المُقارَبة
بُلوغُ الحافّةِ والاحتِباسُ عِندَها: دُنُوٌّ يُمَدُّ حَتّى يُلامِسَ ثُمَّ يُمسَكُ فلا يَقَعُ الوُقوع.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
ثلاثةُ حُروف:
- ك: التِقاءٌ غائِرٌ وتَداخُل، وكَتمٌ واحتِباسٌ وامتِساك، ثُمَّ
قَطعٌ وانفِلاتٌ وخُروج. شِحنَتُه: كَتمٌ مُمسِكٌ يَنفَلِتُ قاطِعاً.
- و: عَقدٌ وإحاطةٌ واحتِواء، ووَصلٌ مَمدودٌ ورَبط، ثُمَّ انفِراجٌ
وإفضاء. شِحنَتُه: وَصلٌ مَمدودٌ يُفضي.
- د: احتِباسٌ وضَغطٌ وثَبات، ثُمَّ دَفعٌ نافِذٌ مُمتَدّ. شِحنَتُه:
احتِباسٌ ثابِتٌ يَحبِسُ الدَّفع.
النَّواةُ كو (ك + و) = امتِساكٌ يُمَدُّ مَوصولاً: قَبضةٌ لا تُرسِلُ ما فيها، تُمَدُّ نَحوَ ما تُواجِهُهُ حَتّى تُدانِيَه. والإغلاقُ بِـد يَحبِسُ هذا المَدَّ عِندَ مُنتَهاهُ ويُثَبِّتُهُ هُناكَ بَدَلَ أن يُطلِقَه، فيَصيرُ الجَذرُ: مَدُّ الدُّنُوِّ إلى حافّةِ الشَّيءِ ثُمَّ الاحتِباسُ عِندَها.
ومنه في كَلامِ العَرَب: كادَ يَفعَلُ إذا دَنا من الفِعلِ ولَم يُواقِعْه، و«لا أفعَلُهُ ولا كَوداً» أي ولا مُقارَبةً لَه.
الشِّحنةُ الجامِعة: دُنُوٌّ يَبلُغُ الحَدَّ ويُمسَكُ عِندَه، فيَقَعُ في اللَّفظِ ما لَم يَقَع في الأمر.
الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن
- يَكَادُ (مُضارِعٌ لِلغائِبِ مَفتوحُ العَين)، ٢:٢٠: فَتحُ العَينِ
في المُضارِعِ عَلامةُ الأجوَفِ الواوِيِّ في هذا الباب، والمُضارِعُ يُجَدِّدُ بُلوغَ الحافّةِ كُلَّما تَجَدَّدَ سَبَبُها.
- كَادُوا (ماضٍ لِجَماعةِ الغائِبين)، ٢:٧١، ١٧:٧٣، ١٧:٧٦:
المُضِيُّ يُثبِتُ أنَّ الحافّةَ بُلِغَت وانقَضى أمرُها.
- كِدتَّ (ماضٍ لِلمُخاطَبِ مَكسورُ الفاء)، ١٧:٧٤: كَسرُ الفاءِ في
المُسنَدِ إلى الضَّميرِ المُتَحَرِّكِ بِناءُ الأجوَفِ إذا انحَذَفَت عَينُه.
- أَكَادُ (مُضارِعٌ لِلمُتَكَلِّم)، ٢٠:١٥: الصّيغةُ الوَحيدةُ
المُسنَدةُ في المَنشورِ إلى مُتَكَلِّمٍ واحِد.
لا يَرِدُ في المَنشورِ مَصدَرٌ لِهذا الجَذرِ ولا اسمُ فاعِلٍ ولا أمر، والصِّيَغُ الأربَعُ كُلُّها أفعالٌ ناقِصةٌ يَتلوها خَبَرٌ مُضارِع.
الجَذرُ قبلَ الوَزن: بُلوغُ الحافّةِ والاحتِباسُ عِندَها، من
الحُروف؛ والأوزانُ إنَّما تُسَمّي مَن بَلَغَها ومَتى.
الفُروق المَعنويّة
لا فَرعَ مُستَقِلّاً في المَنشورِ لِهذا الجَذر: صِيَغُهُ الأربَعُ وَجهٌ واحِدٌ لا يَنقَسِم. والقُربُ (qurb) يُجاوِرُهُ ولا يُطابِقُه: القُربُ دُنُوٌّ واقِعٌ يُوصَفُ به صاحِبُه، والمُقارَبةُ دُنُوٌّ مَحبوسٌ عِندَ حَدِّهِ لا يُوصَفُ إلّا بِفِعلٍ يَتلوه.
المَواضع: مَواقعُ المُقارَبةِ في المُصحَف (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:٢٠ ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾: مَوضِعُ
الافتِتاح. الجَذرُ يَدخُلُ المُصحَفَ في مَشهَدِ حافّةٍ لا تُعبَر: البَرقُ يَبلُغُ الخَطفَ ولا يَخطَف، والمُضارِعُ يُعيدُ البُلوغَ مَعَ كُلِّ لَمعة. وتَمامُ الآيةِ يُقيمُ الصّورةَ نَفسَها في أصحابِ الأبصار: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَّشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾، مَشيٌ يَنقَطِعُ وقِيامٌ يَعقُبُه، فلا وُصولَ ولا انقِطاع. انظُر barq.
- ٢:٧١ ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾: الجَديدُ: أوَّلُ
نَفيٍ يَقَعُ على الجَذر، وهو نَفيٌ يَصحَبُ إثباتَ الفِعلِ نَفسِهِ بِالفاءِ قَبلَه. فالجُملةُ تُثبِتُ الذَّبحَ وتَنفي المُقارَبة، وهذا لا يَستَقيمُ إلّا إذا كانَ الجَذرُ يَصِفُ حالَ صاحِبِهِ عِندَ الحافّةِ لا وُقوعَ الحَدَثِ نَفسِه: بَلَغوا الذَّبحَ ولَم يَبلُغوا الدُّنُوَّ مِنه. انظُر baqara.
- ١٧:٧٣ ﴿وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا
إِلَيْكَ﴾: الجَديدُ: المُقارَبةُ تَدخُلُ جُملةً مُؤَكَّدةً بِـ«إن» واللّامِ بَعدَها، فيَصيرُ بُلوغُ الحافّةِ خَبَراً مُشَدَّداً لا احتِمالاً. والجَديدُ فَوقَ ذلك أنَّ الحافّةَ يَبلُغُها قَومٌ والمُهَدَّدُ بِها غَيرُهُم: الدُّنُوُّ فِعلُهُم، والمَخافةُ في الذي يَقَعُ عَلَيه. انظُر fitna.
- ١٧:٧٤ ﴿وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ
إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾: الجَديدُ: المُخاطَبُ نَفسُهُ يَصيرُ بالِغَ الحافّة، بَعدَ أن كانَ في ١٧:٧٣ مَبلوغاً إلَيه. والآيةُ تُسَمّي الحابِسَ صَراحةً: ﴿ثَبَّتْنَاكَ﴾، وهذا هوَ عَمَلُ الدّالِ في الجَذرِ مَكتوباً في الآيةِ نَفسِها: احتِباسٌ ثابِتٌ يُوقِفُ المَدَّ عِندَ حَدِّه. و﴿شَيْئًا قَلِيلًا﴾ يُصَغِّرُ المَبلوغَ إليهِ ولا يُلغيه. انظُر thabat.
- ١٧:٧٦ ﴿وَإِن كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ
لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا﴾: الجَديدُ: البِناءُ المُؤَكَّدُ نَفسُهُ يُعادُ، ويَنتَقِلُ المَبلوغُ إليهِ من صَرفٍ عنِ الوَحيِ إلى إزعاجٍ عنِ الأرض: من حافّةٍ في القَلبِ إلى حافّةٍ في المَكان. وتَمامُ الآيةِ ﴿وَإِذًا لَّا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ يُعَلِّقُ على الحافّةِ التي لَم تُعبَر جَزاءً لَو عُبِرَت: المُقارَبةُ نَفسُها يُبنى عَلَيها حُكم.
- ٢٠:١٥ ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾: الجَديدُ:
الإسنادُ يَنتَقِلُ إلى المُتَكَلِّمِ سُبحانَه، فيَخرُجُ الجَذرُ من وَصفِ مَن يُحبَسُ عِندَ الحافّةِ إلى وَصفِ مَن يُمسِكُ عِندَها إمساكاً مَقصوداً. والمُقارَبُ هُنا إخفاءٌ لا إظهار، فالحَدَثُ المَحبوسُ هو نَفسُهُ حَبسٌ عنِ العِلم. وتَعليلُ الآيةِ ﴿لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ﴾ يَجعَلُ الوُقوفَ عِندَ الحافّةِ مَقصوداً لِأثَرِهِ في السّاعي. انظُر ikhfa.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
barq: ٢:٢٠ تَجعَلُ البَرقَ صورةَ الجَذر: ضَوءٌ يَبلُغُ
غايَتَهُ ويَنقَطِعُ قَبلَها، فلا هوَ خاطِفٌ ولا هوَ تارِك.
baqara: ٢:٧١ تَفصِلُ بَينَ وُقوعِ الذَّبحِ ووُقوعِ
الدُّنُوِّ مِنه: الامتِثالُ في الجَوارِحِ لا يَستَلزِمُ الاقتِرابَ في النَّفس.
fitna: ١٧:٧٣ تَضَعُ الفِتنةَ عنِ الوَحيِ في مَوضِعِ الخَبَرِ
بَعدَ الجَذر: المُقارَبةُ لا تُذكَرُ وَحدَها، بَل بِما قارَبَته.
thabat: ١٧:٧٤ تُسَمّي التَّثبيتَ حابِساً عِندَ الحافّة:
المُقارَبةُ تُوقَفُ من خارِجِ صاحِبِها.
ikhfa: ٢٠:١٥ تَجعَلُ الإخفاءَ نَفسَهُ هو المُقارَب، فيَجتَمِعُ
في الآيةِ إمساكانِ: إمساكٌ عِندَ الحافّةِ وإمساكٌ لِلعِلم.
qurb: القُربُ يَصِفُ المَسافةَ الواقِعة، والمُقارَبةُ تَصِفُ
المَسافةَ حينَ تُستَنفَدُ ويُمسَكُ عِندَ آخِرِها، فالأوَّلُ حالٌ والثّاني حَدٌّ.
الإشكالات المَفتوحة
- أيُّ جَذرٍ يَملِكُ «كادَ»؟ المَنشورُ يَكتُبُ مُضارِعَ هذهِ
المادّةِ مَفتوحَ العَين: ﴿يَكَادُ﴾ (٢:٢٠) و﴿أَكَادُ﴾ (٢٠:١٥)، ويَكتُبُ ﴿يَكِيدُونَ﴾ (٨٦:١٥) مَكسورَ العَين. والمُضارِعانِ لا يَصدُرانِ عن جَوفٍ واحِد، فالمَفتوحُ لِلواوِيِّ والمَكسورُ لِليائِيّ. ومَوقِفُنا أنَّ صِيَغَ المُقارَبةِ الأربَعَ من ك-و-د، وأنَّ شِحنَتَها (بُلوغُ حَدٍّ ثُمَّ احتِباس) غَيرُ شِحنةِ kayd (إضمارٌ يَدفَعُ من باطِن). وفي kayd ذِكرٌ لِـ«كادَ» في عِدادِ ما يُعطيهِ ك-ي-د، والمَسألةُ تُترَكُ قائِمةً هُنا لِأنَّ حَسمَها يَحتاجُ نَظَراً في المَفهومَينِ مَعاً لا في أحَدِهِما.
- هل يُفهَمُ مِن «كادَ» وُقوعُ ما بَعدَها أم امتِناعُه؟
المَواضِعُ المَنشورةُ لا تُعطي جَواباً واحِداً: في ٢:٢٠ الحافّةُ لا تُعبَر، وفي ٢:٧١ يَقَعُ الفِعلُ وتُنفى المُقارَبة، وفي ١٧:٧٤ يُذكَرُ الحابِسُ ولا يُذكَرُ العُبور. والحُروفُ إنَّما تُعطي بُلوغَ الحَدِّ والاحتِباسَ عِندَه، وما وَراءَ الحَدِّ تَقولُهُ الآيةُ في كُلِّ مَوضِعٍ بِلَفظِها لا بِالجَذر.