البقرة · الآية 77

﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ

«يُسِرُّونَ» جذر (س ر ر): السِّرُّ فَضاءٌ صَدريٌّ لا فِعلٌ سَلبيّ

الجَذرُ (س ر ر) لَه مَعنَيان مُتَّصِلانِ في العَرَبيَّة: السِّرُّ الذي يُخبَأ، والسُّرورُ الذي يَحُلُّ في الصَّدر. واللَّفظانِ ليسا مَصادَفةً لُغَوِيَّة؛ كِلاهُما يُشيرُ إلى ما يَجري في فَضاءِ القَلبِ المَحجوبِ عَن العَين. يُسِرُّون هُنا لا يَصِفُ فِعلاً شَرّيراً، بَل يَصِفُ مَوضِعاً: كُلُّ ما تَضَعُهُ النَّفسُ في صَدرِها دونَ أن يَصِلَ السَّطح. فَحِوارُهُمُ السِّرِّيُّ في خَلا بَعضُهُم إلى بَعضٍ ليسَ مَخفيّاً فَقَط عَن المُؤمِنين، بَل مَوضوعٌ في الصَّدرِ ذاتِه. والسِّرُّ بِهذا المَعنى ليسَ ثَوباً يُلبِسُهُ الإنسانُ خِطابَه، بَل مَكانٌ داخِلَهُ يُولَدُ الخِطابُ فيه.

«يُعْلِنُونَ» جذر (ع ل ن): الإعلانُ سَطحٌ لا قَصد

الجَذرُ (ع ل ن) يَدورُ على الارتِفاعِ والظُّهور. فَالإعلانُ حَرفِيّاً رَفعُ الشَّيءِ على سَطحٍ يُرى. وما يُعلِنونَهُ في إذا لَقوا الَّذينَ آمَنوا قالوا آمَنّا رَفعٌ على سَطحٍ مَسموعٍ لا أَكثَر. والآيةُ لا تُميِّزُ هُنا بَينَ الصّادِقِ والكاذِبِ في إعلانِه، بَل تَضَعُ السَّطحَ والصَّدرَ في مَكانٍ واحِدٍ بِالنِّسبةِ لِعِلمِ اللهِ: كِلاهُما مُبرَزٌ أَمامَه، لا فَرقَ بَينَ مُبرَزٍ لِلنّاسِ ومُبرَزٍ لَه.

«أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ»: تَصحيحُ الصّورةِ الذِّهنِيّةِ لِلعِلمِ الإلَهيّ

الاستِفهامُ أَوَلا يَعلَمون إنكاريٌّ يَكشِفُ أَنَّ جُذورَ سُلوكِهِم فَهمٌ مَغلوطٌ عَن اللهِ ذاتِه. تَصَوُّرُهُم في الآيةِ 76 أنَّ اللهَ قاضٍ يَنتَظِرُ مَلَفَّ قَضِيَّةٍ يُقَدِّمُهُ أَصحابُ النَّصِّ، والآيةُ 77 تُصَحِّحُ: اللهُ لا يَستَقبِلُ المَلَفَّ، بَل يَعلَمُ المَلَفَّ قَبلَ أَن يُحَرَّر. ولِذَلِكَ تَسقُطُ استِراتيجيّةُ الكِتمانِ مِن جُذورِها: إذا كانَ المَقصودُ إخفاءُ النَّصِّ لِقَطعِ طَريقِ الحِجاج، فَالحِجاجُ عِندَ اللهِ لا يَحتاجُ نَصّاً مَكتوباً. فَالآيةُ تُعَري القَولَ السّابِقَ مِن مَنطِقِه.

السِّرُّ والعَلَنُ عِندَ اللهِ: سَطحٌ واحِد

تَجتَمِعُ الآيةُ على صيغةٍ أُخرى تَكَرَّرَت في القُرآن: يَعلَمُ السِّرَّ وأَخفى. والفارِقُ بَينَ هذه وتِلكَ دَقيق: في بَعضِ المَواضِعِ يُميَّزُ السِّرُّ عَن الأَخفى، وهُنا يُوضَعُ السِّرُّ مُقابِلَ العَلَن. ومَجموعُ الصُّوَرِ القُرآنيَّةِ يَرسُمُ مَشهَداً ثَابِتاً: ما تَراهُ العَينُ البَشَرِيَّةُ كَسَطح، يَراهُ اللهُ بِعُمقٍ كامِل؛ وما تَراهُ النَّفسُ كَسِرٍّ مَحميّ، يَراهُ اللهُ كَسَطحٍ مَكشوف. فَالفَضاءُ الذي تَفصِلُهُ الجِلدةُ بَينَ الصَّدرِ والكَلام ليسَ فاصِلاً في عِلمِ اللهِ، بَل خَطٌّ إدراكيٌّ يَخُصُّ الإنسان وَحدَه.

الأَثَرُ العَمَليّ: إسقاطُ مَنطِقِ الكِتمانِ في العَلاقةِ بِاللهِ

نَتيجةُ الآية أنَّ كُلَّ استِراتيجيَّةٍ دينِيَّةٍ تَستَنِدُ إلى الكِتمانِ مَن اللهِ أو إلى تَقليصِ ما يَصِلُه البابُ المَعرِفيُّ تَقومُ على تَصَوُّرٍ غَيرِ دَقيقٍ عَن اللهِ. والنَّفسُ التي تَفرِضُ بَينَ صَدرِها وكَلامِها تَمايُزاً طَقسيّاً (هذا لِلهِ وهذا لِلنّاس) تَتَصَرَّفُ كَأنَّ اللهَ يَعلَمُ السَّطحَ فَقَط. والآيةُ تُذَكِّرُ أنَّ هذا التَّمايُزَ وُجوديّاً لا مَوضِعَ لَه: ما في الصَّدرِ هوَ ذاتُ المادَّةِ التي على اللِّسان، وكِلاهُما مَعلومٌ في لَحظةٍ واحِدة.

فَالسِّرُّ مَوضِعٌ لا فِعل، والعَلَنُ سَطحٌ لا قَصد، والعِلمُ الإلَهيُّ لا يَعرِفُ الحَدَّ بَينَهُما: مَن يَحتالُ بِإخفاءٍ أو يَتَزَيَّنُ بِإعلان، يَحتالُ أمامَ مَن يَرى الصَّدرَ والسَّطحَ بِعَينٍ واحِدة.


حَصيلة

الآيةُ تَصحيحٌ وُجوديٌّ لِتَصَوُّرٍ ظَهَرَ في الآيةِ السّابِقَة: تَصَوُّرُ اللهِ قاضِياً يَنتَظِرُ مَلَفَّ قَضِيَّةٍ يُقَدِّمُهُ الخَصمان. «يُسِرّون» من س-ر-ر: الجَذرُ ذاتُهُ الذي يُعطي السِّرَّ والسُّرور، كِلاهُما اسمانِ لِفَضاءِ الصَّدرِ المَحجوبِ عَن العَين. و«يُعلِنون» من ع-ل-ن: رَفعُ الشَّيءِ على سَطحٍ مَرئيّ. والآيةُ تَضَعُهُما في مَوضِعٍ واحِدٍ بِالنِّسبةِ لِعِلمِ الله: لَيسَ لأنَّ اللهَ يَخترِقُ الجِلدةَ لِيَرى ما خَلفَها، بَل لأنَّهُ لا يُوجَدُ في مَعرِفَتِهِ طَبَقاتٌ وسَطحٌ وعُمق. السِّرُّ والعَلَنُ فاصِلٌ يَخُصُّ الإدراكَ البَشَريَّ وَحدَه. ولِذَلِكَ تَسقُطُ استِراتيجيَّةُ الكِتمانِ التي ظَهَرَت في الآيةِ 76 من أَساسِها: إذا كانَ الهَدَفُ إخفاءَ النَّصِّ كَي لا يُحتَجَّ بِهِ عِندَ الرَّبّ، فَالرَّبُّ لا يَستَقبِلُ مَلَفّاً بَل هوَ العالِمُ بِمَا في المَلَفِّ قَبلَ أن يُحَرَّر. والكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح: السِّرُّ س-ر-ر مَوضِعٌ لا فِعلٌ سَلبيّ، والعَلَنُ ع-ل-ن سَطحٌ لا قَصدٌ مُعلَن، وللهِ يَتَساوى الفَضاءان في مَنظورٍ لا يَحتَجِبُ.