البقرة · الآية 274

﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ

(ن ف ق) الاستِمراريَّةُ كَجَوهَرِ الإنفاق

وجاءَ الفِعلُ مُضارِعًا: «يُنفِقونَ»، ولم يَأتِ ماضيًا، والمُضارِعُ في العَرَبيَّةِ يَنقُلُ استِمرارَ الحَدَثِ وتَجَدُّدَه، دونَ حُصولِه مَرَّةً واحِدة. فالصِّفةُ هُنا صِفةُ إنسانِ إنفاقٍ دائِم، وليست صِفةَ فاعِلِ إنفاقٍ واحِد: كُلَّما طَلَعَ النَّهارُ أو حَلَّ اللَّيلُ كانَ مالُه خارِجًا. و(ن ف ق) تَنقُلُ نَفاذَ المالِ وخُروجَه من يَدِ صاحِبِه، فكَأنَّ المالَ عِندَ هَؤلاءِ نَهرٌ جارٍ لا بِركةٌ راكِدة، والنَّهرُ لا يَختارُ ساعةً للجَريان.

(م و ل) المالُ كَمِلكيَّةٍ لا كَعَطيَّة

وقد قالَ النَّصُّ «أموالَهُم»، فنَسَبَ المالَ إليهِم، وهذا خِلافُ النَّبرةِ القُرآنيَّةِ في مَواضِعَ أُخرى يُنسَبُ فيها المالُ إلى الله («ومِمّا رَزَقناهُم يُنفِقون»، «من مالِ الله»)، فلِماذا أضافَ المُلكَ إليهِم هُنا؟ والذي يَتَبَيَّنُ أنَّ هذا تَكريمٌ دَقيق، فيه اعتِرافٌ بأنَّ إنفاقَهُم من مِلكِهمُ الحَقيقيِّ الذي حَصَّلوه بتَعَبِهم، وليسَ من فائِضٍ خارِجٍ عَنهُم. فحينَ يُخرِجونَهُ يُخرِجونَ جُزءًا من ذَواتِهم، لا جُزءًا من هِبةٍ لا تَخُصُّهم.

(ل ي ل) + (ن ه ر) قُطبا الزَّمَن

وذِكرُ «اللَّيل» قَبلَ «النَّهار» خِلافُ التَّرتيبِ الزَّمَنيِّ الطَّبيعيِّ الذي يَبدَأ بالنَّهار، وهذا التَّقديمُ مَقصود: اللَّيلُ ظَرفُ الخُفيةِ والاستِتار، فبَدأَ بِه ليُطَمئِنَ الذي يَخشى الرِّياءَ بأنَّ إنفاقَه اللَّيليَّ مَقبولٌ ومَذكور، ثُمَّ أتبَعَه بالنَّهارِ ليُطَمئِنَ الذي يَخشى الاتِّهامَ بالبُخلِ السِّرّيِّ بأنَّ إنفاقَه العَلَنيَّ مَقبولٌ كَذلك. فالآيةُ تُسَوّي بَينَ الظَّرفَين، ولا تُفَضِّلُ أحَدَهُما.

(س ر ر) + (ع ل ن) قُطبا الكَشف

والزَّوجُ الثّاني «سِرًّا وعَلانِيَة» يَنقُلُ التَّقسيمَ من المَحورِ الزَّمَنيِّ إلى المَحورِ الاجتِماعيّ، وهذا التَّركيبُ يَجعَلُ الإنفاقَ مُستَوفيًا لكُلِّ الاحتِمالاتِ النَّفسيَّةِ والاجتِماعيَّة، فلا يَبقى مَكانٌ يَهرُبُ إليهِ العَقلُ ليَقول: «لَو كانَ سِرًّا لَكانَ أخلَص» أو «لَو كانَ عَلَنًا لَكانَ أنفَع»، والصِّنفُ المَمدوحُ يَجمَعُ الاثنَينِ بحَسَبِ الحاجة. وهذا الجَمعُ بَينَ السِّرِّ والعَلانِيةِ في آيةٍ واحِدةٍ هو ما سَبَقَه في الآيتَين 271-272: الإبداءُ نِعمَ، والإخفاءُ خَير، والمَوقِفانِ مَشروعان.

التَّرتيبُ الرُّباعيّ: شَبَكةٌ لا خَطّ

والآيةُ تَرسُمُ شَبَكةً رُباعيَّة: لَيلٌ سِرّيّ، ولَيلٌ عَلَنيّ، ونَهارٌ سِرّيّ، ونَهارٌ عَلَنيّ، ولِكُلِّ مَوقِفٍ من هذه الأربَعةِ وَظيفَتُه وحِكمَتُه، فقَد تَكونُ الحاجةُ لَيلًا فيَستَرِقُ المُنفِقُ خُطواتِه، وقَد تَكونُ القُدوَةُ نَهارًا فيُعلِنُ المُنفِقُ عَطاءَه. فالآيةُ تُحَرِّرُ المُنفِقَ ليَتَحَرَّكَ داخِلَ الشَّبَكةِ كَما يَقتَضي السِّياق، ولا تَفرِضُ عَلَيه خانةً واحِدة.

(أ ج ر) + (ر ب ب) المَوقِعُ الإلهيُّ للأجر

و«فَلَهُم أجرُهُم عِندَ رَبِّهم» يُحَدِّدُ مَوقِعَ الأجرِ في مَكانٍ مُعَيَّنٍ بِـ«عِند»، وهذا الظَّرفُ المَكانيُّ المَجازيُّ يَنقُلُ الأجرَ إلى دائِرةٍ لا يَصِلُ إليها المُجتَمَع، فلا المَدحُ الدُّنيويُّ ولا الذَّمُّ يُؤَثِّرانِ فيه، لأنَّه غَيرُ مَودَعٍ فيهِما. وتَكرارُ بِنيةِ «أجرُهُم عِندَ رَبِّهم» في آياتِ الإنفاقِ (262، 274) تَثبيتٌ مُستَمِرٌّ لمَكانِ المُحاسَبة، وهو عَينُ الرَّبِّ دونَ عَينِ النّاس.

(خ و ف) + (ح ز ن) تَحريرُ الذّاتِ من قُطبَيِ الزَّمَن

والخَوفُ والحُزنُ قُطبا الزَّمَنِ النَّفسيّ، زيادةً على أنَّهُما مَشاعِر: الخَوفُ نَظَرٌ إلى مُستَقبَلٍ مَجهول، والحُزنُ نَظَرٌ إلى ماضٍ مَفقود، فنَفيُهُما تَحريرٌ لِلمُنفِقِ من حِصارِ الزَّمَنِ النَّفسيِّ مَعًا. وهذا التَّوازي يُقابِلُ التَّوازيَ الخارِجيَّ في أوَّلِ الآية: كَما لا يَقَعُ الإنفاقُ في نِصفِ الزَّمَنِ (نَهار دونَ لَيل)، كذلك لا يَقَعُ الأجرُ على نِصفِ النَّفس (خَوف دونَ حُزن)، والشُّمولُ في العَطاءِ يُقابِلُه الشُّمولُ في التَّحرير.

الآيةُ كَخاتِمةٍ لقُرصِ الإنفاق

وهذه الآيةُ تُغلِقُ السِّلسِلةَ الطَّويلةَ للإنفاقِ التي بَدَأَت بمَثَلِ الحَبَّةِ في 261، فبَعدَ أن عَرَّفَتِ الآياتُ المُؤَهِّلاتِ النَّفسيَّةَ (عَدَم المَنِّ والأذى، تَرتيب القِيَم، إبطال الرِّياء، سُموّ الابتِغاء، خَوف الإعصار، جَودة العَطاء، حَربُ الشَّيطان، مِفتاح الحِكمة، عِلمُ الله بكُلِّ نَفَقةٍ ونَذر، الإبداءُ والإخفاء، الهِدايةُ حَقُّ الله، الفُقَراء المَستورون) جاءَت هذه الآيةُ لتَختِمَ بِصورةٍ كامِلةٍ للمُنفِقِ الذي استَوعَبَ هذه الدُّروسَ كُلَّها. والإنفاقُ هُنا قد صارَ طَبيعةً لا قَرارًا، وصارَ تَدَفُّقًا مُستَمِرًّا دونَ اختِيارٍ بَينَ مَودّات، ونَمَطَ حَياةٍ لا سِياسةً اجتِماعيَّة.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة، فَدَورُ «المُنفِقِ الذي جَمَعَ الأربَعةَ حَتّى صارَ عَطاؤُه طَبيعةً لا قَرارًا» يَسبِقُ دَورَ «المُتَبَرِّعِ المَحكومِ بسِياقٍ زَمَنيٍّ أو اجتِماعيٍّ واحِد»، ودَورُ «طَلَبِ الأجرِ عِندَ الرَّبّ» يَسبِقُ دَورَ «طَلَبِ الأجرِ عِندَ النّاسِ أو عِندَ النَّفس».


حَصيلة

خَتمُ دَورةِ الإنفاقِ (261-274) بِصورةٍ جامِعة. والفِعلُ مُضارِع: «يُنفِقون» استِمرارٌ وتَجَدُّدٌ، لا حَدَثٌ واحِد، وقد نَسَبَ النَّصُّ المالَ إليهم في «أموالَهم» تَكريمًا: ما يَخرُجُ مِلكٌ حَقيقيٌّ لا فائِض. ثُمَّ شَبَكةٌ رُباعيَّةٌ تُغلِقُ كُلَّ ثَغرة: لَيلٌ سِرِّيٌّ، ولَيلٌ عَلَنيٌّ، ونَهارٌ سِرِّيٌّ، ونَهارٌ عَلَنيٌّ. وتَقديمُ اللَّيلِ (ل-ي-ل) على النَّهارِ مَقصود، يُطَمئِنُ مَن يَخشى الرِّياءَ بِأنَّ اللَّيلَ مَقبول، ثُمَّ يُطَمئِنُ مَن يَخشى الاتِّهامَ بالبُخلِ السِّرِّيِّ بِأنَّ النَّهارَ مَقبول. والسِّرُّ (س-ر-ر) يَحفَظُ النِّيَّة، والعَلانيةُ (ع-ل-ن) تَخدُمُ الوَظيفةَ الاجتِماعيَّة، وكِلاهُما مَشروعٌ بِحَسَبِ السِّياق. والنَّتيجةُ تَعكِسُ 262 بِلَفظِها: فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، أمنٌ مِن الخَوفِ (خ-و-ف) الذي يَستَشرِفُ سوءَ القادِم، وأمنٌ مِن الحُزنِ (ح-ز-ن) الذي يَأسى على ما مَضى، والمُنفِقُ المُستَمِرُّ مُعافًى مِن كِلَيهِما في الحالِ قَبلَ الآجِل.