الغُلُوّ

ghuluw جذر · غ-ل-و موضعٌ واحِدٌ في القرآن
التَّعريف الجَذريّ
نافِذٌ يَنطَلِقُ من مَوضِعِه ويَمتَدُّ حتّى يُجاوِزَ قَدرَه. والمُصحَفُ يَكتُبُ الجَذرَ نَهياً مُكَرَّراً لِأهلِ الكِتاب: «لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ»، ويُسَمّي في المَوضِعَينِ القَدرَ الذي يُجاوَزُ بِالحَقّ.

تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر

ثلاثةُ حُروف:

  • غ: غَؤورٌ في أقصى الحَلقِ يَستُرُ المَجرى ولا يَقطَعُه، ويَجري النَّفَسُ من خَلفِه إلى الخارِج. شِحنَتُه: النفاذُ الجاري من الغَور (بروزٌ من غَور).
  • ل: تَعَلُّقُ طَرَفِ اللِّسانِ بِأصلِ الثَّنايا وجَرَيانُ الصَّوتِ مُنساباً من جانِبَيه. شِحنَتُه: الامتداد والانسياب والانتشار.
  • و: تَستَديرُ الشَّفَتانِ حَلقةً ثُمَّ تَنفَرِجُ فتُفضي بِالصَّوتِ إلى ما يَليه. شِحنَتُه: الانفراج والإفضاء.

النَّواةُ غل (غ + ل) = نَفاذٌ يَبرُزُ من غَورٍ ثُمَّ يَمتَدُّ مُنساباً. ثُمَّ و (الانفراج والإفضاء) تُفضي بِهذا المُمتَدِّ إلى مُتَّسَعٍ لا يَحبِسُه فيَبعُدُ عن مَبدَئِه. فيَصيرُ الجَذرُ كُلُّه: نافِذٌ يَنطَلِقُ من مَوضِعِه ويَمتَدُّ حتّى يُجاوِزَ قَدرَه.

والانفِراجُ في و هو ما يَجعَلُ الامتِدادَ مُجاوَزة: الحَلقةُ تَنفَتِحُ أمامَ المُمتَدِّ، فيَمضي إلى ما وَراءَ المَوضِعِ الذي كانَ يَقِفُ عِندَه لَو حُبِس.

ومنه في كَلامِ العَرَب:

  • غَلا السِّعرُ: ارتَفَعَ فَوقَ ما كانَ عَلَيه.
  • غَلا بِالسَّهمِ: رَمى بِه أبعَدَ ما يَقدِر، والغَلْوة قَدرُ رَميةِ سَهم.
  • غَلا في الأمرِ: جاوَزَ فيه الحَدّ.

فالعُلُوُّ في السِّعرِ والبُعدُ في الرَّميةِ والزِّيادةُ في الأمرِ حَرَكةٌ واحِدة: شَيءٌ يَنطَلِقُ من مَوضِعِه ويَمضي فَوقَ ما كانَ يَقِفُ عِندَه، والجِهةُ يُعَيِّنُها ما يَجري فيه الحَدَث.

والجَذرُ في المُصحَفِ كُلِّه كَلِمَتانِ بِلَفظٍ واحِدٍ في آيَتَين، كِلتاهُما نِداءٌ لِأهلِ الكِتاب: «يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ» (٤:١٧١)، و«لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ» (٥:٧٧).

الشِّحنةُ الجامِعةُ لِلجَذرِ غ-ل-و: انطِلاقٌ من المَوضِعِ يَمضي فَوقَ قَدرِه. وهذا يَضبِطُ قِراءةَ الكَلِمةِ في مَسأَلَتَين:

الأولى: لِماذا يَقَعُ الغُلُوُّ «في» الدّين. غ تُبرِزُ ما يَخرُجُ من غَور، فالمُجاوَزةُ تَنبَعِثُ من داخِلِ الأمرِ نَفسِه ثُمَّ تَمتَدُّ فَوقَ قَدرِه. والنَّهيُ في المَوضِعَينِ «فِي دِينِكُمْ»: الدِّينُ مُضافٌ إلى أصحابِه، والزِّيادةُ تَبدَأُ فيه من أهلِه.

الثّانية: لِماذا يُذكَرُ الحَقُّ مَعَه في المَوضِعَين. المُجاوَزةُ تَقتَضي قَدراً تُجاوِزُه، والمُصحَفُ يُسَمّي هذا القَدرَ بِالحَقِّ في كُلِّ مَرّة: في النِّساءِ نَهياً مَعطوفاً على النَّهي، وفي المائدةِ مَوصولاً بِالفِعلِ نَفسِه. والحَقُّ ما ثَبَتَ في مَقَرِّه، والغُلُوُّ ما مَضى فَوقَ مَقَرِّه.

الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن

  • تَغْلُوا (مُضارِعٌ مَجزومٌ بِـ«لا» النّاهيةِ لِجَماعةِ المُخاطَبين): الصّيغةُ الوَحيدةُ لِلجَذرِ في المُصحَفِ كُلِّه، في ٤:١٧١ من المَنشورِ وفي ٥:٧٧ من غَيرِه، بَعدَ نِداءِ «يَا أَهْلَ الْكِتَابِ» في المَوضِعَين، ومَعَها «فِي دِينِكُمْ».

الجَذرُ قَبلَ الوَزن: الفِعلُ ثُلاثيٌّ مُجَرَّد (غَلا يَغلو)، ويَرِدُ نَهياً في

مَوضِعَيه، واسمُ المَفهومِ مَصدَرٌ على فُعولٍ لا يَكتُبُه المُصحَف. فالمُصحَفُ

يَضَعُ الجَذرَ قَبلَ وُقوعِه: قَدرٌ يُرسَمُ ويُنهى عن مُجاوَزَتِه، ولا يُخبِرُ عن

أحَدٍ أنَّه غَلا. وصيغةُ جَماعةِ المُخاطَبينَ تَجعَلُ المُجاوَزةَ فِعلَ جَماعةٍ في

دينٍ هو دينُها.

الفُروق المَعنويّة: مَفاهيمُ مُجاوِرةٌ من جُذورٍ أُخرى

لا مَفهومَ ثانِياً لِلجَذرِ في المُعجَم. ويُجاوِرُه:

  • الطُّغيان (الطُّغيان، ط-غ-و / ط-غ-ي): تَجاوُزُ الحَدِّ الذي يَضبِطُ الذّات، كَالماءِ يَعلو فَوقَ سَدِّه. الطُّغيانُ حالٌ يَعلو فيها صاحِبُه فَوقَ حَدِّه، والغُلُوُّ مُجاوَزةٌ تَقَعُ «في» أمرٍ لَه قَدرٌ مَرسوم، والمُصحَفُ يَضَعُها في الدّينِ في مَوضِعَيها.
  • الاعتِداء (الاعتِداء، ع-د-و): سَعيٌ قَصديٌّ يَجتازُ الحَدَّ إلى ما وَراءَه. الاعتِداءُ يَعبُرُ الحَدَّ إلى ما لِغَيرِه، والغُلُوُّ يَمضي فَوقَ قَدرِ الأمرِ الذي هو فيه.
  • الإسراف (الإسراف، س-ر-ف): خُروجُ الجاري عن مَجراهُ فتَفَرُّقُه. الإسرافُ يُسَمّي ما يَذهَبُ بَدَداً خارِجَ مَجراه، والغُلُوُّ يُسَمّي ما يَعلو فَوقَ قَدرِه في مَوضِعِه.
  • الغُلّ (الغُلّ، غ-ل-ل): يُشارِكُ الغُلُوَّ حَرفَيه الأوَّلَين، وقِراءَتُه حَوزٌ يَغورُ ثُمَّ يُغلَقُ عَلَيه. والنَّواةُ فيه تَنتَخِبُ من الغَينِ غَؤورَها ومن اللّامِ حَوزَها، وتَنتَخِبُ في الغُلُوِّ بُروزَها وامتِدادَها: الغُلُّ ما دَخَلَ الباطِنَ فلَزِم، والغُلُوُّ ما خَرَجَ من الغَورِ فجاوَز.
  • الغَلْي (غ-ل-ي، ولَيسَ لَه في المُعجَمِ مَفهومٌ يُحالُ عَلَيه): «كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ» (٤٤:٤٥) و«كَغَلْيِ الْحَمِيمِ» (٤٤:٤٦)، ولم تُنشَرِ السّورة. جَذرٌ يُشارِكُ الغُلُوَّ حَرفَيه الصَّحيحَينِ ويُخالِفُه في حَرفِ العِلّةِ الأخير، والغَليانُ ماءٌ يَعلو من قَعرِه فَوقَ مُستَواه. وعَلاقةُ الجَذرَينِ في القِسمِ السّادِس.

المَواضع: مَواقعُ الغُلُوِّ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)

  • ٤:١٧١ ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. «تَغلوا» مُضارِعٌ مَجزومٌ بِـ«لا» النّاهيةِ لِجَماعةِ المُخاطَبين، أوَّلُ ما يُقالُ لِأهلِ الكِتابِ بَعدَ نِدائهِم، و«في دينِكُم» مَوضِعُ الفِعل، ويُعطَفُ عَلَيه نَهيٌ عن قَولٍ على اللهِ إلّا الحَقّ. الجَديدُ: يَدخُلُ الجَذرُ المُصحَفَ نَهياً، والمُجاوَزةُ فيه تَقَعُ داخِلَ أمرٍ مُضافٍ إلى أصحابِه، ويَقِفُ الحَقُّ في الجُملةِ المَعطوفةِ حَدّاً لِما يُقالُ على الله. ثُمَّ تَرسُمُ الآيةُ القَدرَ بِـ«إنَّما» مَرَّتَين، وتَأمُرُ بِما يُقابِلُ النَّهي: «انتَهوا»، امتِدادٌ يَبلُغُ آخِرَه فيَقِفُ عِندَه. انظُر الدِّين والنَّهي.

التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى

  • مَعَ الدِّين في ٤:١٧١: «فِي دِينِكُمْ» يَجعَلُ الدِّينَ المَوضِعَ الذي تَقَعُ فيه المُجاوَزة، مُضافاً إلى أصحابِه، فالغُلُوُّ زِيادةٌ من الداخِلِ في أمرٍ هُم أهلُه.
  • مَعَ الحَقّ والقَول في ٤:١٧١: يُعطَفُ على النَّهيِ عن الغُلُوِّ نَهيٌ عن قَولٍ على اللهِ إلّا الحَقّ، فالمُجاوَزةُ في الدّينِ تُقاسُ بِالحَقّ، والقَولُ أوَّلُ ما تَظهَرُ فيه.
  • مَعَ النَّهي في ٤:١٧١: الآيةُ التي تَفتَتِحُ بِالنَّهيِ عن المُجاوَزةِ تَأمُرُ في وَسَطِها: «انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ». فالغُلُوُّ امتِدادٌ يُفضي إلى ما وَراءَ القَدر، والانتِهاءُ امتِدادٌ يَبلُغُ آخِرَه فيَقِفُ عِندَه.
  • مَعَ عيسى والرَّسول في ٤:١٧١: بَعدَ النَّهيِ يُرسَمُ القَدرُ بِأداةِ القَصر: «إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ». فالقَصرُ يُعطي القَدرَ الذي نُهِيَ عن مُجاوَزَتِه ثَلاثةَ أخبارٍ تَرُدُّ المَسيحَ كُلُّها إلى الله.
  • مَعَ الواحِد / الوَحدانيَّة والإله / الآلهة في ٤:١٧١: «وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ» ثُمَّ «إِنَّمَا اللَّهُ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ»: قَصرٌ ثانٍ يُقابِلُ عَدَداً نُهِيَ عن قَولِه بِعَدَدٍ يُثبَت، فيُرسَمُ لِلقَولِ على اللهِ حَدُّه.

الإشكالات المَفتوحة

  • الغُلُوُّ والغَلْي: جَذرانِ أم حَرَكةٌ واحِدة؟ «يَغْلِي» و«كَغَلْيِ» (٤٤:٤٥ و٤٤:٤٦) من غ-ل-ي، والنَّواةُ غل بِقِراءَتِها هُنا، نَفاذٌ يَبرُزُ من غَورٍ ثُمَّ يَمتَدُّ مُنساباً، تَصِفُ الغَليان: ماءٌ يَبرُزُ من قَعرِه ويَمتَدُّ فَوقَ مُستَواه. والمُعتَمَدُ في الجُذورِ الجَوفاءِ أنَّ التَّوأَمَينِ يَشتَرِكانِ في قِراءةِ النَّواةِ ويَفتَرِقانِ بِالاستِعمال، ولم يُحكَمْ بَعدُ في التَّوأَمَينِ اللَّذَينِ يَختَلِفُ حَرفُ العِلّةِ في آخِرِهِما. والجَوابُ العامِل: حَرَكةٌ واحِدةٌ يُعَيِّنُ الاستِعمالُ مادَّتَها، قَدرٌ يُجاوَزُ في الأمر، وماءٌ يُجاوِزُ مُستَواه. مَفتوح.
  • لِماذا يَرِدُ الجَذرُ نَهياً لِأهلِ الكِتابِ في مَوضِعَيه؟ الغُلُوُّ في الحُروفِ يَقتَضي قَدراً يُجاوَزُ من داخِلِه، والدِّينُ الذي نَزَلَ بِكِتابٍ لَه قَدرٌ مَرسوم، فيَستَقيمُ أن يُخاطَبَ بِه أهلُ الكِتاب. أخاصّةٌ هي في الجَذرِ أم في المَوضِعَين؟ لا يَفصِلُ مَوضِعانِ بِلَفظٍ واحِد. مَفتوح.

مَواضِعُ هذا المَفهومِ في القرآن