الإعلان
**نَفاذٌ من باطِنٍ إلى ظاهِرٍ يَنتَشِرُ مُتَمَيِّزاً**. وأحرُفُه الثَّلاثةُ كُلُّها تَقولُ الخُروجَ من الدّاخِل: العَينُ ظُهورٌ من العُمق، واللّامُ انسِيابٌ وانتِشارٌ مُستَقِلّ، والنّونُ نَفاذٌ وانبِعاثٌ من الباطِنِ إلى الخارِج. فالكَلِمةُ **تَقتَضي باطِناً سَبَقَها**، ولا تُقالُ لِما لا داخِلَ لَه. ولِذلك لا يَرِدُ هذا الجَذرُ في المُصحَفِ المَنشورِ مَرّةً واحِدةً وَحدَه: في ثَلاثةٍ من ثَلاثةٍ يَقِفُ إلى جانِبِه السِّرّ.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
- ع :: قَبضٌ يَلتَحِمُ في أعمَقِ المَجاري، فيَظهَرُ الصَّوتُ **من
العُمقِ إلى الخارِج**.
- ل :: تَعَلُّقٌ والتِصاق، ثُمَّ امتِدادٌ وانسِيابٌ وانتِشار،
ثُمَّ استِقلالٌ وتَميُّزٌ وحِدّةٌ ظاهِرة.
- ن :: احتِباسٌ في الجَوفِ يَمتَلِئُ رَنيناً، ثُمَّ **نَفاذٌ
وانبِعاثٌ من الباطِنِ إلى الخارِج**، وهو أكثَرُ وُجوهِ النّونِ شُهوداً.
والثَّلاثةُ حَرَكةٌ واحِدةٌ مُكَرَّرةٌ ثَلاثَ مَرّات: من عُمقٍ إلى خارِج، ثُمَّ انتِشارٌ مُتَمَيِّز، ثُمَّ نَفاذٌ من باطِنٍ إلى ظاهِر. وقَلَّ جَذرٌ تَتَّفِقُ أحرُفُه الثَّلاثةُ على جِهةٍ واحِدةٍ هذا الاتِّفاق.
وما تَدفَعُه هذه القِراءة: أنَّ الإعلانَ لَيسَ ضِدَّ السِّرِّ بَل تَمامُه. فالضِّدُّ يُلغي، وهذا يَستَدعي: لا يُقالُ «أعلَنَ» إلّا لِما كانَ لَه داخِلٌ خَرَجَ منه. ولِذلك جاءَ في المُسَجَّلِ مَقروناً بِالسِّرِّ في كُلِّ مَوضِعٍ من مَواضِعِه الثَّلاثة، ولِذلك صَحَّ أن يُذكَرَ الاثنانِ مَعاً مَفعولَينِ لِعِلمٍ واحِد: هُما وَجها شَيءٍ واحِد، لا شَيئانِ.
الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن
ثَلاثةُ مَواضِعَ وصيغَتان:
- المُضارِعُ من الرُّباعيِّ «يُعْلِنُونَ»: مَوضِعان (٢:٧٧ و٣٦:٧٦)،
وهُما الجُملةُ نَفسُها حَرفاً بِحَرف: «ما يُسِرّونَ وما يُعلِنون». والفِعلُ في المَوضِعَينِ صِلةٌ لِـ«ما»، فالمَعلومُ هو المُعلَنُ لا الإعلان.
- الاسمُ «وَعَلَانِيَةً»: مَوضِعٌ واحِد (٢:٢٧٤)، مَنصوبٌ على
الحال.
ولا يَرِدُ من الجَذرِ ثُلاثيٌّ مُجَرَّدٌ ولا أمرٌ ولا اسمُ فاعِل. فالإعلانُ في المُسَجَّلِ لا يُؤمَرُ بِه ولا يُنهى عنه، وإنَّما يُخبَرُ بِأنَّه مَعلومٌ أو يُذكَرُ حالاً لِلإنفاق. وصيغةُ «أفعَلَ» في المَوضِعَينِ الفِعلِيَّينِ دالّةٌ: الإعلانُ تَعدِيَةٌ، أي إخراجُ شَيءٍ لا خُروجُ الفاعِلِ نَفسِه.
الفُروق المَعنويّة: مَفاهيمُ مُجاوِرةٌ من جُذورٍ أُخرى
sirr(السِّرّ، س-ر-ر): وهو قَرينُ هذا الجَذرِ في المُصحَفِ لا
ضِدُّه. والفَرقُ أنَّ السِّرَّ اسمٌ لِلمَوضِعِ الباطِنِ وما فيه، والإعلانَ اسمٌ لِلحَرَكةِ التي تُخرِجُ ما فيه. ولِذلك يَصِحُّ أن يَكونا مَفعولَينِ لِفِعلٍ واحِدٍ («يَعلَمُ ما يُسِرّونَ وما يُعلِنون») ولا يَصِحُّ أن يَكونا حالَينِ لِشَيءٍ واحِدٍ في وَقتٍ واحِد.
jahr(الجَهر، ج-هـ-ر): الجَهرُ في أصلِه صِفةُ صَوت، وقُوَّتُه
في السَّمعِ لا في الخُروجِ من باطِن. ولِذلك يُقابَلُ الجَهرُ بِما يَخفى («يَعلَمُ الجَهرَ وما يَخفى») ويُقابَلُ الإعلانُ بِالسِّرّ: المُقابَلةُ الأولى في الإدراك، والثّانيةُ في المَوضِع. فهُما زَوجانِ اثنانِ لا زَوجٌ واحِدٌ بِلَفظَين. على أنَّ ٢٠:٧ ﴿وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ تَضَعُ الجَهرَ مُقابِلَ السِّرِّ وما هو أخفى منه في سَطرٍ واحِد، فالتَّقاطُعُ واقِعٌ من جِهةِ الجَهرِ وَحدَها: الجَهرُ يُقابَلُ بِالخَفاءِ وبِالسِّرِّ مَعاً، وأمّا الإعلانُ فما قابَلَه في المُسَجَّلِ إلّا السِّرُّ وَحدَه، وهو صُلبُ هذا المَفهومِ وقد سَلِم.
ibda(الإبداء، ب-د-و): والفَرقُ يُرى في سورةِ البَقَرةِ نَفسِها
بَينَ آيَتَينِ لا يَفصِلُ بَينَهُما إلّا آيَتان. في ٢:٢٧١ ﴿إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ… وَإِن تُخْفُوهَا﴾ ويُفَضَّلُ الإخفاء، وفي ٢:٢٧٤ ﴿سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ ويُسَوّى بَينَهُما. والإبداءُ ظُهورٌ لِلعَينِ يُنظَرُ إليه، فيَدخُلُه الرِّياءُ فيُفَضَّلُ عَلَيه الإخفاء. والعَلانِيةُ حالُ الإنفاقِ لا حالُ المُنفِق، ولِذلك لم تُذَمّ. فالمَوضِعانِ لا يَتَعارَضان.
kitmanوikhfa: كِلاهُما مَنعٌ من الخُروج، والكِتمانُ
يَقتَضي مَطلوباً يُمنَع، والإخفاءُ لا يَقتَضيه. ولا يُقابِلُ الإعلانَ منهُما شَيءٌ في المُسَجَّل: الذي قابَلَه هو السِّرُّ وَحدَه.
المَواضع: مَواقعُ الإعلانِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:٧٧ ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾: قاعِدةُ البَيت. الجَديدُ: يَدخُلُ الجَذرُ المُسَجَّلَ مَفعولاً لِلعِلمِ لا فِعلاً يُوصَف، ومَقروناً بِالسِّرِّ من أوَّلِ مَوضِع. والآيةُ تَبني عِلماً على عِلم: «أوَلا يَعلَمونَ أنَّ اللهَ يَعلَم»، فالمَلومُ جَهلُهُم بِأنَّ القِسمةَ بَينَ سِرٍّ وعَلانِيةٍ لا تَعني شَيئاً عِندَ مَن يَعلَمُهُما مَعاً. فيَسقُطُ المَعنى الذي من أجلِه يُسِرُّ النّاسُ ويُعلِنون. انظُر
sirrوilm.
- ٢:٢٧٤ ﴿يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾: العَلانِيةُ حالٌ لا مَعلومٌ فَحَسب. الجَديدُ: يَنتَقِلُ الجَذرُ من مَفعولِ العِلمِ إلى حالِ العَمَل، فتُذكَرُ العَلانِيةُ لا لِتُعلَمَ بَل لِيُنفَقَ فيها. ويُقابَلُ الزَّوجُ بِزَوجٍ آخَرَ في الآيةِ نَفسِها: لَيلٌ ونَهارٌ ثُمَّ سِرٌّ وعَلانِية، فيَستَغرِقُ الزَّوجانِ الزَّمانَ والحال. ولا يُفَضَّلُ أحَدُ الطَّرَفَين، بِخِلافِ ٢:٢٧١ حَيثُ فُضِّلَ الإخفاءُ على الإبداء، والفَرقُ أنَّ ما هُنا وَصفٌ لِلعَطاءِ وما هُناكَ وَصفٌ لِلمُعطي. انظُر
infaqوsadaqaوibdaوajr.
- ٣٦:٧٦ ﴿إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾: العِبارةُ نَفسُها والمُتَكَلِّمُ غَيرُه. الجَديدُ: تُعادُ جُملةُ ٢:٧٧ بِحَرفِها ويُبَدَّلُ الإسنادُ وَحدَه: هُناكَ خَبَرٌ عن اللهِ بِلَفظِ الغائِبِ في مَعرِضِ لَومِ قَومٍ لا يَعلَمون، وهُنا كَلامُ اللهِ عن نَفسِه بِنونِ العَظَمةِ في مَعرِضِ تَسلِيَةِ رَسول. فتَظهَرُ فائِدةُ التَّكرارِ في مَوضِعِ الجُملةِ لا في مادَّتِها: الجُملةُ الواحِدةُ حُجّةٌ على قَومٍ وسَكينةٌ لِواحِد. ويَسبِقُها ﴿فَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ﴾، فيُجعَلُ عِلمُ ما يُسَرُّ ويُعلَنُ جَواباً لِحُزنٍ من قَول. انظُر
qawlوhuznوilm.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
- مَعَ
sirrفي المَواضِعِ الثَّلاثةِ كُلِّها: لا يَنفَرِدُ هذا
الجَذرُ عن ذاكَ في المُسَجَّلِ مَرّةً واحِدة. وsirr يَقرَأُ الباطِنَ وما يُودَعُ فيه، وهذا المَفهومُ يَقرَأُ خُروجَ ما فيه. والقارِئُ الذي يَقرَأُ أحَدَهُما دونَ الآخَرِ يَقرَأُ نِصفَ الزَّوج.
- مَعَ
ibdaفي ٢:٢٧١ و٢:٢٧٤: آيَتانِ في سياقٍ واحِدٍ عن
الصَّدَقات، تُفَضِّلُ إحداهُما الإخفاءَ وتُسَوّي الأُخرى. والقِسمةُ بَينَ المَفهومَينِ تَحُلُّ ما يَبدو تَعارُضاً: ibda يَقرَأُ إظهارَ العَينِ لِلنّاظِر، وهذا المَفهومُ يَقرَأُ خُروجَ الفِعلِ من باطِنِ صاحِبِه.
- مَعَ
jahrفي بِناءِ المُدَوَّن: المَفهومانِ لا يَلتَقِيانِ في
آيةٍ واحِدةٍ في السُّوَرِ المَنشورة، والتِقاؤُهُما في أنَّ قَرينَ الإعلانِ واحِدٌ لا يَتَبَدَّل: فالجَهرُ قابَلَه الخَفاءُ في ٨٧:٧ والسِّرُّ وما هو أخفى في ٢٠:٧، وأمّا الإعلانُ فقَرينُه السِّرُّ وَحدَه في مَواضِعِه كُلِّها.
الإشكالات المَفتوحة
- لِمَ لم يَرِدِ الجَذرُ إلّا مَقروناً بِالسِّرّ؟ الاطِّرادُ تامٌّ
في ثَلاثةٍ من ثَلاثة، وهو صَغيرُ العَدَدِ جِدّاً. وإن ثَبَتَ في سُوَرٍ تُسَجَّلُ بَعدُ صارَ حُكماً على الجَذر، وإن نُقِضَ سَقَطَ أقوى ما في القِسمِ الأوَّل. فالمَسألةُ مَوقوفةٌ على العَدَدِ لا على النَّظَر.
- هَل «عَلانِيةً» في ٢:٢٧٤ حالٌ لِلمُنفِقِ أم لِلإنفاق؟ إن كانَت
لِلمُنفِقِ اقتَرَبَت من الإبداءِ ولَزِمَ بَيانُ الفَرقِ بَينَها وبَينَ ٢:٢٧١. وإن كانَت لِلإنفاقِ استَقَلَّت. ورَجَّحتُ الثّانيَ في القِسمِ الرّابِع لِأنَّ الزَّوجَ الذي قَبلَها («بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ») ظَرفٌ لِلفِعلِ لا وَصفٌ لِلفاعِل، فالنَّسَقُ يَقتَضي أن يَكونَ الزَّوجُ الثّاني مِثلَه. وهذا تَرجيحٌ بِالنَّظمِ لا نَصّ.
- **٢:٧٧ و٣٦:٧٦: جُملةٌ واحِدةٌ بِإسنادَين. أفَيُعَدُّ هذا مَوضِعَينِ
أم واحِداً؟** سُجِّلا مَوضِعَينِ لِأنَّ الجَديدَ في الثّاني هو الإسنادُ والمَقام، لا اللَّفظ. ومَن رَأى أنَّ العِبرةَ بِاللَّفظِ وَحدَه فلَه أن يَعُدَّهُما واحِداً، والقِسمةُ مُعلَنةٌ هُنا.