النساء · الآية 171

﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ۚ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۖ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ ۚ انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ ۚ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ ۘ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ۚ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۖ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ ۚ انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ ۚ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ ۘ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا

«لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ» و«إِلَّا الْحَقَّ»: نَهيانِ عن مُجاوَزةِ الحَدّ

تَقَعُ هذه الآيةُ بَينَ نِداءَينِ لِلنّاسِ عامّةً، في الآيةِ السَّبعينَ بَعدَ المِئةِ وفي الرّابِعةِ والسَّبعينَ بَعدَ المِئة، ويَأتي فيها نِداءٌ أخَصُّ مِنهُما: «يا أهلَ الكِتاب». والاسمُ يَرِدُ في السّورةِ أربَعَ مَرّات، ولا يُنادى بِه إلّا في هذه الآية، فيُدعى المُخاطَبونَ بِنِسبَتِهِم إلى الكِتابِ قَبلَ أن يُقالَ لَهُم شَيء. وأوَّلُ ما يُقالُ لَهُم نَهيٌ من غ-ل-و، والجِذرُ يَدورُ على الارتِفاعِ ومُجاوَزةِ القَدر: «غَلا السِّعرُ» إذا ارتَفَعَ فَوقَ ما كانَ عَلَيه، و«غَلا بِالسَّهمِ» إذا رَمى بِه أبعَدَ ما يَقدِر، و«الغَلْوةُ» قَدرُ رَميةِ سَهم. فالغالي يَمضي في الأمرِ حتّى يَتَخَطّى حَدَّه، ويُجاوِزُ المَوضِعَ الذي كانَ يَنبَغي أن يَقِفَ عِندَه.

و«في دينِكُم» تَجعَلُ الدّينَ نَفسَه المَوضِعَ الذي تَقَعُ فيه المُجاوَزة. والدِّينُ، من د-ي-ن، ما يَلزَمُ صاحِبَه فيَثبُتُ عَلَيه ويَطولُ لُزومُه، وإضافَتُه إلى ضَميرِهِم تَجعَلُه دينَهُمُ الذي هُم فيه، فالنَّهيُ واقِعٌ على زِيادةٍ في أمرٍ هُم أصحابُه. ولِهذا الفِعلِ في الكِتابِ مَوضِعانِ لا ثالِثَ لَهُما، وكِلاهُما نِداءٌ لِأهلِ الكِتاب: هذه الآية، وآيةٌ في المائدة: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾. وفي المَوضِعَينِ يُذكَرُ الحَقُّ مَعَ الغُلُوّ: هُناكَ «غَيرَ الحَقِّ» مَوصولاً بِالفِعلِ نَفسِه، وهُنا في النَّهيِ الذي يَليه.

ثُمَّ يَأتي النَّهيُ الثّاني: «ولا تَقولوا على اللهِ إلّا الحَقَّ». والقَولُ، من ق-و-ل، صَوتٌ يَنطَلِقُ من صاحِبِه مَقطوعاً ويَبقى مَشدوداً إلَيه، و«على» تَجعَلُ القَولَ مَحمولاً على الله، فمَن قالَ على اللهِ شَيئاً وَضَعَ عَلَيه قَولاً يَبقى مَنسوباً إلى قائلِه. والاستِثناءُ مُفَرَّغ، فكُلُّ قَولٍ يُحمَلُ على اللهِ داخِلٌ في النَّهي، ويَخرُجُ مِنه «الحَقُّ» وَحدَه، والحَقُّ، من ح-ق-ق، ما ثَبَتَ في مَقَرِّه فلا يَتَحَوَّل. ونَصبُه يَحتَمِلُ في العَربيّةِ وَجهَين: أن يَكونَ هو المَقولَ نَفسَه، وأن يَكونَ وَصفاً لِقَولٍ مَطوِيّ، «إلّا القَولَ الحَقَّ». وهذه العِبارةُ بَعدَ فِعلِ القَولِ تَرِدُ في الأعرافِ مَرَّتَين: على لِسانِ موسى حَقِيقٌ عَلَىٰ أَن لَّا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾، وفي ميثاقٍ أُخِذَ على الذينَ وَرِثوا الكِتاب: أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لَّا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾. والنَّهيانِ في الآيةِ على حَدٍّ واحِد: الأوَّلُ يَمنَعُ الزِّيادةَ في الدّين، والثّاني يَمنَعُ أن يُحمَلَ على اللهِ ما لم يَثبُت.

«إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ»: قَصرٌ يَرسُمُ الحَدّ

ثُمَّ تَأتي «إنَّما» فتَقصُرُ المَسيحَ على ما يُخبَرُ بِه عَنه، فيَقِفُ عِندَه ولا يَتَعَدّاه، والقَصرُ بِهذا جَوابٌ لِلنَّهيِ عن الغُلُوّ: نُهوا عن مُجاوَزةِ الحَدّ، ثُمَّ رُسِمَ لَهُمُ الحَدُّ بِأداةٍ تَقصُر. والمُسَمّى مَذكورٌ بِاسمِه التّامّ: لَقَبٌ، «المَسيح»، واسمٌ، «عيسى»، ونِسبةٌ إلى أُمِّه، «ابنُ مَريَم»، واسمُ عيسى من ع-ي-س، ظُهورٌ من عُمقٍ يَنفُذُ من بَينِ ما يُحيطُ بِه. وأوَّلُ ما يُخبَرُ بِه عَنه «رَسولُ الله»، وقد جاءَ في الآيةِ السّابِعةِ والخَمسينَ بَعدَ المِئةِ مَنصوباً في دَعوى قَتلِه، ويَأتي هُنا مَرفوعاً تَقصُرُه «إنَّما» عَلَيه. والرَّسولُ، من ر-س-ل، مَن يَنبَعِثُ من جِهةٍ ويَحمِلُ ما يَصِلُها بِجِهةٍ أُخرى، وإضافَتُه إلى اسمِ اللهِ تُسَمّي الجِهةَ التي انبَعَثَ مِنها.

ويُعطَفُ على الإخبارِ الأوَّلِ إخبارانِ: «وكَلِمَتُه» و«رُوحٌ مِنه»، والثَّلاثةُ تَرُدُّ المَسيحَ إلى اللهِ كُلٌّ بِرِباطٍ غَيرِ رِباطِ صاحِبِه: الأوَّلُ بِاسمِ اللهِ ظاهِراً مُضافاً إلَيه، والثّاني بِضَميرِه مُضافاً إلَيه، والثّالِثُ بِـ«مِن». فكُلُّ ما يُخبَرُ بِه عن المَسيحِ في هذا الكَلامِ يُشيرُ إلى الله: رِسالةٌ انبَعَثَت مِنه، وكَلِمةٌ هي لَه، ورُوحٌ ابتِداؤه من عِندِه، والقَصرُ يُبقي المَسيحَ داخِلَ هذه الأوصافِ الثَّلاثة، ومَبدَأُ كُلٍّ مِنها عِندَ الله.

«وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ»: كَلِمةٌ تَبلُغُ مُنتَهاها ورُوحٌ يُعرَفُ مَبدَؤه

والكَلِمةُ، من ك-ل-م، مَعنىً يُحبَسُ في قالَبٍ واحِدٍ مُتَماسِكٍ فيُحمَلُ فيه إلى مَن يَبلُغُه. وفي آلِ عِمرانَ بُشِّرَت مَريَمُ بِالكَلِمةِ ثُمَّ سُمِّيَتِ الكَلِمة: بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ﴾، فجاءَتِ الكَلِمةُ أوَّلاً نَكِرةً مَوصوفةً بِـ«مِنه»، ثُمَّ جاءَ الاسم. ويَنعَكِسُ التَّرتيبُ في هذه الآية: يُذكَرُ الاسمُ التّامُّ أوَّلاً، ثُمَّ يُخبَرُ عَنه بِأنَّه «كَلِمَتُه»، مَعرِفةً بِإضافَتِها إلى ضَميرِ الله. فالمُسَمّى هو الكَلِمةُ التي بُشِّرَت بِها مَريَم، والكَلِمةُ هُنا مَنسوبةٌ إلى قائلِها.

و«ألقاها» من ل-ق-ي، والإلقاءُ طَرحُ الشَّيءِ حتّى يَقَعَ حَيثُ يَبلُغ، فيُفارِقُ المُلقي ما ألقاه، و«إلى» تُسَمّي المُنتَهى الذي يَقَعُ عِندَه. وقد جاءَ الفِعلُ مَعَ «إلى» في الآيةِ الرّابِعةِ والتِّسعينَ من هذه السّورة: لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ﴾، والمُلقى هُناكَ سَلامٌ يُطرَحُ نَحوَ المُخاطَبينَ فيَبلُغُهُم، والمُلقى هُنا كَلِمةٌ بَلَغَت مَريَم. والضَّميرُ في «ألقاها» يَعودُ على «كَلِمَتُه»، والفاعِلُ ضَميرُ الله، فالجُملةُ تَصِفُ الكَلِمةَ بِما جَرى عَلَيها: خَرَجَت من عِندِه فبَلَغَت مَريَم. وتُذكَرُ مَريَمُ في الآيةِ مَرَّتَين: في نِسبةِ ابنِها إلَيها، «ابنُ مَريَم»، ثُمَّ مُنتَهىً لِلإلقاء، «إلى مَريَم»، فهي الأُمُّ التي يُنسَبُ إلَيها الاسم، والمَوضِعُ الذي بَلَغَتهُ الكَلِمة.

ثُمَّ «ورُوحٌ مِنه». والرّوحُ، من ر-و-ح، جَرَيانٌ خَفيٌّ يَحِلُّ في باطِنٍ فيَسري فيه، وجاءَ هُنا نَكِرةً مَوصوفةً بِـ«مِنه»، كما جاءَتِ الكَلِمةُ في آلِ عِمرانَ نَكِرةً مَوصوفةً بِـ«مِنه». و«مِن» في «مِنه» تَحتَمِلُ في العَربيّةِ أن تَكونَ لِابتِداءِ الغاية، فالرّوحُ مَبدَؤه من عِندِ اللهِ وصُدورُه عَنه، ويَحتَمِلُ الكَلامُ تَقديرَ مُضافٍ مَطوِيّ: رُوحٌ من أمرِه، أو من خَلقِه. وبِـ«مِنه» هذه يُوصَفُ في الجاثِيةِ كُلُّ ما سُخِّرَ مِمّا في السَّماواتِ والأرض: جَمِيعًا مِّنْهُ﴾، وبِالعِبارةِ نَفسِها يُوصَفُ في المُجادَلةِ ما أُيِّدَ بِه الذينَ كَتَبَ اللهُ في قُلوبِهِمُ الإيمان: وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ﴾.

«فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ» و«انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ»: ثِقةٌ تُعطى ووُقوفٌ عِندَ الحَدّ

والفاءُ في «فآمِنوا» تَصِلُ الأمرَ بِما قَبلَه: المَسيحُ رَسولٌ من رُسُلِ الله، فالثِّقةُ تُعطى للهِ ولِرُسُلِه. والإيمانُ، من أ-م-ن، سَكينةٌ تَستَقِرُّ في الداخِلِ ثُمَّ تُعطى ثِقةً لِمَن يُؤمَنُ بِه. و«رُسُلِه» جَمعٌ يَدخُلُ فيه مَن أُخبِرَ عَنه في أوَّلِ الآيةِ بِأنَّه «رَسولُ الله»، وقد سُمِّيَ عيسى في الآيةِ الثّالِثةِ والسِّتّينَ بَعدَ المِئةِ بَينَ مَن أوحى اللهُ إلَيهِم. والعِبارةُ «بِاللهِ ورُسُلِه» جاءَت قَبلُ في الخَمسينَ بَعدَ المِئةِ في الذينَ يُريدونَ أن يُفَرِّقوا بَينَ اللهِ ورُسُلِه، وفي الثّانيةِ والخَمسينَ بَعدَ المِئةِ في الذينَ لم يُفَرِّقوا بَينَ أحَدٍ مِنهُم، وتَأتي هُنا أمراً يَجمَعُ اللهَ ورُسُلَه في ثِقةٍ واحِدة.

ثُمَّ يَعودُ فِعلُ القَولِ مَنهِيّاً عَنه، ويُسَمّي هذه المَرّةَ قَولاً بِعَينِه: «ثَلاثةٌ». فالنَّهيُ الأوَّلُ عامٌّ في كُلِّ ما يُحمَلُ على الله، والثّاني خاصٌّ بِكَلِمةٍ واحِدة. و«ثَلاثةٌ» مَرفوعٌ خَبَراً لِمُبتَدَإٍ مَطوِيّ، والمَقولُ جُملةٌ تامّةٌ طُوِيَ صَدرُها، والمَطويُّ يَحتَمِلُ في العَربيّةِ أكثَرَ من تَقدير: أن يَكونَ «الآلِهةُ»، فالمَقولُ «الآلِهةُ ثَلاثة»، وأن يَكونَ اسمَ اللهِ نَفسَه، فالمَقولُ «اللهُ ثَلاثة»، وأن يَكونَ قد طُوِيَ مَعَه مُضافٌ، فالمَقولُ «اللهُ ثالِثُ ثَلاثة». والآيةُ تُبقي صَدرَ المَقولِ مَطوِيّاً وتُظهِرُ العَدَد، فيَقَعُ النَّهيُ على العَدَدِ نَفسِه، ثُمَّ تُجيبُه في آخِرِها بِعَدَدٍ آخَر: «إلهٌ واحِد».

ثُمَّ الأمرُ «انتَهوا»، من ن-ه-ي على افتَعَلَ، و«انتَهى» بَلَغَ النِّهايةَ فوَقَفَ عِندَها، فالأمرُ بِالانتِهاءِ يُقابِلُ النَّهيَ عن الغُلُوِّ الذي افتُتِحَت بِه الآية: هُناكَ مَنعٌ من مُجاوَزةِ الحَدّ، وهُنا أمرٌ بِالوُقوفِ عِندَه. ويَتبَعُه «خَيراً لَكُم» على التَّركيبِ الذي جاءَ في الآيةِ السَّبعينَ بَعدَ المِئةِ بَعدَ الأمرِ بِالثِّقة: فَآمِنُوا خَيْرًا لَّكُمْ﴾، ونَصبُه يَحتَمِلُ الأوجُهَ الثَّلاثةَ التي يَحتَمِلُها هُناك: أن يَكونَ مَفعولاً لِفِعلٍ مَطوِيٍّ يُفهَمُ من الأمر، «انتَهوا وأْتوا خَيراً لَكُم»، أو صِفةً لِمَصدَرٍ مَطوِيّ، «انتَهوا انتِهاءً خَيراً لَكُم»، أو خَبَراً لِـ«كانَ» مَطوِيّةٍ هي واسمُها، «يَكُنِ الانتِهاءُ خَيراً لَكُم». والخَيرُ، من خ-ي-ر، ما يَنفُذُ في صاحِبِه ويَجري أثَرُه فيه، فالوُقوفُ عِندَ الحَدِّ على الأوجُهِ الثَّلاثةِ شَيءٌ يَعودُ نَفعُه على الواقِفين.

«إِنَّمَا اللَّهُ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ»: قَصرٌ ثانٍ يُقابِلُ الأوَّل

وتَعودُ «إنَّما» مَرَّةً ثانِيةً فتَقصُرُ اللهَ على أنَّه «إلهٌ واحِد». والقَصرانِ في الآيةِ مُتَقابِلان: الأوَّلُ يَقصُرُ المَسيحَ على ما يَصِلُه بِالله، رِسالةً وكَلِمةً ورُوحاً، والثّاني يَقصُرُ اللهَ على الوَحدة، فيوضَعُ كُلٌّ في حَدِّه. والإلهُ، من أ-ل-ه، مَن يَتَعَلَّقُ بِه المُتَعَلِّقُ تَعَلُّقاً يَستَغرِقُه، والواحِدُ، من و-ح-د، انفِرادٌ مُحكَمٌ لا يَقبَلُ ضَميمة، فيَقِفُ «واحِدٌ» في مُقابِلِ «ثَلاثة»: عَدَدٌ نُهِيَ عن قَولِه، وعَدَدٌ تُثبِتُه أداةُ القَصر. وتَأتي «إنَّما» و«أنَّما» مَعَ «إلهٌ واحِدٌ» في آياتٍ أُخرى، والمَقصورُ فيها «هو» أو «إلهُكُم»، ويَأتي اسمُ اللهِ ظاهِراً مَعَها في هذه الآيةِ وَحدَها.

ثُمَّ «سُبحانَه»، من س-ب-ح، والجِذرُ مُرورٌ خالِصٌ لا يَعلَقُ بِصاحِبِه شَيءٌ مِمّا مَرَّ بِه، فالتَّسبيحُ إبعادٌ لِما يُلصَقُ بِالمُسَبَّح. و«أن يَكونَ لَهُ وَلَدٌ» في مَعنى «عن أن يَكونَ»، والجارُّ يُطوى قَبلَ «أن» كَثيراً. والوَلَدُ، من و-ل-د، ما يَخرُجُ من ذاتٍ ويَبقى مَوصولاً بِها. ثُمَّ «لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرض»، واللّامُ فيها اللّامُ التي جاءَت في «لَهُ وَلَدٌ»: نُزِّهَ اللهُ عن أن يَكونَ لَه وَلَد، وأُثبِتَ لَه بِاللّامِ نَفسِها كُلُّ ما فيهِما مِلكاً. وفي يونُسَ يَتلو التَّسبيحَ وَصفٌ بِالغِنى ثُمَّ هذا المِلكُ نَفسُه: سُبْحَانَهُ ۖ هُوَ الْغَنِيُّ ۖ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾، وتُختَمُ تِلكَ الآيةُ بِـأَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. وتُختَمُ هذه الآيةُ بِـ«وكَفى بِاللهِ وَكيلاً»، كما خُتِمَتِ الآيةُ الثّانيةُ والثَّلاثونَ بَعدَ المِئةِ بَعدَ أن ذَكَرَت ما في السَّماواتِ والأرض، والوَكيلُ، من و-ك-ل، مَن يوكَلُ إلَيه الأمرُ فيَقومُ عَلَيه، فمَن كانَ لَه ما فيهِما كَفى أن يوكَلَ إلَيه الأمرُ كُلُّه.


حَصيلة

تُنادي الآيةُ أهلَ الكِتابِ بَينَ نِداءَينِ لِلنّاسِ عامّةً، وتَنهاهُم عن الغُلُوِّ، من غ-ل-و، مُجاوَزةِ القَدرِ في دينِهِم، وعن أن يَحمِلوا على اللهِ من القَولِ إلّا ما ثَبَتَ في مَقَرِّه. ثُمَّ تَرسُمُ الحَدَّ بِـ«إنَّما»: المَسيحُ عيسى ابنُ مَريَمَ، واسمُه من ع-ي-س، مَقصورٌ على ثَلاثةِ أخبارٍ تَرُدُّه كُلُّها إلى الله: رَسولٌ انبَعَثَ من عِندِه، وكَلِمةٌ من ك-ل-م مُضافةٌ إلَيه أُلقِيَت، من ل-ق-ي، إلى مَريَم، ورُوحٌ من ر-و-ح مَبدَؤه مِنه. وتَأمُرُهُم بِالثِّقةِ بِاللهِ ورُسُلِه، وتَنهاهُم عن قَولِ «ثَلاثة» وصَدرُ المَقولِ مَطوِيٌّ يَحتَمِلُ غَيرَ تَقدير، وتَأمُرُهُم بِالانتِهاء، الوُقوفِ عِندَ الحَدِّ الذي نُهوا عن مُجاوَزَتِه، خَيراً لَهُم. ثُمَّ تَرسُمُ الحَدَّ الثّانيَ بِـ«إنَّما» أُخرى: اللهُ إلهٌ واحِدٌ، من و-ح-د، لا يَقبَلُ ضَميمة، مُنَزَّهٌ عن الوَلَد، لَه ما في السَّماواتِ والأرض، وكَفى بِه وَكيلاً. فالآيةُ حُدودٌ تُرسَم: نَهيٌ عن المُجاوَزة، وأمرٌ بِالوُقوف، وقَصرانِ يَضَعانِ كُلّاً في مَوضِعِه.