لِلعَذاب: ليسَ كَمَّ أَلَمٍ تُحَمَّلُهُ الذّات، بَل أُفولُ قيمَتِها التي استَبدَلوها بِالبَغي. وفي مُقابَلةِ هذا مَعَ اشتَرَوا بِهِ أَنفُسَهُم: الذي باعَ نَفسَه، تَبقى قيمَتُهُ هيَ الثَّمَنَ الذي قَبِلَه؛ وإذا كانَ الثَّمَنُ بَغياً، كانَ العَذابُ إذهاباً لِلقيمةِ التي لَم تَكُن لَها قيمةٌ في عَينِ صاحِبِها. فَالعَذابُ هُنا مُمَدِّدٌ لِبُنيةِ الصَّفقة، لا عُقوبَةٌ طارِئةٌ مِن خارِجِها.

فَالبَيعُ صَفقةٌ لِلذّاتِ لا لِلأَمَدِ فَقَط، والبَغيُ مُحَرِّكُ الكُفر، والفَضلُ لا يُحَدُّ بِبَيت، والرُّجوعُ مَأوىً يَحمِلُ إلَيهِ صاحِبُهُ ما بَنى، والعَذابُ المُهينُ إذهابٌ لِقيمةٍ كانَت قَد ذُهِبَت أَصلاً في لَحظةِ العَقد.


حَصيلة

هَذِهِ الآيةُ تُصَعِّدُ عَدَسةَ الصَّفقةِ مَعَ الآيةِ 86: في تِلكَ «اشتَرَوا الحَياةَ الدُّنيا بِالآخِرَة» (أَعطَوا الأَبعَدَ أَخَذوا الأَقرَب)، وهُنا «اشتَرَوا بِهِ أَنفُسَهُم»: السِّلعةُ المُقَدَّمَةُ هيَ الذّاتُ ذاتُها من ن-ف-س، المَركَزُ الذي يَعيشُ بِهِ الإنسانُ مَركَزيَّتَه. مَن يَبذُلُ أَبعَدَ يَبقى صاحِبَ أَقرَب، أمّا مَن يَبذُلُ ذاتَه فَلا يَبقى لَهُ ما يَملِكُ. والمُحَرِّكُ الحَقيقيُّ كَشَفَتهُ الآيةُ صَراحةً: ب-غ-ي، طَلَبٌ يَتَجاوَزُ الحَدَّ، ضِيقُ النَّفسِ أن يَنزِلَ فَضلُ اللهِ «عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِه» لا عَلى مَن تُوَقِّعُه الجَماعَة. «مِن فَضلِه» مِلكُه لا أَرضُ قَبيلَة، و«عَلى مَن يَشاء» إرادَتُه لا حَقٌّ مُسَبَّق، و«مِن عِبادِه» الدّائِرةُ مَفتوحَةٌ لِكُلِّ مَن دَخَلَها. و«باءُوا» من ب-و-أ: رُجوعٌ إلى مَأوىً يَحمِلونَ إلَيهِ ما بَنَوا. والعَذابُ المُهينُ من ه-و-ن إذهابُ القيمَةِ وكَأنَّهُ امتِدادٌ لِقيمةٍ كانَت قَد ذَهَبَت في لَحظةِ العَقد. الكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح: الكُفرُ بِالفَضلِ الإلَهيِّ دَورُ مَن يَعتَقِدُ أنَّ بَيتاً مِن بُيوتِ البَشَرِ يَملِكُ بابَ السَّماء.